"وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر"

خلال عملي كطبيبة في وزارة الصحة السورية، كلفت برئاسة لجان صحية عديدة ولعدة سنوات، ومن هذه اللجان ما كان منها مختصًا بالفحص الطبي للمتقدمين إلى وظائف أو مهن معينة في الدولة، إذ كانت هناك لوائح ناظمة وقوانين تحدد اللياقات البدنية والعقلية والنفسية والعصبية للمتقدم إلى الوظيفة.

كان لكل نوع من الوظائف اللياقة الخاصة به، حتى الكاريزما أحيانًا كانت مهمة لبعض الوظائف، هذا لا يعني بالطبع أن من يحرم من عمل لا يمكنه القيام بعمل آخر يتطلب لياقة بدنية مختلفة، لكن كانت هناك بعض الأمراض والعاهات والإصابات تمنع بشكل تام من التوظيف بأي عمل يمكن أن يوكل إلى الشخص، وفي المقابل كان هناك مرسوم يحتم على وزارات الدولة ومؤسساتها أن توفر خمسة بالمئة من شواغرها من أجل المعاقين، ولكل إعاقة كان لها بعض الوظائف المقبولة في الدولة.

ليست هذه المقدمة من أجل تقويم هذه الإجراءات ولا الحديث عنها بإيجابياتها وسلبياتها أو بالفساد الذي كان يلح على التسلل إليها، لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن هذا التقويم الصحي للشخص المرشح لتولي وظيفة ما أو منصب ما ضروري، وهو إجراء تقوم به غالبية الدول لما يترتب على هذا الفحص والقرار الصادر بموجبه من نتائج ترمي إلى تحقيق الهدف من الوظيفة بالدرجة الأولى، وحماية المرشح من عواقب الأداء وهو غير مؤهل جسديًا أو عصبيًا له، وفي المحصلة النهائية فإن كل الوظائف والمهن، الرسمية وغير الرسمية هي وظائف اجتماعية تصب في الحوض الكبير للوظائف التي تتطلبها الحياة المشتركة، فكيف إذا كانت هذه الوظيفة تمثل أعلى منصب في الدولة، وأسمى مرتبة اجتماعية وسياسية وسيادية يُفترض أن يكون كل الأفراد والفئات الاجتماعية معنيين بها ومتأثرة بمكانتها، لما تحمل من رمزية على علاقة بالسيادة الوطنية.

خرج الشعب الجزائري بزخم وحماس وإصرار ليقول لا للعهدة الخامسة، ليس فقط لأن الرئيس الجزائري صار غير مؤهل

أظهر الشعب الجزائري بحراكه المستمر من الثاني والعشرين من شباط الماضي قدرًا كبيرًا من المسؤولية والتوحد حول أهداف عريضة

للقيام بمسؤولياته الرئاسية، بل لأن أي نظام لا يطور نفسه بطريقة يستوعب فيها المتغيرات ويواكبها ويجدد من أدائه ومن روحه أيضًا فإنه نظام يسير نحو الفشل والعجز، وأي نظام فاشل مهما كان شكله هو نظام يجر البلاد إلى مشارف الهاوية، حتى الأديان كانت تضيق بقالبها البشرية فيأتيها رسل يبشرون بدين جديد، فكيف إذا كان نظامًا يصر على التشبث بالسلطة ويحكم منفردًا من دون إشراك باقي فئات الشعب، أو أن يكون التمثيل الشعبي في السلطات التشريعية وغيرها من السلطات تمثيلاً لا يعبر عن إرادة الشعب؟ لقد أظهر الشعب الجزائري بحراكه المستمر من الثاني والعشرين من شباط الماضي قدرًا كبيرًا من المسؤولية والتوحد حول أهداف عريضة، بنبض شاب جذب إليه كل شرائح وفئات الشعب، كان يكفي أن يسمع أي مواطن عربي محبط من أنظمته ومن تبعات الثورات التي سميت بالربيع العربي ومآلاتها الكارثية على المنطقة، جملة في نشرة أخبار تقول بأن طلاب الجامعة الفلانية في الجزائر تظاهروا ثم تبعهم وانضم إليهم الأساتذة في الجامعة حتى تجتاحه قشعريرة تهز كيانه بمشاعر الفرح التي تأخذ الروح إلى أقاصي البكاء.

هذا المواطن العربي الذي تلاحقه الهزائم منذ عقود طويلة، ترد الجزائر إليه روحه الهائمة حول المعاني الهاربة، وتعيد إليه حلمه بأن المستحيل ليس في قاموس الشعوب الطامحة بالحياة الكريمة. يكفي هذا المواطن المفجوع بثوراته أن يعرف أن أكثر من ألف قاضٍ جزائري أعلنوا في بيان أنهم سيرفضون الإشراف على الانتخابات الرئاسية إذا شارك فيها بوتفليقة، حتى يستعيد الثقة بخير الشعوب وأن جذوة الكرامة لا تنطفئ مهما طمرت تحت الرماد.   

