هناك ما يدعو إلى الأمل رغم تهافت المستبدين

الأحداث التي ميزت نهاية العام في العالم العربي،  ليست على قدر من الأهمية، بقدر ما هي تحمل الكثير من الابتذال والتهافت، والتي تشير بشكل لا لبس فيه إلى حرص المستبدين على بعضهم، وأن مايحدث بينهما لا يعدو عن كونه "تبايناً" في وجهات النظر، وفي توقيت استخدام الرصاص، أو اختراع وسائل أخرى لمواجهة شعوبهم، سواء كانت بدائية كالمنشار والتقطيع أو حديثة كالصواريخ بعيدة المدى.

أكثر الأحداث غرابة وفرادة، هو البيان الصادر عن البرلمان العربي والذي يطلب  من الرئيس الفرنسي احترام حق المتظاهرين بالتعبير عن آرائهم والاستجابة لمطالبهم، وتقديم المعتقلين منهم إلى المحاكمة، وعدم اللجوء إلى العنف المفرط بحقهم إلى آخر ما هناك من كلمات مضحكة ومبكية في آن.

الفرادة أن البيان صادر عن برلمان في دول لم تعرف إلا بعضًا منها وفي فترات محددة تجارب برلمانية

البلد الذي ما يزال يقطع الرؤوس بالسيف بالداخل، ويستخدم المنشار والأسيد مع معارضيه في الخارج يُصبح منه رئيس البرلمان المذكور، ويوجه رسائل لفرنسا بضرورة احترام حق المتظاهرين بالتعبير عن آرائهم

سرعان ما أُجهضت بقعل عوامل عدة، فهي دول سلطات القمع والمخابرات -الدول العربية- وما يزيد الأمر غرابة أن رئيس البرلمان شخصية من بلد لا يعترف بالبرلمان ولا بأي شكل من أشكال الانتخابات حتى البلدية منها، والأنكى من ذلك أنه  فاز بالتزكية للمرة الثانية في رئاسة البرلمان العربي "العظيم" الذي يتخذ من دمشق "قلب العروبة النابض" و "المقاوم" .......... من أية طينة خُلق هؤلاء البشر كي لا يشعروا بالعار على أنفسهم وعلى العرب. فالبلد الذي ما يزال يقطع الرؤوس بالسيف بالداخل، ويستخدم المنشار والأسيد مع معارضيه في الخارج يُصبح منه رئيس البرلمان المذكور، ويوجه رسائل لفرنسا بضرورة احترام حق المتظاهرين بالتعبير عن آرائهم وضرورة التجاوب مع مطالبهم والابتعاد عن استخدام العنف المفرط بحقهم... حقاً إنها سخرية التاريخ ومسوخه.

وفي نشاطه الآخر، يدعو إلى إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، بخلاف قرار الجامعة بتعليق أنشطة سوريا في مؤسساتها المختلفة منذ تشرين الثاني عام 2011. وبغض النظر عن دور هذه الجامعة وفاعليتها من عدمها، لكنه يكشف بدعوته هذه عن طبيعة هذا "البرلمان" كممثل "مُنتخب" للشعوب إلى مستبد قتل حوالي مليون إنسان واعتقل مئات الألوف، وهجّر الملايين، ولجأ إلى مواجهة المتظاهرين من الأيام الأولى بالرصاص...

السيد الرئيس، عفواً رئيس البرلمان العربي المعظم، لا يليق بك فقط البرلمان العربي، مثلما لا يكفي لبشار الأسد، دكتاتوركم، رئاسة سوريا، أنتم قدوة للعالم أجمع.

