"العالم الروسي" حلم بوتين الجديد

2022.09.21 | 06:26 دمشق

"العالم الروسي" حلم بوتين الجديد
+A
حجم الخط
-A

بين تضارب التصريحات الروسية والأوكرانية حول حسابات الخسائر والأرباح في الحرب التي شنتها روسيا على جارتها أوكرانيا، ومع اشتداد أتون الجشع الروسي لفرض وجودها في دول معينة ومن أجل تبرير التوسع الروسي عالمياً، قرر بوتين أخيراً توقيع مرسوم جديد لزيادة عدد القوات المسلحة الروسية وتتضمن هذه الزيادة ضم قرابة 137 ألف جندي، وذلك وفقاً لما جاء في المرسوم المنشور على البوابة التشريعية للحكومة.

المرة الأخيرة التي أدخل فيها بوتين تعديلات على حجم الجيش الروسي كانت في نوفمبر 2017، عندما تم تحديد عدد المقاتلين عند 1.01 مليون من إجمالي عدد القوات المسلحة، بما في ذلك غير المقاتلين البالغ 1.9 مليون، ما يشير إلى أنه يُقدم على هذه الزيادة بهدف تحقيق غاية عسكرية واستراتيجية مدروسة.

تهدف الوثيقة التي حاول بوتين تمريرها في خضم الحرب الروسية على أوكرانيا إلى تبرير تلك الهجمات العسكرية بترسيخ مبادئ دينية وسياسة جديدة

تستند الوثيقة التي وقعها فلاديمير بوتين مؤخراً وتنصّ على عقيدة جديدة للسياسة الخارجية إلى مفهوم "العالم الروسي"، وهو تصوّر استخدمه المنظرون المحافظون لتبرير التدخل في الخارج دعماً للمتحدثين بالروسية، بحجة حماية تقاليد ومُثل العالم الروسي وضمان سلامتها والنهوض بها، وفقا لما جاء في النشرة المؤلف من 31 صفحة. 

تهدف الوثيقة التي حاول بوتين تمريرها في خضم الحرب الروسية على أوكرانيا إلى تبرير تلك الهجمات العسكرية بترسيخ مبادئ دينية وسياسة جديدة، يتذرع فيها بوتين وأعوانه بضرورة خلق عالم حديث متعدد الأقطاب على افتراض أن روسيا أحد أقوى تلك القوى وأهمها من حيث نماذج الديمقراطية الموجودة اليوم في العالم، وقد استغل بوتين لذلك تصدير قضية الروس الذين وجدوا أنفسهم خارج روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 ومحاولة التذرع بهم للحد مما سمّاه بأنه "كارثة جيوسياسية"، بسبب اضطرار ذوي الأصل الروسي للعيش خارج وطنهم الأم. 

جاء هذا الإعلان بالتزامن تقريباً مع إعلانه استمرار زيادة عائدات بلاده من النفط والغاز على الرغم من المشكلات القائمة بحسب زعمه، مؤكداً أن الوجود الروسي باقٍ ويتمدد وأن السيناريو الذي طبقه مع أوكرانيا قابل للتطبيق في أكثر من دولة أخرى بما يخدم مشروع الإمبراطورية الروسية، كما أنه حدث في أعقاب تقليص أعداد الجنود الروس في سوريا بعد أن سيطرت روسيا تقريباً على المرافئ والمطارات وضمنت حصتها من الثروات الباطنية من نفط وغاز في سوريا.

المرسوم الذي وقعه الرئيس الروسي ببنوده المتعلقة بسياسات روسيا الخارجية أو تلك التي تدّعي إعلاء قيمة الشعب الروسي، يخفي بين سطوره ما هو أبعد من ذلك فقد دلّ بشكل واضح ومن دون مواربة على أطماع بلاده الاستعمارية وأحقيته باتخاذ ما يراه مناسباً من التحركات العسكرية لتنفيذها، ذلك أنه منح نفسه الحق بالتدخل في أي من الأراضي التي ينطق أهلها بالروسية، ممهداً بذلك إلى إمكانية إعادة أمجاد إمبراطورية الاتحاد السوفييتي البائدة، وهو إذ يوجه خطابه إلى الشعب الروسي محاولاً استمالته عاطفياً فقد داعب بذلك الخطاب عواطف كثيرين ممن آمنوا بالاتحاد السوفييتي سابقاً وما زالوا يقفون على أطلاله حتى اللحظة الراهنة، إذ إن جزءا كبيرا من اليسار في العالم ما زال يعيش على أنقاض تلك المرحلة، واصفاً إياها بأنها ذروة تفوق النظام الاشتراكي الذي يعدّ من أفضل ما أنتجته البشرية من أنظمة اقتصادية وسياسية للشعوب.

فعلى خلاف السوريين والأوكرانيين أو أي من الشعوب التي تذوقت ويلات آلة الحرب الروسية، ما يزال اليسار في العالم العربي منه على وجه الخصوص يعتقد أن روسيا في حربها المزعومة على الإرهاب تحدّ من توسع التطرف وتعيد مأسسة النظام الاشتراكي، وأنها بذلك تسعى لفرض عالم متعدد الأقطاب على خلاف ما تحاول أميركا فرضه، ويحلو لمؤيدي هذا النهج الاعتقاد بأن بوتين بدولته الحالية يعد قطباً مكافئاً للولايات المتحدة عسكرياً واقتصادياً، وقد يغالي بعضهم في ذلك فيعتقد أن النظام الرأسمالي الأميركي لا يمكن دحره إلا بمواجهة نظام اشتراكي يقوده خصم قوي وعنيد يتخذ صف الفقراء والمستضعفين واللادينيين ولا يبدو في الوسط لتنفيذ هذه المهمة سوى روسيا من وجهة نظرهم.

لا يتوانى الرئيس الروسي عن استعمال مواطنيه المقيمين في تلك الدول ذريعة له ليتوسع في مستعمراته على حساب الشعوب الأخرى

قد لا يكون التدخل الذي عناه بوتين في الدول الناطقة بالروسية هنا عسكرياً، وقد يحصل على شكل اتفاقيات تعاون اقتصادية أو اجتماعية تجعل حضوره في تلك الدول أمراً واقعاً غير مستغرب وبديهياً، بل ومربح للأطراف جميعها، وبذلك يستطيع التغلغل في سياسات تلك البلاد في محاولة التأثير على القرارات المتعلقة بخطته، وقد يكون التدخل المذكور بطريقة دبلوماسية تجعل لروسيا اليد العليا في علاقتها مع الدول التي أصبحت ضعيفة دبلوماسياً واقتصادياً بعد تفكك الإمبراطورية السوفييتية، ولكنه يوضح بما لا يدع مجال للشك رغبته في إعادة تلك الأمجاد والتخطيط لإعادة ضمّ تلك الدول التي يعتبرها تركته الخاصة إلى خريطته.

لا يتوانى الرئيس الروسي عن استعمال مواطنيه المقيمين في تلك الدول ذريعة له ليتوسع في مستعمراته على حساب الشعوب الأخرى، ويجعل من جنوده وقوداً لمعارك يشنها لبناء مجده الشخصي وتحقيق السلطة التي يتشبث بها بشكل مَرضي، فيزج بمواطنيه لتحصيلها لخوض حروب ليست حروبهم وقد يدفعون الثمن حيواتهم لتحقيق حلم لا طائل منه سوى أن ينصّب بوتين نفسه سلطاناً على أكبر مساحة متاحة من الأراضي.