كل الأنظار في الشارع العربي ترنو إلى حراك الشعب الجزائري، الحراك الذي ينبض طاقة وحيوية وشبابًا وتنظيمًا، يقول لا للعهدة الخامسة، وهو يعي ما يقول، فإن كانت شكليًا هذه الـ لا موجهة للرئيس بوتفليقة الذي وفق المنطق والقوانين والقيم والأخلاق والمصلحة و"كاريزما السيادة الوطنية"، يجب أن يخلد إلى الراحة مع العرفان له بما أنجز في فترته الرئاسية، وأن تكون مقولة "الله يستر آخرتك" هي الأولى بأن تقال له، فإن الشعب الجزائري ينتفض من أجل طموحاته وأحلامه ورغباته في أن يكون وطنه الجزائر في المكانة التي يستحقها محليًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا، وأن تستطيع البلاد أن تكون كريمة ورحيمة بأبنائها أكثر، خاصة وأنها زاخرة بموارد الحياة، حتى الموارد الشبابية، إذ يكفي أن يشكل الشباب أربعين بالمئة من تعداد السكان حتى يكون منطقيًا انتظار واقع مغاير لهذا البلد، واقع يصنع مستقبلاً واعدًا بإمكاناته التي تفتقر إليها كثير من الدول التي صنعت تجربتها الخاصة وقنصت لنفسها موقعًا بين الأمم.

ما إن أذيع إعلان الرئيس الجزائري بو تفليقة عن عدوله عن الترشح لولاية رئاسية خامسة، وتأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في الثامن عشر من شهر نيسان/ أبريل المقبل، بالإضافة إلى الإجراءات الأخرى التي قام به، وإشارة الإعلان إلى أنه صادر استجابة للطلب الملح من الشعب المتظاهر ضد ترشيحه، بالإضافة إلى الوعود التي حملها في البيان من العمل على تشكيل ندوة وطنية جامعة مستقلة تتمتع بكل السلطات اللازم لتدارس وإعداد واعتماد كل الإصلاحات التي ستشكل أساس النظام الجديد، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بأهازيج النصر مرددة النشيد الوطني الجزائري، وخاصة قفلة كل مقطع: فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا.

كان يكفي ملاحظة جملة وردت في الرسالة الرئاسية للرئيس بوتفليقة عندما قال: "لا محل لعهدة خامسة، بل إنني لم أنوِ قط الإقدام على طلبها، حيث إن حالتي الصحية وسني لا يتيحان لي سوى أن أؤدي الواجب الأخير تجاه الشعب الجزائري، ألا وهو إرساء أسس جمهورية جديدة تكون بمثابة إطار للنظام الجزائري الجديد الذي نصبو إليه جميعًا" حتى يفهم المتابع أن الأمر ليس بيد الرئيس، وأن القضية ليست بترشحه

الرهان الحقيقي الواعد يكون على الشعوب وحراكها، فإلى أي مدى سيحافظ الشعب الجزائري على سلمية حراكه ومدنيته

هو بشخصه وبما يحمل من عبء السنوات والمرض، بجسده الذي خانه وما زال يخونه وسيخونه أكثر، بل هي بنظام محكم له ركائزه ودعائمه، فمن الباكر جدًا التهليل بنصر الشعب الجزائري لأن المسيرة أمامه ما زالت طويلة ووعرة المسالك وضبابية الأفق، في أوضاع كالتي عاشتها وتعيشها شعوب هذه المنطقة لا يمكن المراهنة على مبادرات الأنظمة وما تقدم من تنازلات أو ما تصنع من خطوات تقول عنها إنها إصلاحية، بالرغم من أنها خطوة في الطريق، لكن الخطوة لا تسير دائمًا في الاتجاه الصحيح فهناك التفافات وتعرجات وحفر ومفارق، إن الرهان الحقيقي الواعد يكون على الشعوب وحراكها، فإلى أي مدى سيحافظ الشعب الجزائري على سلمية حراكه ومدنيته، وعلى وحدة صفوفه وغلق الأبواب أمام أي محاولة لمصادرة إنجازه وتفتيت عزمه وقتل أحلامه؟ هذا مرهون بالأيام القادمة.

نأمل أن يكون الشعب الجزائري واعيًا أهدافه، حريصًا على حراكه، ملتفتًا إلى طاقات شبابه، عارفًا بسياسته، عله يصنع منارة لشعوبنا التي دفعت الأثمان وعانت من ويلات حروب الآخرين على أرضه، وعملت على تمزيق نسيجه الاجتماعي، فخسر وطنه ولم يقبض في المقابل أكثر من الدمار والقتل والتهجير والتجويع، وأن يكون في بازارات المساومة من دون أن يُسأل حتى تحت أي احتلال أو انتجاب أو وصاية يريد أن يكون.

شعوبنا المنكوبة المحروقة المدفوعة إلى سن اليأس الجماعي بطاقات وإرادات جبارة، تنتظر من الشعب الجزائري أن يعيد إليها أملها وثقتها بنفسها، أن يعيد إليها وعيها وإدراكها ذاتها وبأن فعلاً إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، حتى لو أتت الاستجابة متأخرة، قطرات الماء تصنع الينابيع، والينابيع تعيد إلى الأرض ربيعها.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم