واشنطن الباردة القاسية..إسطنبول الدافئة "السورية"

برج غلطة في مدينة إسطنبول(الأناضول)

قد تكون الفائدة الكبرى التي لا تقدر بثمن من تجربة الاغتراب السورية المؤلمة، واضطرار الكثير من السوريين إلى الهجرة، هي معرفتنا وتعرفنا على مدن وبلدان وثقافات ومجتمعات جديدة.

قبل هذه التجربة المرّة، لم يكن ليتسنى للغالبية العظمى منا أن يمتلكوا ترف السفر والتجوال في جهات الأرض كلها، وقاراتها الست. لقد كان لرحلة اللجوء الاضطرارية، ورغبة الكثير من السوريين في البحث عن الأمن والعيش بسلام، وتطلعهم لحياة كريمة، كان لكل ذلك، دور في ازدياد معرفتنا بالعالم الذي نعيش فيه بعد سنوات وعقود طويلة من العيش، في ظل نظام سياسي حديدي مغلق، وظروف اقتصادية صعبة، ظروف منعت غالبيتنا من إمكانية الخروج والسفر والتعرف على العالم، أو حتى مجرد التفكير بذلك.

لا بل يمكن القول في هذا الصدد إن غالبية من السوريين، لم يملكوا فرصة التنقل بين محافظة وأخرى، ولم يكونوا على علم ومعرفة بكل الجغرافية السورية، وما تملكه من اختلاف وتنوع اجتماعي وبيئي وثقافي وموروث حضاري. فابن محافظة السويداء على سبيل المثال لم يتسن له زيارة درعا المجاورة، ولم يتعرف على مدرج بصرى، بل ربما لم يكن لديه الإمكانية الاقتصادية لممارسة هذا "الترف" السياحي، بل ربما ليس لديه الرغبة للقيام بذلك وهو الخاضع، مثلنا تماما، مثل أي سوري آخر، لأفكار مسبّقة عن الآخر، عن السوري الآخر الذي يعيش فقط على بضعة كيلومترات فقط منه.

فهذا السوري الذي شعر بغبطة الوصول إلى ضفة الأمن والسلام وعدم الخوف، وجد نفسه في اليوم التالي وحيدا، عاريا، غريبا، في مجتمع لا يشبهه

ينطبق ذلك على ابن محافظة إدلب، وابن محافظة حلب والرقة ودير الزور والكردي في الحسكة وغيرها، كثير منا لم يتسن له زيارة حلب مثلا، أو معرفة أسواقها ومبانيها وعراقتها، لم يتسن له تذوق طعم المأكولات الحلبية، التي تعتبر ربما، الألذ والأشهى بين جميع المأكولات العالمية. وينطبق ذلك على ابن ريف دمشق، الذي ربما لم يتسن له معرفة أحياء دمشق القريبة جدا، أو التعرف على تاريخها وعراقتها وتذوق حلوياتها الشهيرة. ربما هناك الآلاف ممن لم يتسن لهم التجول في سوق الحميدية، ربما هناك في دير الزور ممن لم ير ولم يسمع بعيد النيروز الذي يحتفل فيه الأكراد في الحسكة أو الرقة المجاورتين.

هذا السوري الذي ينتمي لكل الجغرافية الوطنية، والموزع على كل المحافظات، فجأة ، وجد نفسه مقذوفا خارج سوريا بعد 2011 ، أو بعد انطلاق الثورة السورية، وما واكبها من حملات قمع استهدفت الجميع، وطالت كل شيء، الأشخاص والمدن والقرى والبيوت. هكذا، ومباشرة، ودون مقدمات، وجدنا أنفسنا نخرج من قرانا النائية، ومدننا الجميلة، لنجد أنفسنا لاجئين في شوارع المدن الكبرى، مثل برلين وباريس، واستوكهولم، وإسطنبول، وواشنطن، ونيويورك، وغيرها. ومن لم يستطع الوصول إلى هذه المدن، وصل إلى غيرها، مثل القاهرة وعمان وبيروت.

