الإصلاح عبر تشريع المجزرة.. ماكرون والمسألة اللبنانية

2021.09.30 | 06:57 دمشق

54462037_303.jpg
+A
حجم الخط
-A

برزت مفردة الإصلاح في واجهة التّاريخ الحديث حين تم توظيفها كشعار للثّورة ضد نظام بشار الأسد.

الإطار الذي دفع بالمفردة إلى الواجهة ارتبط بفكرة القبول بحكم النظام مع مطالبته بالحد الأدنى من تيسير شؤون العيش، والأمان، الحريّات والكرامات.

النّظام كان يعرف أنّ آليّة عمله المقفلة لا تحتمل ولو الحدّ الأدنى من الإصلاح، لأنّه يفتح مسارًا حقوقيًّا وقانونيًّا من شأنه في نهاية المطاف أن يتسبب بتفكيك بنيته، ومنع أبده من الاستمرار.

النّظام كان يعرف أنّ آليّة عمله المقفلة لا تحتمل ولو الحدّ الأدنى من الإصلاح، لأنّه يفتح مسارًا حقوقيًّا وقانونيًّا من شأنه في نهاية المطاف أن يتسبب بتفكيك بنيته، ومنع أبده من الاستمرار

ردة فعله كانت دمويّة ووحشيّة منذ البداية، وقد حرص على ربط المفردة وما نما على ضفافها من عناوين الحريّة والكرامة بمشاهد التّنكيل والتعذيب والقتل، وكأنّه كان يريد لها أن تصبح معناها وتفسيرها الفعليّ، الذي يلغي معناها القاموسيّ والسّياسي.

لا نعلم ما الذي يجعل الرّئيس الفرنسي ماكرون في مقاربته للشّأن اللبناني يعتقد أنّ الإصلاح ممكن في ظل النّظام الإيرانيّ الّذي يؤمن بالحكم المطلق المغلف بإطار عقائديّ طائفي.

إذا كان نظام الأسد قد قابل المطالبات بالإصلاح بالبراميل المتفجرة، فهل يعتقد أحد أن إيران آيلة للسير في درب الإصلاح، وهي التي بذلت الجهود الحثيثة من أجل إنقاذه ليس بوصفه حليفاً وشريكاً بل لأنه يردّد صدى نموذجها في الحكم والإدارة بالحديد والنار.

سلكت الخطة الفرنسيّة للبنان مساراً تراجعياً بارزاً بشكل بدت فيه وكأنّها لم تكن في الأساس سوى تمهيد لتسليم البلد بالكامل لإيران.

بعد المطالبة بحكومة اختصاصيّين وهجاء الطّبقة السياسيّة، تمخض جبل التسويات المستحيلة فولد فأر حكومة ميقاتي الّتي أعادت إنتاج الطبقة السياسيّة التي يتحكم حزب الله بقرارها بشكل يناقض روح المبادرة الإنقاذيّة الفرنسية، ولكن ذلك لم يمنع ماكرون من متابعة السّير بخطته وكأن شيئا لم يكن.

 الحزب لم يتأخر في مواكبة مسار تأليف الحكومة الذي عكس توافقاً فرنسيّاً إيرانيّاً بالإعلان عن انتصاره على الجميع، وعلى الدولة وفكرتها بشكل خاص، فكان أن باشر باستقدام الوقود الإيراني وتوظيفه سياسيّاً واجتماعيّاً، ودفعه إلى واجهة المشهد.

على الرغم من الوضوح الكامل لنوايا إيران وطريقة عملها في لبنان يصر ماكرون مع استقبال رئيس الحكومة الجديدة نجيب ميقاتي على التّسويق لنظريّة الإصلاح ضمن منطق يعتبر أنه لا بأس من تسليم البلد بالكامل لإيران إذا كان ذلك يتيح إجراء إصلاحات فاعلة داخل النظام اللّبنانيّ الذي تديره.