بالطبع، فإن بلاد السيد الرئيس مشعل السلمي، تسعى جاهدة مع إدارة ترامب وعبر صهره جاريد كوشنر، وبالتعاون مع محمد بن زايد في الإمارات لتمرير صفقة القرن في البلاد العربية والتي تقضي بالتصفية النهائية لقضية فلسطين، واعتبار إسرائيل جزءاً طبيعياً من المنطقة، وما الزيارات الإسرائيلية لدول الخليج إلا بداية لذلك التطبيع، أما ما يتعلق بثورة السوريين التي طالبت بالكرامة والحرية، وهما الأمران اللذان يهددان عروشهما فيما لو تحققا في أي بلد عربي، فدورهما صار معروفاً في العداء للثورة ومطالبها، بل اعتبروها عوامل تفتيت للمنطقة، وبالتالي لعودة الاستقرار، لا بد من عودة الأسد.

تأتي الأحداث الأخرى لتضفي هزالة وتفاهة على المشهد، حيث يتقاطر الطغاة على زيارة الجلاد صاحب الخبرة في الاعتقال والقتل والتهجير أو التخطيط لزيارته والتبشير بعودة العلاقات الطيبة معه، أو استقبال موفديه الأمنيّين للبحث في سبل إعادة العلاقات الطيبة، فمن زيارة الدكتاتور عمر البشير، والذي لعب دوراً لا يُستهان به في تقسيم السودان وزيادة إفقار السودانيين، لدمشق، إلى أمل رئيس النظام الطائفي في العراق، والذي أعرب عن نيته في زيارة بشار الأسد ، ولغاية نبيلة: تحقيق التقارب بين العرب بما يحقق الاستقرار في المنطقة، أما الملك

ما يميز عالمنا، هو  هزالة وسخرية الأحداث، وهو الأمر الذي يكشف بوضوح، تضامن المستبدين، وعداءهم للشعوب، وينبه إلى خطر عدم الركون لوعود أيٍّ من المستبدين في دعم قضايا الشعوب في التطلع إلى الكرامة والحرية

الأردني فيصرح للصحفيين بأن الأمور تعود إلى وضعها الطبيعي مع سوريا بعد أن تحسنت الأوضاع فيها، وآخرها زيارة علي مملوك، مدير المخابرات في سوريا، لمصر السيسي، الذي اغتصب السلطة بانقلاب عسكري من سلطة مُنتخبة ديمقراطياً، وحول مصر بثقلها البشري والحضاري إلى ألعوبة بيد بن سلمان وبن زايد.

بعض من هذه الأحداث أتت قبل قرار ترامب المتهور بسحب القوات الأميركية، وبعضها بعده حيث شعر هؤلاء المستبدون أن هناك ضرورة لاحتضانهم المستبد بشار، وأن ماكان بينهم ليس إلا خلاف في وجهات النظر، فكلهم متفقون على مواجهة شعوبهم في حال انتفضوا ضدهم، وما استثمارهم في الثورة السورية إلا بغرض ضربها ودفعها نحو الفشل.

هناك بالعادة أحداث مهمة تميز كل عام، ولكن ما يميز عالمنا، هو  هزالة وسخرية الأحداث، وهو الأمر الذي يكشف بوضوح، تضامن المستبدين، وعداءهم للشعوب، وينبه إلى خطر عدم الركون لوعود أيٍّ من المستبدين في دعم قضايا الشعوب في التطلع إلى الكرامة والحرية.

في المقابل، هناك حدثان مهمان وجديان، ويستحقان كل اهتمام وتقدير: الأول في سوريا وهو عودة انطلاقة التظاهرات من درعا، مهد الثورة، ولربما تأسيس مقاومة شعبية حقيقية تستفيد من الدرس السابق، وتظهر أنه حتى لو تم فرض نظام الاستبداد وبأي شكل كان، فهو لن يدوم، والثاني: التظاهرات في السودان الذي دمره وساهم في تقسيمه البشير، التي تطالب من البداية بإسقاط النظام، كمقدمة لنيل حريتها وتحقيق استقرارها، وتظهر تضامن الشعوب بوجه المستبدين.

لا شك أن الصورة ليست وردية، ولكن هناك ما يدعو إلى التفاؤل، فطالما استمر الاستبداد ستبقى هناك المقاومة، ولا بد من أن تصل لغايتها، رغم طول الطريق.

شارك برأيك

أشهر الوسوم