المسكوت عنه في التاريخ السوري ما قبل مرحلة الستينيات

2023.01.20 | 06:17 دمشق

المسكوت عنه في التاريخ السوري ما قبل مرحلة الستينيات
+A
حجم الخط
-A

أنشغلُ منذ فترة بقراءة المذكرات، التي كتبها سياسيون سوريون وقادة عن مفهوم الدولة السورية منذ مرحلة التشكل الأولى في العشرينيات وصولاً إلى مرحلة الوحدة مع مصر، على سبيل الاستمتاع أولاً، وتجذير المعرفة بالتاريخ السوري ثانياً. وهي المرحلة التي أسست وحملت معظم التغيرات المجتمعية ومفاهيم الدولة والشخصية السورية. وكنت قد انشغلت قبل أكثر من ربع قرن بقراءة النصوص السردية والأدبية لتلك المرحلة بهدف التدريس الجامعي. وأعثر اليوم على تفسير عدد كبير من ثيمات تلك النصوص الأدبية في الأحداث السياسية والعكس كذلك، بخاصة أن معظم الأدب الذي كتب يومذاك كان مشغولاً بفكرة الواقعية والتعبير عن حاجات المجتمع.

وما يزيد الشوق للتعرف عن كثب إلى تلك المرحلة حالة الحرمان المعرفي القديمة، الذي جعل تلك المرحلة مرحلة ممنوعة علينا، كسوريين حتى فترة ثورة 2011 وإفادتنا من معطيات الثورة الرقمية، إلا ما أراد النظام السياسي السوري تسريبه، أو وجوده في المناهج الدراسية، أو الكتب التي يسمح بقراءتها تحت الطاولة، بخاصة أن معظم مؤسسي تلك المرحلة قد تم نفيهم أو اعتقالهم أو رحلوا.

ليست المذكرات مصدر التاريخ الأبرز عادة، بل لا بد من التنقيب فيها والأخذ بعين النظر دور العوامل الشخصية وموقع كاتبها من الأحداث، قدر المستطاع كي نصل إلى العصارة التاريخية، وتزداد قيمتها في التاريخ السوري المعاصر، نتيجة القمع والاستبداد ومحاربة الدولة لتدوين التاريخ السوري، ليس السياسي فحسب، بل كذلك الاقتصادي والاجتماعي والإنثربولوجي والإثنوغرافي، فلا نعرف إلا معلومات بسيطة عن تاريخ تحولات اللباس مثلاً أو المقاهي أو يوميات العسكريين أو العمال أو الفلاحين أو معظم المهن وتغيرات المدن والتاريخ الوجداني.

في قسم اللغة العربية منعت دراسة الأدب الشعبي حتى بوصفه ظاهرة بحجة أنه لا يليق بقسم اللغة العربية أن يتناول الأدب الشعبي!

وكان نمط الحياة الاجتماعية والسياسية السورية يقدم العام على الخاص والإستراتيجي على اليومي والرسمي على الشخصي، وأذكر في هذا السياق أن زميلاً لنا في كلية الآداب بجامعة دمشق كتب كتاباً عن النَّور في سوريا فأخذ عدد من "الرسميين السوريين" يتنمرون عليه وينادونه بـ "النَّوري".  وفي قسم علم الاجتماع كانت الموضوعات البحثية غالباً غير ساخنة وأقرب للرسمية، وفي قسم اللغة العربية منعت دراسة الأدب الشعبي حتى بوصفه ظاهرة بحجة أنه لا يليق بقسم اللغة العربية أن يتناول الأدب الشعبي!

حين تقرأ تلك المذكرات تعيد اكتشاف جذورك كسوري، صحيح أنني شخصياً، لم أعش في تلك المرحلة وعمري كله عشته في مرحلة الأسديْن المستبدين، إلا أن التأمل في تلك المرحلة يجعلك تستعيد مفاهيم تشكل الدول، وفكرة النقاء، والأسود والأبيض، والتحولات، والكثير من المسلمات، بحيث يمكن تدوين الملاحظات التالية:

  • معظم السياسيين والقادة الذين كانوا جزءاً من الحكومات في مرحلة الفرنسيين وما بعدها هم نتاج الثقافة العثمانية غالباً، وهي التي أهلتهم تعليمياً وإدارياً وخبراتياً، ولوحظ أن معظم متشربي تلك الثقافة بقي موقفهم ناعماً من المرحلة العثمانية، وهذا يؤكد فكرة التأثير الثقافي في الإنسان عامة. أما غالبية الذين تم تأهيلهم بالثقافة الفرنسية فمن اللافت أنهم كانوا ميالين إلى التجربة الفرنسية والتعاون معها وإبقاء أسس التواصل مفتوحة.
    • أغلب المصطلحات التي كرستها المناهج الدراسية وحزب البعث غابت عن تلك المذكرات، من مثل مصطلح "الاستعمار الفرنسي" واستعمل بدلاً منه مصطلح الإفرنسيين أو الانتداب الفرنسي. وكذلك يخفت حضور مصطلح الخيانة والعمالة ليحل بدلاً منهما: التعاون أو التفاوض أو الإفادة من تجربة الفرنسيين لمصلحة سوريا من جهة وتحقيقاً لمصلحتهم الشخصية من جهة أخرى، ويلحظ هاهنا أن معظم القادة "المقدَّسين" سورياً كانوا يتعاملون مع الفرنسيين ويتفاوضون، وعملوا إلى جانبهم وبرئاستهم أحياناً، وانتظروا دعمهم ليتم تكليفهم برئاسة الوزارة أو رئاسة الجمهورية. وهذا يقودنا للتساؤل عن فكرة أن عدداً ممن نعدهم رموزاً هم بالمفاهيم الإيديولوجية المكرسة حالياً: عملاء وخونة! فكيف يمكننا المواءمة بين هذا وذاك؟ ومن يملك سيف التخوين؟ وإذا أسقطناه على مرحلة ثورة 2011 والمفاوضين والممثلين السياسيين حالياً، فهل يبقى المصطلح يقينياً إلى تلك الدرجة؟ أم أننا جلادون لأنفسنا وممثلينا إلى حد كبير؟
  • حضور دور العلاقات الشخصية والعائلية في تشكل الدولة السورية، لأن مفاهيم الإدارة لم تكن قد استقرت آنئذ، واعتمدت غالباً على تجارب شخصية. وقلةٌ هي الشخصيات التي درست علم الإدارة أو العلوم السياسية. وهذا طبيعي بالنسبة لتاريخ تلك العلوم في تشكيل الدول آنئذ؛ لذلك نجد عائلة كالأتاسي مثلاً قد شغلت عدة مناصب أكثر من مرة منها الرئيس والوزير باتجاهات إيديولوجية مختلفة عدة مرات وتعاونت، مثل سواها، مع قوى إقليمية ودولية. ونجد كذلك أثر "الشلة" في الحكم فلكل رئيس وزارة مجموعته ولكل رئيس فريقه. وقد دخلت المصالح وتبادل المنافع والمقاولات وصفقات الاستيراد والتصدير لرضى مختلف الأطراف وشراء ولائها في تكوين الدولة. ومن المهم الإشارة إلى أن معظم الوزارات حتى الخمسينيات كانت للدمشقيين ثم دخل الحلبيون بقوة وهما مركز الدولة السورية وتكوينها، والحماصنة والحمويون كذلك، ولاحقاً المحافظات الأخرى، وقد غابت عدة محافظات عن التمثيل "الفاعل" إلى مرحلة ما بعد الاستقلال؛ مما يثير السؤال حول مفهوم سوريا والبنية الصلبة منها، والمدن المشكلة لها. وقد يفسر ذلك أن محافظات مثل السويداء أو اللاذقية وطرطوس لجأت إلى الدخول في سلك العسكر كي تحصل على قوة وتكون حاضرة في الدولة لأنه ليس لديها طريق آخر في ظل سيطرة البرجوازية السورية. ويلحظ أن "طق البراغي" عند الفرنسيين أو عند الخصوم والألاعيب السياسية كانت حاضرة منذ بداية تشكل الدولة السورية كأنها منهج سياسي عالمي يومذاك. ويسجل من جهة أخرى لكثير من القادة القدرة على العمل المشترك، رغم الاختلافات مع الآخرين في الأفكار، لوجود غاية نبيلة وهي بناء الدولة. وغلب على عدد كبير منهم السمو الأخلاقي فيما يخص مصالح الشعب وعدم الإساءة له.