وإذا كانت تجربة اللجوء في البلدان العربية التي استقبلت آلاف اللاجئين السوريين تجربة مرّة وقاسية، حيث لم تستطع هذه البلدان،  أو ربما لم تشأ، أن تقدم ما يحتاجه هذا اللاجئ، فتحولت حياته إلى معاناة أكثر حدة وقسوة من بلاده التي خرج منها، فإن السوري الذي لجأ إلى دول أوروبية وغربية أخرى، ورغم تلبية أغلب احتياجاته الإنسانية في السكن والتعلم والعمل، فإنه أيضا عانى من قسوة مختلفة. قسوة مرتبطة بالإحساس بالانقلاع من الجذور، والاضطرار للعيش في مجتمعات وأنظمة وأنماط حياة، مختلفة تماما عن التجربة في الوطن الأم من ناحية الثقافة واللغة والعادات والتقاليد.

فهذا السوري الذي شعر بغبطة الوصول إلى ضفة الأمن والسلام وعدم الخوف، وجد نفسه في اليوم التالي وحيدا، عاريا، غريبا، في مجتمع لا يشبهه، ولا يربطه به أي شيء. لتبدأ بعد ذلك رحلة معاناة من نوع مختلف تماما عن معاناة افتقاد الأمن، أو توفر الحاجيات الأساسية، التي كان يفتقدها في وطنه الأم.

السوري في البلدان الغربية، ورغم حصوله على الإنترنت السريع، والمياه الساخنة، والكهرباء التي لا تنقطع، والتجول في شوارع نظيفة، وامتلاكه سكنا يتسع لعدد أفراد أسرته، رغم حصوله على كل ذلك، فإنه لم يكن سعيدا طوال الوقت، وبدأ يسترجع ذكرياته الجميلة، عن قريته البعيدة ويحلم بالعودة إليها.

أنا أفهم تماما هذا الشعور، لقد شعرت به منذ نحو أكثر من 12 عاما، حين وصلت إلى الولايات المتحدة. ففي الأيام والأشهر الأولى، شعرت بسعادة لا توصف، وخاصة أني، وللمرة الأولى، استطعت فيها النوم بدون خوف من قرع الباب المفاجئ، أو من الاتصال الهاتفي من جهة أمنية تستدعيني لمراجعتها، لا بل إني شعرت أني تأخرت كثيرا عن الولايات المتحدة بسبب عدم الاستفادة من الفرص التي توفرت لي للخروج من سوريا مرة واحدة وللأبد.  لكن بعد نحو أقل من عام، وجدت نفسي كئيبا وحزينا، رغم كل ما وفرته لي ولأولادي، الولايات المتحدة.

لقد اكتشفت أن المسألة تتعدى الحصول على احتياجاتي الأساسية، مثل النوم بدون خوف، والحصول على  الإنترنت السريع، والماء الساخنة، والكهرباء، والسيارة الخاصة والحديثة، وموقف السيارة وغيره..لقد شعرت أني يتيما، وحيدا، ولا أحد من أصدقائي وأقربائي حولي. لم أعد أسمع اللغة العربية، واللهجات السورية، لم أعد أستطيع التجول في أسواق حلب أو دمشق، لم أعد أستطيع تناول سندويشة فلافل، أو صحن فول من هذا المطعم الصغير أو ذاك، المتوفرة في أغلب مدننا وقرانا. لم أعد أستطيع الاحتفال بقدوم العيد، لم يعد هناك من يقرع باب بيتنا فجأة ليزورني، ويتناول معي فنجان قهوة، أو يشاركني طعامي. لقد شعرت فجأة أني افتقدت كل التفاصيل الحميمة. وعلى هذا المنوال، مرّت السنين، إلى أن توفرت لي فرصة زيارة إسطنبول منذ نحو 3 أشهر.

