هل ستكون سوتشي، يالطا سوريا؟

قادة فرنسا وتركيا وروسيا وألمانيا في قمة إسطنبول(رويترز)

في يالطا على البحر الأسود، عقد قادة الدول الثلاث الكبار: الاتحاد السوفياتي بزعامة ستالين، والولايات المتحدة بزعامة روزفلت، والمملكة المتحدة بزعامة تشرشل، في شباط 1945 اجتماعات دامت حوالي عشرة أيام، انتهت بتوقيع اتفاقية تقاسم أوروبا بين هذه الدول، وبالتحديد أكثر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

سوريا، التي أصبحت ساحة صراع بين عديد من الدول الإقليمية والدولية التي تحاول أن تعيد شيئاً من أمجادها الإمبراطورية السابقة، من خلال انتزاع مناطق نفوذ جديدة، في المناطق التي تشهد صراعات وتعقيدات دولية كبرى مثل منطقتنا، خاصة بعد شلل وعدم فاعلية النظام الدولي الذي تأسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية ممثلاً بالأمم المتحدة، على الرغم من عدم انتهاء الصراع متمثلاً بالثورة، رغم تعثراتها.  

التقطت روسيا، وهي الطرف الذي يسعى من خلال العنف لدور على الساحة الدولية بعد إزاحتها عقب حرب الخليج وتفكك معسكرها إلى دول عديدة ووصول قواعد حلف الناتو والولايات المتحدة إلى جوارها، اللحظة المناسبة ومن خلال دورها الوحشي في سوريا، وفي ظل مقاربة أميركية تبتعد عن التدخلات المباشرة، نتيجة فشلها في كل من أفغانستان والعراق (فترة أوباما) والغموض الذي يحيط بسياسة البلاد في عهد ترامب واقتصارها على محاربة الإرهاب متمثلاً بداعش، ونتيجة للوضع الداخلي المتعثر الذي تعيشه الفصائل العسكرية، فطرحت عقب تدمير حلب واستسلامها للروس والنظام في نهاية عام 2016، الدعوة لاجتماعات في آستانا في بداية 2016، مع الدول التي تراها روسيا صاحبة نفوذ في سوريا.

أما الاتحاد الأوروبي، على الرغم من معارضته الأولية لهذه الاجتماعات، فإنه يسعى نتيجة للمواقف الأميركية تجاه دوله لأن يكون له موطئ قدم في سوريا، وألا يكون غائباً

الغائب والحاضر عن هذه الاجتماعات والاتفاقيات هو الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من احتفاظ الولايات المتحدة بربع الأراضي السورية، وبأكثر من ثلاثة أرباع ثروتها النفطية (غاز وبترول)، فإنها بعيدة عن هذه المناقشات نتيجة لخلافات عديدة بين هذه الدول الثلاثة مع الولايات المتحدة من جهة، ونتيجة لتردد الإدارة الأميركية وغياب استراتيجية خاصة بها تجاه سوريا. أما إسرائيل فهي اللاعب المهم والخفي الغائب عن تلك الاتفاقات، لكن تنسيقها مستمر مع روسيا، ولا يمكن لأي اتفاق يستبعد مصالحها وأمنها أن يستمر ويُكتب له النجاح.

أما الاتحاد الأوروبي، على الرغم من معارضته الأولية لهذه الاجتماعات، فإنه يسعى نتيجة للمواقف الأميركية تجاه دوله لأن يكون له موطئ قدم في سوريا، وألا يكون غائباً عن تلك الاجتماعات، خاصة أن دوله تضم عدداً كبيراً من اللاجئين، ولقدرته على المساهمة في إعادة الإعمار، وما الحضور إلى الاجتماع الأخير في إسطنبول لكل من فرنسا وألمانيا، وهما قاطرة أوروبا، إلا تعبير عن تلك السياسة الأوروبية، التي تسعى لحل سياسي في سوريا يعيد بالحد الأدنى عدداً ما من اللاجئين لديها، ويحقق شيئاً من مصالحها. ولربما تشهد الاجتماعات المقبلة حضوراً رسمياً للاتحاد الأوروبي، بعد إصدار فرنسا مذكرات بحق كبار ضباط المخابرات في سوريا والمسؤولين عن جرائم كثيرة بحق السوريين.

