هل يمكن أن يتعلم السودان من الربيع العربي

المظاهرات التي تخرج في الخرطوم يوميا وبكل المدن السودانية تقريبا تذكرنا بالمرحلة الأولى من الثورة السورية، حيث الاندفاع للتظاهر يجمع كل الحالمين بتغيير الوطن للأفضل، تختصر شعارات سياسية كبرى بشعارات من مثل "يسقط النظام" أو "يرحل الأسد" وغيرها من الشعارات.

رد فعل السلطات السودانية يبدو ذاته الذي استخدمته السلطات السورية شن حملة إعلامية تحريضية على كل من يشارك

إصرار المتظاهرين على المشاركة تعكس بالحقيقة حبهم لوطنهم وليس العكس، يرغبون بتغيير الواقع الأسود الذي سئموه على مدى عقود

بالانتخابات بوصفه خائنا وعميلاً، وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين الذين سيدركون ولو بعد حين أن المشاركة في هذا النوع من المظاهرات سيكون مكلفاً للغاية وربما يكلف المرء حياته.

لكن إصرار المتظاهرين على المشاركة تعكس بالحقيقة حبهم لوطنهم وليس العكس، يرغبون بتغيير الواقع الأسود الذي سئموه على مدى عقود، ويريدون مشاركة في الحياة العامة وتدبير أمور شؤونهم بشكل يقررون فيه مصيرهم بأنفسهم.

لكن السؤال هنا هل يمكن أن يستفيد السودان مما جرى خلال فترة الربيع العربي وكيف يمكن تحويل هذه المظاهرات إلى عملية تغيير جذرية للنظام السياسي في السودان يساعد على بناء حياة سياسية جديدة تغير حال السودان والمواطنين.

 كما نعرف ليس هناك بالمعنى النظري على مستوى العلوم السياسية توافق على ما يمكن تسميته بنظريات التحول الديمقراطي، إنها حقل جديد في البحث الأكاديمي في العلوم السياسية وبدأت الدراسات التي تحاول أن تبلور نظريات للتحول الديمقراطي مع نهاية التسعينيات طبعاً مع وجود كتابات طليعية اعتبرت بمثابة اختراقات في هذا الحقل كتبت في الستينيات والسبعينيات من مثل كتابات مارتن ليبيست. ولذلك عندما نقرأ الكتاب المدرسي الشهيرTransitions to Democracy  الصادر عام 2013 والذي ضم دراسات مقارنة ويعتبر الكتاب المدرسي في الكثير من أقسام العلوم السياسية في الجامعات الغربية يقر في مقدمته أن تطوير نظريات التحول الديمقراطي ما زال في بداياته، ولذلك ضم الكتاب 15 دراسة مقارنة لدول نجحت في التحول الديمقراطي (11 حالة بدءا من بولندا وصربيا وأوكرانيا وتشيلي وأندونيسيا وغانا والمكسيك وتركيا وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية) وأخرى فشلت في تحقيق هذا التحول ( 4 دول هي الجزائر وإيران والصين وأذربيجان).

وكما قلت جدة الكتاب وأهميته تكمن في التعريف بهذه النظريات ومحاول بلورتها.

التجربة الناجحة الوحيدة هي التجربة التونسية، ولذلك يمكن القول إن نظرية التحديث التي تربط نجاح التحول الديمقراطي بنمو الطبقة الوسطى واتساعها. وهي ما يفسر نجاح التجربة في تونس.

السودان وعلى عكس تونس ليس لديها طبقة وسطى تمكنها من الرهان عليها في نجاح تجربة التحول والانتقال، ولذلك الرهان الوحيد هنا هو وعي النخب السودانية نفسها وعلى رأسها الرئيس البشير، فإذا ما قرر المضي في العداء للثورة حتى النهاية فنموذج اليمن وسوريا وليبيا بانتظاره، أما إذا ما كان يمتلك حساً وطنيا في إدارة الانتقال السياسي بأخف التكاليف والأضرار فعليه أن يتعلم من تونس وتجربة المفاوضات التي يطلق عليها "الطاولة المستديرة" بهدف إنجاح التجربة والعبور بها، فمشاركة النظام القديم

هؤلاء القادة نادراً ما يفكرون في مصير أوطانهم، ويمزجون بين مصيرهم الشخصي ومصير الوطن بأكمله فينتهي الوطن للأسف مع تكبرهم وإصرارهم على تصور أنفسهم أنهم أكبر من أوطانهم

في ولادة النظام الجديد هي أس عمليات النجاح في تجارب التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية، من دون ذلك سيحاول النظام القديم كما حدث في مصر وسوريا وليبيا واليمن العمل بكل الوسائل لإفشال ولادة النظام الجديد وهو ما سيقود في النهاية إلى الحرب الأهلية التي من دون شك تبدو المصير الأسود في سوريا واليمن وليبيا، ولا يبدو أن السودان بعيد عن هذا المصير إذا أصر نظام البشير أن يقود الثورة بنفس التكتيك والعقلية التي قادها السابقون من أنظمة الربيع العربي.

هؤلاء القادة نادراً ما يفكرون في مصير أوطانهم، ويمزجون بين مصيرهم الشخصي ومصير الوطن بأكمله فينتهي الوطن للأسف مع تكبرهم وإصرارهم على تصور أنفسهم أنهم أكبر من أوطانهم.

لست متفائلاً كثيراً بأن السودان سيتعلم كثيرا من تجارب جيرانه ولا أن يقوم جيرانه بتعليمه الانتقال السلس للتحول الديمقراطي، إنهم سيعلمونه وسائل وطرائق قمع الثورة وإخمادها "بكل الطرق الممكنة" وهو ما من شأنه أن يضع السودان مرة أخرى على شفا حرب أهلية أخرى لن تكون محصورة بالجنوب أو دارفور فقط هذه المرة وإنما ستعم السودان بأكمله في مصير مؤلم لما شاهدناه في سوريا مسبقاً. 

شارك برأيك

أشهر الوسوم