  • الأثر العربي الكبير في الوضع السوري متمثلاً بالتحالف الفيصلي العراقي الأردني من جهة أو التحالف المصري والسعودي من جهة أخرى، وكان من اللافت ميل الدمشقيين إلى التحالف السعودي وميل الحلبيين والحماصنة إلى العراقي في ظل الرغبة الهاشمية بفكرة مشروع الهلال الخصيب أو سوريا الكبرى. ويكاد لم يستلم المناصب الرئيسية "رئاسة الدولة أو رئاسة وزارة إلا الأشخاص الذين كان لهم غطاء دولي من الفرنسيين أو الإنكليز أو الأميركيين أو السوفييت، وهذا يعيدنا للسؤال عن أثر الجانب الدولي في القرار السوري مقارنة مع الحاضر والأثر التركي والإيراني والروسي والأميركي في القرار السوري الحالي؟
  • بدا في تلك المذكرات جوانب مجهولة من الوجع الفلسطيني والتجاذبات والتسليح واختلاف المصالح وكون القوة الصهيونية أكبر من تاريخ تلك الدول الغضة آنئذ، بحيث بدا أن معظم المكرس تاريخياً غير دقيق بل يحتاج إلى قراءة من عدة وجهات وبعيون مختلفة، وهو ما ينطبق على ما قام به يوسف العظمة في ميسلون والجنرال غورو وميل الناس لمن يحكمها، بل إن كثيرا مما نسب للآخر بدا أن سوريين عديدين شاركوا به وشجعوه إما محاباة أو لأنه يحقق مصالحهم: إعدامات جمال باشا ودخول الفرنسيين وخروجهم من سوريا وحكايات الانقلابات العسكرية. ومن اللافت أن تعديل الدستور السوري كي يسمح بإعادة انتخاب رئيس مرة أخرى، قادها أكثر رئيس سوري يضرب السوريون به المثل بالاستقامة والزهد بالحكم هو شكري القوتلي.
  • كان دور رجال الأعمال أو ما كان يطلق عليه "البرجوازيون" كبيراً ومؤثراً ومرجحاً قبل دخول العسكر على خارطة الحكم بعد الاستقلال، وانتبه رجال الأعمال القادة إلى فكرتين رئيسيتين هما: ضرورة التحالف مع المتدينين، وأهمية تشكيل الأحزاب بصفتها شبكة علاقات جديدة مصلحية وخدمية وانتخابية نخبوية وليست جماهيرية يحتاجها الشكل الجديد من الحكم، أكثر مما يحتاج الصلات العائلية أو أبناء الحارة الواحدة أو المدينة الواحدة. وابتداء من الأربعينات تم الانتباه إلى دور التمثيل النيابي وضرورة التمثيل الجغرافي والديني وسواهما.  قبل أن يدخل بعد الاستقلال عدد من الضباط والحزبيين على خارطة القادة ليفرضوا وجهاً آخر من السلطة القمعية.

لم تكن مفاهيم الديمقراطية والتمثيل الشعبي قد تكرست، وتكاد تجد، حتى مرحلة الوحدة، أن الوجوه التي استلمت الحكم في سوريا والوزارات وجوه متكررة

وكان عدد من كتاب المذكرات مخلصين للزمان الذي عاشوه، فلم يترددوا بالحديث عن وجود "طبقة عليا" من القادة والعارفين والخبراء الذين يقررون، وعلى الشعب المتبقي من عمال وفلاحين وأصحاب مهن أن يتبعهم ويرحب بقراراتهم، فهم الأدرى بشؤونه وشجونه ومصلحته، ولم تكن مفاهيم الديمقراطية والتمثيل الشعبي قد تكرست، وتكاد تجد، حتى مرحلة الوحدة، أن الوجوه التي استلمت الحكم في سوريا والوزارات وجوه متكررة. وهي غالباً من الطبقة المالكة المتحالفة مع المتدينين، وقد شكلت تيارات في استلام الحكم مثَّلها كل من: خالد العظم وجميل مردم ورشدي الكيخيا وناظم القدسي وهاشم الأتاسي وتاج الدين الحسني وأكرم الحوراني وشكري القوتلي وآخرين!!!