لربما لم يُتفق بعد على المكان النهائي الذي يتم فيه الاجتماع للإعلان الرسمي عن تقاسم النفوذ، وإعلان الوصاية على مناطق سوريا، ولكنه سيكون -حكماً- في إحدى عواصم أو منتجعات واحدة من تلك الدول، وأغلب الظن أنه سوتشي، كون روسيا بوتين هي الطرف الأقوى، وهي من يحدد مساحات النفوذ للدول البقية، حيث يتوضح في معظم الجغرافيا السورية توزع المناطق وخضوعها، بشكل مباشر أو غير مباشر، لوصاية تلك الدول، كما هو واضح اضمحلال دور النظام الذي استجلب كل هذا الدمار لسوريا، ودفع بها إلى هذا الوضع المتردي.

لربما تستطيع تلك الدول تثبيت وقف المعارك، وتحقيق بعض الإصلاحات الدستورية وغيرها، لكن ما لم تعمل على تحقيق تسوية سياسية تضمن الحدود الدنيا من مطالب السوريين، فقد تؤجل العنف إلى حين.

ثمة اصطفافات وإعادة وتموضعات لخريطة التحالفات والتوازنات الدولية في يومنا هذا. فتركيا تقترب أكثر فأكثر من روسيا من خلال الصراع على سوريا ونتيجة للمواقف الأميركية الداعمة لقوات الحماية الشعبية الكردية التي تعدّها تركيا ذراعاً لحزب العمال الكردستاني، وإيران نتيجة العقوبات الأميركية عليها، تجد مكانها الطبيعي بالتقارب من روسيا، والاتحاد الأوروبي، وبعد سياسات ترامب العدائية تجاهها، وتجاه حلف الناتو، والموقف تجاه الالتزام بالعقوبات المفروضة على إيران، تدفعه نحو البحث عن سياسة مستقلة نسبياً تجاه أميركا، والاقتراب من روسيا.

تعتمد تلك الدول سياسة تجزئة المشكلات، بعد تفكيك نقاط الاتفاق والخلاف، والبناء على نقاط الاتفاق، وترحيل نقاط الاختلاف لمرحلة لاحقة، وبالتالي تبقى هذه الاتفاقات راهنة، وقد تطول راهنيتها لسنوات، لكنها مفتوحة على احتمالات عدة، أهمها الخلافات المؤجلة بين الدول الثلاثة، التي تظهر بعض من ملامحها الآن (روسيا وإيران).

وفق الخريطة السابقة من التعارضات والاتفاقات، لن تحقق هذه الاتفاقات الاستقرار للبلاد، رغم كل ما تدعيه الدول الثلاثة، لأنها تحاول أن تفرض اتفاقاً أو سلاماً قائماً على القوة العسكرية (كلٌ في الأراضي التي يسيطر عليها) من دون قوة اقتصادية ومالية يمكنهم من توظيفها لإعادة إعمار ما دُمّر، ويتجلى هذا أكثر في المناطق التي يسيطر عليها الروس والإيرانيون، كونها المساحة الأكبر، أي لا خطة "مارشال" لديها مجتمعة، كما بعد الحرب العالمية الثانية لبناء أوروبا.

لربما تستطيع تلك الدول تثبيت وقف المعارك، وتحقيق بعض الإصلاحات الدستورية وغيرها، لكن ما لم تعمل على تحقيق تسوية سياسية تضمن الحدود الدنيا من مطالب السوريين، فقد تؤجل العنف إلى حين، كما قد تفجّر هذه الاتفاقات خطر الدخول بشكل جدي في حرب دينية وعرقية كبرى بقصد إعادة تشكيل المنطقة برمتها، حرب تشبه بشكل من الأشكال حرب الثلاثين عاماً في أوروبا في القرن السابع عشر في الشكل، من حيث عنفها والتداخلات السياسية والدينية فيها، وليس من حيث نتيجتها، فهناك تمكّنت تلك الدول من الوصول إلى معاهدة سلام أسست لنشوء الدول السيادية، بينما هنا قد تحمل بوادر تفكيك البلد لدويلات تقوم على أسس دينية، وتؤسس لعدم استقرار قد ينتقل للدول الضامنة ذاتها.

شارك برأيك

أشهر الوسوم