الشيخ محمد بدر الدين الحسني والإسلام الشامي

2021.06.28 | 06:13 دمشق

alshykh-bdr-aldyn-2-2.jpg
+A
حجم الخط
-A

لا يكفي كتاب واحد لرسم صورة من عدّته البيئة الدينية ودارسوها «شيخ الشام» في الثلث الأول للقرن العشرين، خاصة إذا سلك هذا الكتاب نهج التأليف المشيخي التقليدي في التراجم والسيَر بتفخيم اللغة على حساب التحليل، وبالتمركز حول الروايات الشفوية المبنية على نقل «الثقات». غير أن كتاب «المحدِّث الأكبر وإمام العصر» يظل من أهم ما كُتب عن حياة محمد بدر الدين الحسني (1851 – 1935)، ولا سيما أن مؤلفه، الشيخ محمد صالح الفرفور، كان من التلامذة المباشرين للشيخ صاحب السيرة، ولذلك ينهي عنوانه الطويل بعبارة «كما عرفته».

لا يوجد من مشايخ دمشق، في المئة سنة الأخيرة، من ليس للشيخ الحسني فضل عليه، سواء مباشرة أو عبر شيوخه

يتحدّر الحسني من أصل مراكشي غير بعيد عندما هاجر أحد أسلافه من المغرب إلى مصر، مسقط رأس والده الشيخ يوسف، الذي تنقل في البلدان حتى حط في دمشق حيث استقر به المقام وتزوج من آل الكزبري، مخلّفاً ذكرين سيشتهر منهما محمد بدر الدين الذي كان في الثانية عشرة فقط حين توفي والده وتولت المشيخة الشامية، وعلى رأسها أبو الخير الخطيب، متابعة تنشئته حتى صار أبرز المؤثرين فيها هي بالذات، مجدداً إياها وباعثاً لما تسميه «نهضتها العلمية». حتى ذاع فيها القول إنه لا يوجد من مشايخ دمشق، في المئة سنة الأخيرة، من ليس للشيخ الحسني فضل عليه، سواء مباشرة أو عبر شيوخه.

كانت أبرز ميزات الحسني تبحره في علم الحديث، حفظاً لكتبه المشتهرة ولأسانيدها ورواية لها بالتسلسل. فكان الحديث محور الدرس العام الذي اشتهر به ودأب على إلقائه لأكثر من نصف قرن، بعد صلاة الجمعة، في الجامع الأموي «تحت قبة النسر» كما جرت العبارة على الفخر. وقد صار شيخ البلاد تدريجياً عبر السنوات الطويلة التي واظب فيها على إلقاء هذا الدرس الذي عمد الولاة العثمانيون، وبعدهم بعض كبار موظفي الانتداب الفرنسي، إلى حضوره بين الفينة والأخرى، مجاملة للشيخ ولشعبيته وللوسط الديني، لا سيما مع تباعده المعروف عن المسؤولين وتجنبه زيارتهم في غالب الأوقات. بخلاف حال ولده محمد تاج الدين الذي تولى رئاسة الوزارة مرتين، ثم رئاسة الجمهورية، في ظل الانتداب. ورغم أن «الشيخ تاج» لم ينقصه التأهيل لشغل هذه المناصب، فإن كونه ابن «الشيخ البدر» أسهم في وصوله إليها. وذلك على الرغم من الموقف الصارم للأب من الحكم الفرنسي ودعوته إلى الجهاد ضده، ورعايته ثوار الغوطة مادياً ومعنوياً، ودعوته تلاميذه إلى الانضمام إليهم، حتى كان قضاة المحكمة الثورية التي أنشأها حسن الخراط، لضبط تجاوزات «الثوار المجاهدين»، يصدرون أحكامهم الشرعية باسم «إمام المسلمين المحدِّث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني».

بالاقتراب أكثر من الدائرة اللصيقة بالشيخ لعب الدرس اليومي الذي كان يلقيه في منزله، بين المغرب والعشاء، ويحضره مدعوون منتقون؛ دوراً أكثر دقة في إعداد شريحة من المشايخ والوجهاء والدارسين، كان يختار منهم عدداً محدداً من «طلاب العلم» الشبان ليتعهدهم بدروس خاصة في العلوم الشرعية تشغل يومه الحافل، وتستمر لسنوات يتخرج بعدها هؤلاء ليؤسسوا معاهد شرعية وجمعيات عملت على تعزيز التعليم الديني في وجه نشأة المدارس الحديثة وبالتوازي معها، وعلى شد أواصر مجتمع دمشق في مجموعات تضامن داعمة. ومن هؤلاء نقرأ أسماء أبرز من أسهم في «النهضة» التي شكّلت الحالة الدينية المشتهرة بوصف «الإسلام الشامي»، كعلي الدقر ومحمد هاشم الخطيب وعبد الكريم الرفاعي ومحمد سهيل الخطيب ومحمد صالح الفرفور، مؤلف هذا الكتاب، وكثيرين سواهم من منشئي المؤسسات الدينية الأهلية.

رعى أسلمة عميقة وهادئة للمجتمع، دؤوبة وغير متعالية، تعتمد الاجتذاب لا المحاكمة والزعامة الحقيقية لا القيادة المطوِّعة

والحق أن التركيبة التي كان عليها الحسني رسمت برهافة طريق من بعده. فقد أتت عنايته بعلم الحديث في الوقت المناسب لنهضة الإسلام العالِم بعد قرون من الإسلام الشعبي في عهد العثمانيين، بالضبط قبل وصول التأثيرات السلفية التي كانت لتتخذ من علم السند ركناً مكيناً لولا أن سبقها الحسني إلى إشاعته في إطار من التصوف غير الطرقي الذي اتسم به، وتجلى في زهده الواضح وورعه وتواضع كبير بدا في تجنبه إمامة الصلاة وتقديم أي من الموجودين، وكراهية تقبيل يده، معتبراً أن الخير في الناس جميعاً وليس فقط في رموزهم المشيخية التي لا تعلم «بماذا يُختَم لها». وهكذا رعى أسلمة عميقة وهادئة للمجتمع، دؤوبة وغير متعالية، تعتمد الاجتذاب لا المحاكمة والزعامة الحقيقية لا القيادة المطوِّعة.

ففي رمضان كان يرسل مع واحد من أخص تلاميذه نقوداً إلى حي تقطنه البغايا، يوزعها عليهن وينصحهن بالتوبة ويطلب منهن، باسم الشيخ الحسني «أن يدعون لنا بالمغفرة، فعسى أن يستجيب الله لهن». وكذلك في أول أيام عيدَي الفطر والأضحى، حين كان يعمد إلى اصطحاب تلاميذه وزيارة الموقوفين في سجن القلعة، واعظاً وموصياً بالصبر، وطالباً الدعاء.