كشفت شركة "هواوي" عن أحدث إصداراتها من الهواتف الذكية، والتي تشمل سلسلة (Mate 70) وهاتف (Mate X6) القابل للطي، والمزودة بمواصفات متطورة.
ولعل أبرز ما يميز هذه الأجهزة هو اعتمادها على نظام التشغيل الجديد من هواوي (HarmonyOS Next)، في خطوة جريئة نحو تحقيق استقلال كامل عن نظام أندرويد الخاص بشركة غوغل.
ويُعدّ نظام (HarmonyOS Next) خطوة متقدمة في استراتيجية هواوي الرامية إلى بناء منظومة رقمية متكاملة خاصة بها، إذ لا يدعم النظام الجديد التطبيقات المستندة إلى أندرويد، مما يعني أن هواوي تسعى إلى تقديم تجربة مستخدم فريدة لا تعتمد على أي منصة خارجية.
كما يأتي الكشف عن سلسلة هواتف (Mate 70) الجديدة، وهاتف (Mate X6) القابل للطي، في ظل التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، إذ فرضت واشنطن قيوداً على صادرات التكنولوجيا إلى الصين، بما يشمل شركة هواوي.
ورغم هذه القيود، أظهرت الشركة قدرتها على تجاوز العقبات من خلال تطوير تقنيات مبتكرة، تشمل نظام تشغيل مستقل ورقاقات متقدمة.
وخلال حدث الكشف عن الهواتف، وصف ريتشارد يو، رئيس أعمال المستهلكين في هواوي، هذه الخطوة بأنها "فصل جديد في مسيرة الشركة"، معلناً أن جميع هواتف هواوي وأجهزتها اللوحية المستقبلية ستعمل بنظام HarmonyOS Next بدءاً من العام المقبل، مؤكداً التزام الشركة بتقديم أقوى الأجهزة والتقنيات.
وأثار الإعلان عن النظام الجديد تساؤلات حول قدرته على منافسة iOS من آبل وأندرويد من غوغل، اللذين يسيطران على سوق أنظمة التشغيل، فهل ستتمكن هواوي من تقديم تجربة مستخدم متكاملة تجذب المستخدمين بعيداً عن النظامين العملاقين؟
كيف يعمل نظام (HarmonyOS NEXT)؟
بدأت قصة نظام التشغيل HarmonyOS – أو كما يُسمى بالصينية (Hongmeng OS) – في عام 2019، عندما فرضت إدارة ترمب حظرًا تجاريًا على شركة هواوي، مما حرمها من جميع المنتجات البرمجية، ومكونات الأجهزة المطورة بتقنيات أمريكية.
وقد أدت القيود الأميركية إلى حرمان هواوي من نظام التشغيل أندرويد من غوغل، في هواتفها وأجهزتها اللوحية، ونظام التشغيل ويندوز من مايكروسوفت في حواسيبها، ولكن الشركة كانت مستعدة بالبديل، إذ أطلقت خلال شهر أغسطس 2019، نظام التشغيل الخاص بها (HarmonyOS).
وفي عام 2020، وسّعت هواوي نظام HarmonyOS ليشمل مختلف الأجهزة المحمولة، وعدّلته ليتوافق مع ملايين الأجهزة.
وقد صممت هواوي النظام وفق رؤية طموحة تتمثل في توفير تجربة مستخدم متكاملة وسلسة عبر جميع أجهزة هواوي، وقد حققت ذلك من خلال التركيز في ثلاثة محاور رئيسية، وهي:
- التكامل بين الأجهزة: يُعدّ HarmonyOS أول نظام تشغيل قادر على إدماج إمكانيات أجهزة هواوي المختلفة بشكل سلس. فبفضل هذا النظام، يمكن للمستخدم تحويل مجموعة من الأجهزة إلى جهاز واحد فائق القوة، مما يسهل إنجاز المهام اليومية.