هذه الآلية، وفق المقاربة الماكرونيّة، تسمح بخلق حدًّ أدنى من التوازن والأمن الاقتصادي والسّياسيّ، من شأنه أن يغري الجهات المانحة وصندوق النقد، والدول العربيّة بإعادة فتح باب المساعدات والقروض والاستثمارات في البلد.

هذه الآلية، وفق المقاربة الماكرونيّة، تسمح بخلق حدّ أدنى من التوازن والأمن الاقتصادي والسّياسيّ، من شأنه أن يغري الجهات المانحة وصندوق النقد

الفساد الذي يطالب ماكرون القائمين عليه بالتراجع عنه لم يعد منذ فترة طويلة سلوكًا هامشيًّا بل صار المتن كلّ المتن. تاليا فإن إصلاحه لا يمكن إلا أن يتخذ شكل إعادة إنتاج كاملة لكلّ البنى الّتي تقوم عليها السّلطة في البلد، والتي يقف على رأسها ويديرها حزب الله، فهل يعني ذلك أنّ ماكرون يطلب من حزب الله الانتحار؟

لا شك في أنه لا يفعل ذلك، وإن كان الإصلاح قياساً على نظام سيطرة الحزب المقفل لا يعني شيئا آخر، ولكنه يطالب بالحد الأدنى من تيسير الأمور وهو السياق الذي جاءت على أساسه حكومة الميقاتي.

هذا الحد الأدنى يبدو حتى الساعة مستحيلا، لأنّ الوعود والحيل التي رافقت تشكيل الحكومة وهدية تنزيل سعر الدولار لثلاثة آلاف ليرة لم تصمد مع الأجواء التي رافقت مشوار الميقاتي الباريسي.

الدولار التقط المشهد وعاود الارتفاع، وأحلام زيادة التغذية بالتيار الكهربائي ماتت مع تحديد شركة كهرباء لبنان آخر شهر أيلول الجاري كموعد نهائي للعتمة الشاملة في كل البلاد، كما لم يظهر أن أبواب الدّول الغربيّة المانحة ولا دول الخليج مفتوحة لمساعدة البلد، لأنّ أيّ مساعدة ماليّة للبنان في الظرف الحالي لن تكون بشكل أو بآخر سوى تمويل مباشر لحزب الله.

الدولار التقط المشهد وعاود الارتفاع، وأحلام زيادة التغذية بالتيار الكهربائي ماتت مع تحديد شركة كهرباء لبنان آخر شهر أيلول الجاري كموعد نهائي للعتمة الشاملة في كل البلاد

وعليه فإن أموال مؤتمر "سيدر" المنتظرة والتي تشكل دول الخليج المانح الأكبر لها وكذلك التفاوض مع صندوق النقد الدولي وغيرها تنتظر ملفات كبرى لا يبدو أنها موضوعة على نار حامية.

 الوضع في لبنان ليس ضمن عناوينها البارزة، بل إن أقصى ما يمكن انتظاره هو أن تطوله بعض الآثار الجانبيّة لأي انفراجات في مسار الاتفاق النووي أو التّسويات المحتملة والبعيدة المدى بين إيران والسّعوديّة.

إزاء كل هذه التّعقيدات يحاول ماكرون أن يكون الوسيط وأن يتخذ من لبنان ممرا لإعادة إنتاج دوره المتهالك أوروبيًّا ودوليًّا، وكذلك لتوظيفه داخليًّا في إطار معركته الانتخابيّة للفوز بولاية رئاسيّة ثانية.

دور الوسيط لم يعط لماكرون من قبل الأميركيين إلا بعد أن بلورت أميركا خريطة انسحابها من المنطقة وتحويلها إلى ساحة حبلى بالفراغ، يمكن لأيّ قوى فاعلة تعبئتها.