في إسطنبول رأيت الناس يمشون في الشوارع، يتحدثون بصوت عالٍ، سمعت أيضا أغان سورية هنا وهناك. لكن قبل كل ذلك في إسطنبول، التقيت بأصدقائي الذين تركتهم ورائي في دمشق وحلب

منذ اللحظة الأولى، وبعد أن وطأت أقدامي هذه المدينة، شعرت أني استرديت شيئا ما، شيئا خاصا وعزيزا. و رغم أنها ليست مدينة سورية، فهي ليست دمشق أو حلب، أو حمص، أو إدلب... لكن بالتأكيد  فيها شيء من كل مدننا السورية.

في إسطنبول، وبخلاف واشنطن وولاية فرجينيا القريبة حيث أعيش، سمعت اللهجات السورية للمرة الأولى، ورأيت وجوها سورية، وشممت روائح الأكل والطعام السوري تخرج من المطاعم، التي تنتشر بكثرة هنا وهناك في المدينة، وبخاصة في حي الفاتح، حيث تعيش غالبية من السوريين ، حيث قرر بعضهم أن يفتتح مطعما أو مقهى، أو حانوتا صغيرا.

في إسطنبول رأيت الناس يمشون في الشوارع، يتحدثون بصوت عالٍ، سمعت أيضا أغان سورية هنا وهناك. لكن قبل كل ذلك في إسطنبول، التقيت بأصدقائي الذين تركتهم ورائي في دمشق وحلب وغيرها من المدن، رأيت غالبيتهم، وجلسنا سوية أكثر من مرة، نستعيد ذكرياتنا وما انتهينا إليه اليوم.

ورغم أني أشعر بالأمان تماما حين أقود سيارتي في فرجينيا أو واشنطن، حيث يلتزم الجميع بقواعد القيادة وحدود السرعة، ورغم أني لم أشعر هذا الشعور في إسطنبول، خلال استخدامي سيارات الأجرة في تنقلاتي، فإني استطعت أن ألمس مباشرة دفء العلاقة مع المكان والشوارع وسائقي سيارات الأجرة، بعكس واشنطن، حيث الأبنية تبدو قاسية الملامح، باردة، وتفتقد شوارعها لدفء الناس، وحيويتهم وأصواتهم.

ثمة مسألة أخرى ملفتة و تسترعي الانتباه حين الحديث، أو المقارنة بين واشنطن وإسطنبول، فرغم الظروف الاقتصادية الصعبة للغالبية من السوريين في هذه المدينة، أو غيرها من المدن التركية، فإنك تستطيع أن تلحظ بسهولة على وجوههم علائم حب الحياة والتعلق بها، والرغبة في تحدي تلك الظروف، والاستمتاع باللحظة الراهنة، بعكس الوجوه التي تصادفها في واشنطن، الوجوه الصامتة، الشاردة بعيدا في ساعات الذهاب إلى العمل صباحا، والمتعبة، الكئيبة، المرهقة في ساعات العودة إلى البيت مساء. يمكنك أن ترى الأميركي، أو من يعيش في الولايات المتحدة، يركب أفخم السيارات وأحدثها وأغلاها ثمنا، لكنك سوف لن تجد سعادة وحياة على وجهه، كتلك التي تراها على وجوه المارة في شوارع إسطنبول.

هناك بالتأكيد مليون تفصيل وفرق يمكن ملاحظته عند الحديث عن هاتين المدينتين، لكن أهم شيء يفرض نفسه على السوري القادم من مدينة غربية، هو رائحة وعبق المدن السورية في إسطنبول، رائحة وعبق آلاف السنين من التاريخ، والثقافة واللغات والعادات، التي تشعر أنها تعنيك بشكل شخصي، أو أنك جزء منها، ولا يمكنك أن تتنفس أو تعيش بسعادة وانسجام بدونها، أو بعيدا عنها.

هل نحن جميعا نبحث في كل المدن التي نصلها عن دمشق وحلب وغيرها ولا نجدها، فنشعر بالتعاسة، لكن وحين نجد بعضا منها فيها، فنشعر أننا استردينا بعضا من عافيتنا وأرواحنا المتعبة؟؟ ربما يكون كذلك، ربما أنني كنت أبحث عن سورية الضائعة ما بين واشنطن وإسطنبول..ربما.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم