وهم انتصار النظام والمصير المشابه لإسقاط "البعث العراقي"

يعيش النظام السوري وهم الانتصار. يمثّل وهم الانتصار هذا كل الملذات بالنسبة لنظام متداعٍ. لكنّه بلا شك ضلال لا ينتهي إلّا بواقع يصفع. والصفعة لا توقظ إلّا الأحياء، وليس الأموات وإن لم يكونوا في نعوشهم بل على عروشهم. يتغاضى بشار الأسد عن جحيم الحقيقة. فيثبت أنه منفصل عن الواقع. ربما لا يقتنع إذا ما أطلّ من على إحدى شرفات قصره على كتف جبل قاسيون، أو من رمى نظرة من إحدى النوافذ على واقع الشام وغيرها من المحافظات السورية. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فربما على النظام أن يتذكّر واقع العراق اللدود ما بعد حرب الخليج الثانية إلى لحظة الاجتياح في العام 2003.

عقد ونيّف من الزمن، عاش فيه العراق في ظل عقوبات قاسية، عملت على تهشيم المجتمع. المشهد نفسه يتكرر في سوريا بعد إعلان النظام السوري لانتصاره، في انفصال تام عن الواقع، إذ لم يتبق من سوريا ما يذكّر بها سوى بعض من حنين تتناقله الألسن المخنوقة. تشبه سوريا نموذج العراق تحت العقوبات التي امتدت منذ العام 1991 إلى العام 2003. تلك العقوبات التي كانت كفيلة

يشبه بقاء الأسد على أشلاء الشعب السوري، الوضع العراقي. وما يؤشر إلى أن ما هو أسوأ من الوضع العراقي في سوريا، هو أن النظام يرتكز على الروس والإيرانيين الذين ليس لديهم أي نموذج لبناء الدول الحديثة

بتفريغ العراق من ثرواته ورؤوس الأموال، وتم تدمير الجيش، وفقدان الثقة بالبنية العراقية إلى جانب خسارة نخبه ومتعلّميه، بموازاة تكريس الفقر والجوع وهيمنة اليأس، بالإضافة إلى اهتراء الدولة وانعدام فعاليتها، كلّها أدت بشكل أو بآخر إلى تحويل العراق إلى دولة بؤس فاشلة غير قادرة على النهوض.

يستمر التعثّر العراقي اليوم في إعادة إنتاج الدولة، وبقي بيئة منعزلة عن العالم وغير متكيفة مع العصر. وكم يشبه بقاء الأسد على أشلاء الشعب السوري، الوضع العراقي. وما يؤشر إلى أن ما هو أسوأ من الوضع العراقي في سوريا، هو أن النظام يرتكز على الروس والإيرانيين الذين ليس لديهم أي نموذج لبناء الدول الحديثة. فعلى الرغم من الغزو الأميركي في العراق والذهاب إلى حرب أهلية، كيف بالحري سيكون الوضع في سوريا بعد خضوعها لاحتلالات متعددة أبرزها روسية وإيرانية، وهذه بلا شك ستؤدي إلى إدخال البلاد بأزمات متتالية، لا تبشر بأي خير على صعيد بناء الدولة السورية. لا بل أن الوضع سيكون أسوأ في المستقبل طالما أن الضغوط مستمرة على إيران.

لربما يلجأ بشار الأسد إلى الوهم لا غيره نصيراً وصديقاً على إنجاز تخيلاته في استعادة السيطرة على سوريا. بينما تمرّ بلاده بأسوأ أزمة إنسانية في التاريخ الحديث، ولم يبقِ منها غير ركام ومدافن جماعية ومعتقلات، فتمزّق المجتمع السوري، وخسرت سوريا أفق المستقبل بخسارة أبنائها المهاجرين أو اللاجئين في أصقاع العالم، فيتدمر فيها التعليم ورأس المال، تنهار العملة، وتعيش مختلف المحافظات والمناطق أوضاعاً اقتصادياً صعبة وقاسية تكاد تنعدم فيها ظروف الحياة. وليست أزمة الكهرباء والبنزين والمحروقات التي تعيشها سوريا حالياً سوى أبرز الدلائل على الخسارة الفادحة التي منيت بها البلاد ككل، بينما رأس النظام يبحث عن فرصة لينتهزها ليعلن انتصاره. لكنّه انتصار بلا معنى، أجوف، ليس فيه سوى وهم متخيّل نابع من رغبة أضغاث الحلم. لأن سوريا الأسد أصبحت خارج الزمن، متأخرة عن العصر.

انتهى مفهوم الدولة الوطنية السورية بحقبتيها الاستقلالية والأسدية لاحقاً إلى غير رجعة، ولكن للأسف على جثة مشروع سوريا الحرّة والديمقراطية في الوقت الحاضر والمستقبل المنظور، فتحولت سوريا إلى أرض يباب واحتضار بلا نهاية منظورة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم