هل ستضطر إسرائيل إلى تقبّل الصفعة الروسية في سوريا؟

طائرة "إيل - 20" الروسية (إنترنت)

قامت وزارة الدفاع الروسية، يوم الأحد الماضي، بتقديم إيجاز فيما يتعلق بالحادثة التي أدّت إلى إسقاط الطائرة الروسية (إليوشن-٢٠) ومقتل طاقمها المكوّن من ١٥ روسياً، وذلك إثر إصابتها بصاروخ مضاد للطائرات من طراز (إس-٢٠٠)، كان نظام الأسد قد أطلقه باتجاه مقاتلات إسرائيلية بُعَيدَ شنّها هجوماً قرب اللاذقية على مواقع يعتقد أنّ إيران تستخدمها لإمداد حزب الله بالأسلحة.

الإيجاز الروسي لم يكن مقنعاً بما فيه الكفاية، هناك عدّة أسئلة تحتاج إلى المزيد من الإيضاح كغياب الذكر التام لمسؤولية نظام الأسد عن إسقاط الطائرة، وغض الطرف عن عشوائية تصرّفه. ثمّة الكثير من التضارب بين موسكو وتل أبيب فيما يتعلق بالتوقيت، فإسرائيل تقول إنّ مقاتلاتها كانت في الأجواء الإسرائيلية عندما أطلق نظام الأسد دفاعاته، فيما تقول الرواية الروسية شيئاً آخر، مع إقرارها بأنّ دفاعات الأسد انطلقت بعد ١١ دقيقة من الغارة الإسرائيلية!

كذلك الأمر فيما يتعلق بالإنذار الإسرائيلي المبكّر، إذ تقول موسكو إنّ تل أبيب أخطرتها بالعملية قبل دقيقة واحدة فقط، الأمر الذي حرم الطائرة الروسية من الوقت الكافي للمناورة وتغيير الاتجاه، فيما تقول تل ابيب إنّها أخطرت روسيا بالعملية قبل فترة زمنية أطول، وإنّ الادعاء بأنّ المقاتلات الإسرائيلية استخدمت الطائرة الروسية درعاً وناورت خلفها لتفادي الصاروخ هو أمر غير ممكن لأنّ الطيّارين الإسرائيليين لا يعتمدون على مثل هذا الافتراض لتفادي الدفاعات السورية.

وبالرغم من أنّ البعض كان يشير إلى وجود تمايز في موقف المؤسسات الروسية لاسيما موقف الرئيس بوتين الذي بدا أقل حدّة من موقف وزارة الدفاع نظراً لعلاقات الأوّل الشخصية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أنّ القرار النهائي الذي تمّ اتخاذه يشير إلى أنّ العلاقات مع إسرائيل ستتضرّر نتيجة الحادث.

من الأمور المثيرة للاهتمام في موقف روسيا هو حرصها على لوم إسرائيل حصرياً

من الأمور المثيرة للاهتمام في موقف روسيا، هو حرصها على لوم إسرائيل حصرياً عمّا جرى، وهو يدفعنا إلى الافتراض بأنّ هناك رغبة لدى الأولى ربما في الحصول على تنازلات من الثانية بحجّة استهداف الطائرة. موسكو لا تستطيع أن تلوم الأسد (حليفها) على إسقاط طائرتها وقتل جنودها لأن ليس لديه ما يقدّمه لها إن هي حمّلته المسؤولية عن ذلك. في المقابل، يبدو أنّ إلقاء المسؤولية الحصرية على إسرائيل أكثر جاذبية ونفعاً للمصالح الروسية خاصة إذا ما كان ذلك سيدفع الأخيرة إلى تقديم تنازلات، وهذا ما تريده روسيا بالضبط.

يوم أمس الإثنين، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن روسيا ستقوم بتسليم نظام الأسد منظومة (اس-٣٠٠) الدفاعية خلال أسبوعين، وأنّه سيتم تزويدها بنظام تمييز الصديق والعدو، وربطها بشكل مباشر بمنظومة التحكّم الروسية. كما قالت وزارة الدفاع الروسية بأنّه ستحجب إشارات الرادار والأقمار الاصطناعية عن المقاتلات التي تهاجم سوريا من البحر المتوسط، مبررةً كل هذه الخطوات بأنّها لمنع تكرار الحادثة التي جرت، وحماية الجنود الروس.

