العراق ومعضلة رئيس الوزراء القادم!

2021.11.24 | 05:14 دمشق

thumbs_b_c_f85017130d6ad25b2d65e3410e6c9be6.jpg
+A
حجم الخط
-A

مضى العرف السياسي في العراق بعد العام 2003 بأن يكون رئيس الوزراء من الشيعة، ورئيس الجمهورية من الكرد، ورئيس البرلمان من السنة!

ولا يوجد أي دليل قانوني على هذا التقسيم الذي ركّز على تقسيم العراقيّين إلى تقسيمات فرعيّة كانت ضعيفة في مراحل ما قبل العام 2003، ولكن يبدو أنّ الأمور سارت بهذا الاتّجاه ولا يمكن تغييرها بسهولة وكأن الجميع متّفقون على هذا المسار!

وبعيدا عن جدليّة الكتلة الأكبر التي سبق أن تحدثنا عنها بمقال خاص في موقع تلفزيون سوريا: "(الكتلة الأكبر) العقبة (الأكبر) أمام تشكيل الحكومة العراقيّة!)" والتي يحقّ لها تشكيل الحكومة نجد أن الدستور العراقيّ بحسب المادّة (76)، أشارت إلى أنّ الكتلة الأكبر يحقّ لها تشكيل الحكومة بتكليف من رئيس الجمهوريّة!

التيّار الصدريّ بزعامة مقتدى الصدر قد فاز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانيّة، وهم مصرّون على أن يكون رئيس الحكومة من التيار الصدري، أو قريب من التيّار!

ومع قرب الإعلان عن النتائج النهائيّة للانتخابات البرلمانيّة العراقيّة التي جرت في العاشر من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021، خلال الأيام القليلة القادمة، والتي ستعقبها مرحلة الجولة الأطول والأعقد والمتمثّلة بتسمية رئيس الحكومة.

فمَنْ هي الشخصيّات المؤهّلة لهذا المنصب الحسّاس؟

وقبل التطرق لأهم تلك الشخصيّات نذكر أن التيّار الصدريّ بزعامة مقتدى الصدر قد فاز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانيّة، وهم مصرّون على أن يكون رئيس الحكومة من التيار الصدري، أو قريبا من التيّار!

وقد آثرت بدايةً ذكر بعض مرشّحي التيّار الصدريّ باعتبار أنهم الكتلة الأكبر، وبعدها سنذكر الشخصيّات الأخرى:

- محمد جعفر الصدر: يعدّ جعفر الصدر من أهم الشخصيّات لدى التيّار الصدريّ، وتأتي قوّته من كونه نجل رجل الدين الشيعيّ محمد باقر الصدر منظر ومؤسّس حزب الدعوة الإسلاميّة، وابن عم مقتدى الصدر زعيم التيّار، وقد سبق له أن فاز بعضويّة مجلس النوّاب للدورة 2010، وحاليا يشغل منصب سفير العراق في بريطانيا منذ العام 2019.

ولهذا فحظوظه كبيرة بسبب قربه من الكتلة الأكبر، ولكون والده مرضياً عنه من قبل القوى الشيعيّة القويّة بما فيها حزب الدعوة بزعامة نوري المالكي المنافس الأكبر للصدر في تشكيل الكتلة الأكبر داخل البرلمان المقبل!

- نعيم الغزي: أحد رجال التيّار الصدريّ في محافظة ذي قار (الناصرية) الجنوبيّة، وقد كان رئيسا لكتلة التيّار (الأحرار) وعضوا لمجلس المحافظة لدورتين متتاليتين!

وفي حكومة عادل عبد المهدي أنيطت به مهمّة الأمين العامّ لمجلس الوزراء منذ نيسان/ أبريل 2019، ولحد الآن.

وهذا الرجل يمتلك بعض الحظوظ باعتباره من الصدريين، ويمتلك خبرة لا بأس بها في العمل الإداريّ والتفاهمات السياسيّة خلال عمله في أمانة مجلس الوزراء.

- حسن العذاري: وهو من أعضاء التيّار الصدريّ وقد فاز في الانتخابات البرلمانيّة 2021، ويقال بأنّه أحد مستشاري الصدر، وقد عيّنه قبل شهر تقريبا كرئيس للجنة مفاوضات التيّار مع بقيّة الكتل لترتيب التفاهمات السياسيّة من دون أن تكون هنالك إشارة واضحة لاحتماليّة ترشيحه لمنصب رئيس الحكومة، لكنّه يبقى ضمن الشخصيّات المرشّحة، ومع ذلك أتصوّر أن قلّة خبرته السياسيّة ستدفعه لمهام أخرى عدا رئاسة الوزراء، ربّما من بينها رئاسة الكتلة الصدريّة داخل البرلمان المقبل!

- نصار الربيعي: وهو من كبار رجال التيّار الصدريّ، ويحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسيّة، ورئيس كتلة (سائرون) التابعة للتيّار في البرلمان الماضي، وقد شغل العديد من المناصب ومن أهمّها رئاسة الهيئة السياسيّة للتيّار وعضويّة مجلس النواب وعضويّة لجنة كتابة الدستور، وشغل منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعيّة!

وكان الربيعي من بين المرشّحين لمنصب رئيس الحكومة لكن يبدو أنّ حظوظه قد تراجعت قليلا مع تقديم الصدر لبعض الشباب للتفاوض مع الكتل الأخرى، وعدم تقديمه عليهم، وربّما هذا مؤشّر على عدم ترشيحه لهذا المنصب لاحقاً، لكنه يبقى ضمن قائمة المرشّحين.

- نوري كامل المالكي: هو نوري المالكي زعيم حزب الدعوة الإسلاميّة في العراق، ورئيس كتلة دولة القانون البرلمانيّة، ورئيس الحكومة منذ العام 2006 حتّى العام 2014.

وهو من المرشّحين الأقوياء لتكوين الكتلة الأكبر داخل البرلمان والفوز بالمنصب تماما مثلما فعل مع إياد علاوي رئيس الوزراء السابق حينما فاز علاوي في انتخابات 2010، إلا أنّ المالكي رتّب الكتلة الأكبر داخل البرلمان وحصل على المنصب.

والمالكي من الشخصيّات التي أثير حولها كثير من علامات الاستفهام والتعجّب، والكثير من خصومه والعراقيّين يتّهمونه بالعديد من القضايا الخطيرة، ومنها تسليم ثلث العراق لتنظيم داعش في حزيران/ يونيو 2015، وتعامله الطائفيّ مع بقيّة المكوّنات، وقمعه الدمويّ للمظاهرات في المدن الستّ المنتفضة (2011-2013)، وارتكابه لسياسات قمعيّة مخيفة في فترة حكمه، وعدم ضبطه لوزارة الداخليّة التي نفّذت جرائم وحشية، وكذلك سوء إدارة الثروات النفطيّة، وتقريبه لصهريه في مكتبه، وأيضا نفوذ ابنه أحمد في العديد من المؤسسات الأمنيّة الخاصّة!

ومع كلّ هذه الملاحظات يبقى المالكي من الشخصيّات المرشّحة بدرجة معقولة للوصول للرئاسة للمرّة الثالثة إذا وافقت الكتل الكرديّة على تسلمه للمنصب.

- حيدر العبادي: هو عضو حزب الدعوة برئاسة نوري المالكي، وفي 14 آب/ أغسطس 2014 أعلن المالكي تنازله لرفيقه في الحزب حيدر العبادي لمنصب رئاسة الوزراء!

وقد أعلن العبادي نهاية أيار/ مايو 2019 استقالته من حزب الدعوة.

والعبادي ربّما عليه بعض الاعتراضات الكرديّة وذلك لأنّه رفض استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق واعتبره تهديدا للمنطقة، وقد استعاد السيطرة على مدينة كركوك وهي من المناطق المتنازع عليها مع الكرد!

وهو في كلّ الأحوال يُعدّ أقلّ طائفيّة من المالكي وإن وافقت عليه الكتل الكرديّة فأتصوّر أنّ حظوظه بالمنصب ستكون كبيرة، لأنّه يعدّ من أكبر مرشّحي التسوية بين الكتل لهذا المنصب!

- مصطفى الكاظمي: رئيس حكومة تصريف الأعمال الحاليّة مصطفى الكاظمي يعتبر من الشخصيّات المرشّحة بدرجة متميّزة لمنصب رئيس الوزراء القادم!

وهنالك اعتراضات شيعيّة كبيرة عليه، وبالذات ما يتعلّق منها باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيرانيّ وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبيّ بغارة أميركيّة في العراق بداية العام 2020، حيث اتّهمت بعض الفصائل الشيعيّة ومنها كتائب "حزب الله" العراقيّة الكاظمي بتسهيل اغتيالهما، حينما كان يشغل منصب مدير المخابرات.

وأعتقد أنّ التأزّم الأخير ما بين الكاظمي وفصائل الحشد الشعبيّ قلّل من فرص فوزه في المنصب، ولكنّه يبقى، إن وافق عليه الصدر، من المرشّحين الأقوياء لهذا المناصب!

وهنالك من طرح اسم محافظ البصرة الحالي أسعد العيداني، أو نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي والقاضي فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى وغيرهم من الشخصيّات!

التجارب الماضية علمتنا أنّه لا يوجد ثابت في التفاهمات بين الكتل العراقيّة، وأنّ مصالح غالبيّة القوى الحاكمة وليس مصلحة العراق هي النقطة الأكبر في التفاهمات السياسيّة

وفي كلّ الأحوال لا يمكن أن يكون الرئيس القادم من دون موافقة التيّار الصدريّ الذي أصرّ على أن يكون الرئيس القادم من مرشحيه أو مرضي عنه من التيّار، وإلا فستكون حينها نقطة الانحدار الكبرى نحو الخراب الحقيقي في العراق!

تبقى جميع هذه الفرضيات والتوقّعات قراءات محتملة وغير ثابتة، وذلك لأنّ التجارب الماضية علمتنا أنّه لا يوجد ثابت في التفاهمات بين الكتل العراقيّة، وأنّ مصالح غالبيّة القوى الحاكمة وليس مصلحة العراق هي النقطة الأكبر في التفاهمات السياسيّة في مرحلة ما بعد العام 2003، ولهذا ربّما سيكون المرشّح، إن ضمن للجميع مصالحهم، من البعيدين عن الأضواء وليس من بين كلّ التوقّعات المطروحة!