لا تقدم أميركا هدايا لأحد، ولا شكّ أن انسحابها عزّز حضور روسيا وإيران في المنطقة، وتُرك لماكرون دور الوسيط بين تمساحين شرسين تجمع بينهما شبكة مصالح معقّدة وتفرق بينهما شبكة أخرى أكثر تعقيدا.

تعمل روسيا على بيع علاقتها بالنفوذ الايراني في سوريا للعالم ويمكنها أن تصل إلى تفاهمات حوله تتعلق بمصالحها الاستراتيجيّة في المنطقة والعالم.

 ليس بالضرورة أن تكون هذه التّفاهمات على حساب دور إيران لأن هذا الدور قد صار متعددا وشبكيّا، ولا يمكن اختصاره بالبعد العسكري وتمويل الميليشيات والعمل الميدانيّ وحسب.

 ليس بالضرورة أن تكون هذه التّفاهمات على حساب دور إيران لأن هذا الدور قد صار متعددا وشبكيّا، ولا يمكن اختصاره بالبعد العسكري وتمويل الميليشيات والعمل الميدانيّ وحسب

يقع لبنان ضمن دائرة امتداد التفرد الإيراني الشبكي، وإذا كان إنفاذ سلطة روسيا وبشار الأسد في سوريا يفترض ترتيب حضور إيران بشكل ما، فإنّ لبنان هو الميدان الّذي سيترك لها بالكامل عبر حزب الله.

المعضلة الّتي لا يبدو أن ماكرون يلتفت لها تكمن في أن طبيعة السلطة التي تمارسها إيران وتنتجها لا يمكنها إلا أن تكون سلطة فساد وإفساد وتمويت وضرب لكلّ ما يمثل سلطة القانون والدولة، فكيف يمكن لمثل هذه السّلطة أن تستجيب لمفهوم الإصلاح؟

 من هنا فإن تدفق مليارات الدولارات على البلد لا يمكن أن يحل أي مشكلة بشكل جدّي، لأنّ بنية السلطة فيه تتخذ هيئة ثقب أسود.

الدليل الذي لا ينكر على أن استحالة الإصلاح يتجلى في تهديد حزب الله للقاضي طارق البيطار المكلف بالتحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت، مع أنه لم يعمد إلى استدعاء أحد من الحزب، ومع أن خريطة اتهاماته تلعب دور رفع الشبهة عنه وتوجيه المسؤوليّة في اتجاه خصومه.

يهدّد الحزب القاضي لسبب وجيه، وهو أنّ مفهوم القضاء بغض النظر عن شكله وآليّة عمله ليس في نهاية المطاف سوى بنية قانونية إصلاحيّة تساهم في تدعيم مشروع الدولة والقانون، وهو ما لا يمكن أن يحتمله إطلاقا.

الرفض المطلق لأي إطار قانوني وحقوقي يعني عمليا إسقاط هذه المنطقة من خريطة العالم المعاصر بشكل كامل وتصنيفها انطلاقا من هذا المعيار

الرفض المطلق لأي إطار قانوني وحقوقي يعني عمليا إسقاط هذه المنطقة من خريطة العالم المعاصر بشكل كامل وتصنيفها انطلاقا من هذا المعيار، لذا لا مانع من دفع الأمور فيها لتكون منسجمة مع طبيعة سلطات رفض القانون الإيرانيّة وغيرها.

هذا المنطق يمثل صلب التفاهمات، وليس أدل على ذلك أنه قد تم تعزيزه بإعفاء أميركي من تبعات قانون قيصر من أجل تيسير تمرير الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا.

وكذلك من الجدير بالذكر أن ماكرون لم يتطرق في اجتماعه مع الميقاتي إلى موضوع تفجير المرفأ وضرورة الكشف عن المتسبّبين به ومحاسبتهم، ما يعني أنّ خطته الإصلاحيّة تقضي بمقايضة الإصلاح المستحيل بالمجزرة القائمة، والّتي يرجح أن يتشرعن استمرارها إلى أجل غير مسمى.