- بيئة برمجية غنية: يوفر HarmonyOS بيئة برمجية سهلة الاستخدام للمطورين، مما يتيح لهم كتابة تطبيقات تعمل بسلاسة في جميع أجهزة هواوي، ويعني ذلك أن المستخدم سيحصل على تجربة متناسقة عند استخدام التطبيق نفسه في هاتفه الذكي، أو حاسوبه اللوحي، أو ساعته الذكية.
- مرونة وتكيّف: صُمم (HarmonyOS) بحيث يتكيف مع مختلف الأجهزة وأحجام الشاشات. فبفضل بنيته القائمة على المكونات، يمكن للنظام تخصيص الموارد وتقديم أفضل أداء لكل جهاز.
الانتقال من أندرويد إلى نظام مستقل:
بدأت رحلة HarmonyOS كنظام تشغيل مبني على نظام أندرويد، إذ كان يعتمد على الكود المصدري المفتوح لنظام أندرويد، وكذلك على نواة برمجية بنظام لينكس، وقد سهل هذا التوجه عملية انتقال هواتف هواوي من أندرويد إلى HarmonyOS، إذ تمكن المستخدمون من الاستمرار باستخدام تطبيقاتهم المفضلة بسهولة عبر تثبيت ملف بصيغة Apk.
ولكن بمرور الوقت، طورت هواوي النظام تدريجياً حتى أصبح نظاماً مستقلاً تماماً، يُروج له كنظام أصلي طوره مهندسو هواوي فقط استناداً إلى نظام (OpenHarmony) المفتوح المصدر، ولكنه يمتاز بطبيعته المغلقة نسبياً، المشابهة لنظام iOS من آبل، فهو مصمم خصوصاً ليعمل بشكل متكامل مع أجهزة هواوي فقط، ولا يدعم التوافق مع هواتف أو أجهزة من شركات أخرى، تمامًا مثل نظام iOS، ويضم متجراً للتطبيقات يزداد نموه باستمرار.
فقد أطلقت هواوي خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي الإصدار الجديد من النظام الذي يحمل اسم (HarmonyOS NEXT)، والذي يمتاز بأنه لا يعتمد على أي كود أو تطبيقات من غوغل، وبدلاً من ذلك، يعتمد على منظومة خاصة به من التطبيقات، ويضم متجر تطبيقات HarmonyOS حالياً 15,000 تطبيق، وهو رقم أقل بكثير من متاجر التطبيقات الأخرى، ولكن هواوي تعمل جاهدة لزيادة هذا العدد وتوفير تجربة مستخدم أفضل.
علاوة على ذلك؛ يأتي إصدار (HarmonyOS NEXT) بقفزة نوعية في الأداء والأمان، إذ يعتمد على نواة برمجية جديدة تفوق نواة لينكس بثلاث مرات من حيث الكفاءة، وقد صُممت هذه النواة خصوصًا لتوفر مستوى عالٍ من الحماية والأمان.
مزايا نظام (HarmonyOS NEXT)
يمثل نظام التشغيل (HarmonyOS Next) الجديد من هواوي قفزة نوعية في عالم أنظمة تشغيل الأجهزة المحمولة، إذ يمتاز بقدرات تخصيص واسعة النطاق، وذكاء اصطناعي متكامل، وأداء محسّن بنحو كبير.
1- تخصيص مرئي مذهل:
يأتي HarmonyOS Next بتصميم مستوحى من واجهة (EMUI) الخاصة بهواوي، مع إضافة لمسات جديدة تعزز تجربة المستخدم، إذ يتيح النظام للمستخدمين تخصيص شاشاتهم الرئيسية وشاشات القفل بطرق مبتكرة، ويشمل ذلك:
- ترتيب التطبيقات والأدوات المفضلة بحرية تامة.
- شريط إشعارات ومركز تحكم قابلين للتخصيص بالكامل.
- محرك إضاءة يجعل التفاعل مع الجهاز أكثر سلاسة وطبيعية.
- خلفيات ذكية تتعرف الكائنات في الصور وتقترح تركيبات خلفية مناسبة.
2- الذكاء الاصطناعي في قلب النظام:
يتميز إصدار (HarmonyOS Next) بإدماج الذكاء الاصطناعي في جميع جوانبه، بدءاً من نواة النظام وحتى التطبيقات، ويعتمد النظام على المساعد الذكي (Celia)، الذي يستند في عمله إلى النموذج اللغوي الكبير (Pangu)، والذي يوفر للمستخدمين مجموعة واسعة من الخدمات الذكية، مثل:
- محتوى مخصص: يقدم النظام محتوى مخصصاً بناءً على اهتمامات المستخدم وتفضيلاته.
- مساعد صوتي: يتميز النظام بمساعد صوتي مدمج يفهم اللغة الطبيعية ويستطيع إجراء محادثات معقدة.
- تحليل المحتوى: يستطيع المساعد تحليل المحتوى في الشاشة، وفهم السياق، وتلخيص المستندات.
3- أداء محسّن وأمان قوي:
يقدم إصدار (HarmonyOS Next) أداءً محسّناً بنحو كبير مقارنة بإصدار (HarmonyOS 4) السابق، إذ يحقق زيادة في سلاسة التشغيل بنسبة تبلغ 30%، ويوفر مساحة إضافية في الذاكرة تصل إلى 1.5 جيجابايت، كما يعتمد على بنية أمان متقدمة تضمن حماية البيانات والخصوصية
هل ينجح (HarmonyOS Next) في منافسة نظامي أندرويد و iOS؟
يُعدّ نظام (HarmonyOS Next) خطوة مهمة من هواوي لدخول عالم أنظمة تشغيل الأجهزة المحمولة، ومع ذلك، يعتمد نجاحه على العديد من العوامل، بما يشمل: قدرة هواوي على بناء منظومة قوية للتطبيقات، وتوفير تجربة مستخدم مميزة، وكذلك التغلب على التحديات التقنية والجيوسياسية.
ولكن يتجاوز إطلاق نظام التشغيل (HarmonyOS Next) الأبعاد التقنية، ليصبح جزءاً من الصراع التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، فهو يعكس تطلعات الصين نحو تحقيق الاستقلال التكنولوجي والتحرر من الهيمنة الغربية.
مع أن المقارنة بين (HarmonyOS Next) ونظامي أندرويد وiOS تبدو حتمية، فإن هذا النظام يتجاوز كونه وسيلة لتقديم مزايا جديدة أو تحسين تجربة المستخدم؛ فهو في جوهره يمثِّل رمزاً لتحدِّي الصين للهيمنة التكنولوجية الأميركية.
ومع ذلك حقق نظام HarmonyOS قفزة نوعية في سوق الهواتف الذكية في الصين، إذ استحوذ على نسبة تبلغ 17% من الحصة السوقية خلال الربع الأول من عام 2024، وفي حين أن الرقم قد لا يبدو كبيراً، فمن الجدير بالذكر أن نظام iOS من آبل لا يمثل سوى نسبة تبلغ 16% من سوق الهواتف الذكية في الصين، ويهيمن نظام أندرويد على سوق الهواتف بحصة تبلغ 68%.
وقد ضاعف نظام هواوي حصته السوقية مقارنة بالمدة نفسها من العام الماضي، وإذا اتبع هذا التوجه خلال السنوات القادمة فمن المتوقع أن يسد الفجوة في السوق الصيني بسرعة، بل ويتفوق حتى على نظام التشغيل أندرويد.
ومع استمرار نمو (HarmonyOS Next) وتطوره، فمن المتوقع أن يشهد سوق الهواتف الذكية تحولات جذرية. فمع دعم شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى، وتزايد اهتمام المطورين، سيصبح HarmonyOS Next قوة لا يمكن تجاهلها في المستقبل.