لن نضطر للانتظار طويلاً قبل أن نسمع ردّة فعل إسرائيل على القرار الروسي، وسيكون من المثير للاهتمام أيضاً مراقبة الموقف الأمريكي، وإذا ما كان سيتم دفعه هو الآخر إلى الدخول في الموضوع أم سيبقى على الحياد. من الصعب القول إنّه سيبقى على الحياد إذا كانت أنظمة (اس-٣٠٠) ستصل إلى نظام الأسد، إلا إذا كان هناك ضمانات روسية بالتحكّم المباشر بها. سيكون من المثير للسخرية أن تكافئ موسكو النظام السوري الذي أسقط طائرات وقتل جنودها (بالخطأ) من خلال تطوير منظومته الصاروخية الدفاعية!

 وبالرغم من أنّ الإعلان الروسي يعطي الانطباع بأنّ موسكو حسمت أمرها في هذا الصدد، إلا أنّه لا زال بالإمكان القول إنّ هذا الإعلان قد يكون مجرّد مناورة، سيما وأنّه يعطي فسحة من الوقت (أسبوعين) للإسرائيليين لمحاولة تصحيح وضعهم مع روسيا. لكن إذا لم يكن في الأمر مناورة، فلا شك أنّه سيخلق الكثير من المشاكل، لأنّه يعني أنّ موسكو ستعطي رخصة للأسد بإسقاط مقاتلات إسرائيلية، ومن غير الممكن لتل أبيب أن تقبل بذلك.

الإعلان الروسي يعني أيضاً أنّه سيتم فرض قيودٍ على أماكن عمل المقاتلات الإسرائيلية ودفعها للابتعاد عن أماكن تواجد القواعد العسكرية الروسية في سوريا. لكن مثل هذا الأمر قد يشجّع الدور الإيراني في محيط القواعد العسكرية الروسية، وفي محيط قواعد الدفاعات الجويّة التابعة للنظام السوري. بمعنى آخر، قد تستغل إيران هذه الفرصة لتعمل في ظل هذه المواقع لتتجنّب الضربات الإسرائيلية. هذا السيناريو ليس جيّدا لروسيا، وقد تفهمه إسرائيل كذلك على أنّه ضوء أخضر من موسكو لطهران لكي تكثّف من عملها في محيط المناطق التي تتواجد فيها روسيا.

سيظل بإمكان إسرائيل بما لديها من قدرات عسكرية استهداف مواقع إيرانية أو مواقع تابعة للنظام السوري

لا شك أنّه سيظل بإمكان إسرائيل بما لديها من قدرات عسكرية استهداف مواقع إيرانية أو مواقع تابعة للنظام السوري بما في ذلك ربما مواقع منظومة (اس-٣٠٠) الروسية، لكنّ عملها العسكري والسياسي سيصبح أكثر تعقيداً، كما أنّ مخاطر تعرّض مقاتلاتها للنيران سيصبح أعلى.

ربما سيقوم الجانب الإسرائيلي باقتراح مراجعة طريقة التعاون مع روسيا فيما يتعلق بالتنسيق الثنائي قبيل الضربات الجوية، وقد يتضمّن ذلك مطالبة روسيا لإسرائيل بإجراءات أكثر تشدّداً من بينها ضرورة تزويد موسكو بالمعلومات قبل فترة أطول من تلك المتّفق عليها. سيعتمد هذا الخيار على مدى ثقة إسرائيل بروسيا، فالتحذير من ضربة قادمة قبل وقت طويل نسبياً من الممكن أن يعرّض المقاتلات الإسرائيلية والطيارين الإسرائيليين إلى مخاطر متزايدة، سيما إذا ما قرّرت موسكو الاستفادة من هذه المعلومات للتلاعب بمختلف الأطراف أو تمريرها إلى النظام السوري.

خلاصة الأمر، أنّ روسيا باتت تتمتّع باليد العليا في الموضوع، وليس هناك من سبب يجعلها تسحبها من دون مقابل. السؤال هو، ماذا ستفعل إسرائيل، أو بالأحرى ماذا ستقدّم؟

شارك برأيك

أشهر الوسوم