هل ستؤدي سياسة حذف الأصفار لحل معضلة الاقتصاد الإيراني المنهار؟

سوق في العاصمة الإيرانية طهران (رويترز)

أعلنت الحكومة الإيرانية يوم الأربعاء الماضي قرارها بحذف 4 أصفار من العملة الإيرانية، واعتماد التومان بدلا من الريال كعملة رسمية للبلاد.

وجاء قرار حكومة روحاني بالموافقة على مقترح البنك المركزي، الذي لا يزال ينتظر موافقة البرلمان الإيراني، من ثم مجلس صيانة الدستور، ثم الرئيس حسن روحاني.

وللتوضيح بداية، يجب ذكر أن التومان الإيراني الواحد يعادل 10ريالات، ولكن مع انهيار العملة وصل سعر الدولار الواحد في السوق السوداء إلى 120 ألف ريال (أي ما يعادل 12 ألف تومان). أي أن حذف 4 أصفار، يعني أن الـ10 آلاف ريال مثلا ستساوي 1 تومان.

إن مثل هذا المقترح ليس جديدا في إيران، فقد تم طرحه مرتين في أعقاب سقوط قيمة الريال الإيراني خلال الفترة الثانية من رئاسة هاشمي رفسنجاني، وفي الفترة الثانية أيضا من رئاسة محمود أحمدي نجاد

إن مثل هذا المقترح ليس جديدا في إيران، فقد تم طرحه مرتين في أعقاب سقوط قيمة الريال الإيراني خلال الفترة الثانية من رئاسة هاشمي رفسنجاني، وفي الفترة الثانية أيضا من رئاسة محمود أحمدي نجاد.

وللعلم، فإن سياسة حذف الأصفار من العملة الوطنية تستخدم عادة في البلدان، التي تعاني باستمرار من زيادة في السيولة وارتفاع في معدلات التضخم، ومن أمثلة ذلك  البرازيل ويوغوسلافيا سابقا والأرجنتين وأوكرانيا وبوليفيا وتركيا وأذربيجان، وفي بعض الأحيان، يتم تغيير اسم العملة أيضا بعد عملية إزالة الأصفار.

السؤال المهم هنا، إذا تم تنفيذ هذا الاقتراح بشكل عملي، وتم حذف أربعة أصفار من العملة الإيرانية، هل سيؤدي ذلك لحل المعضلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني مثل التضخم والغلاء والبطالة وتدني مستويات الإنتاج؟!.

 

للإجابة على هذا السؤال، ينبغي بداية معرفة ما يلي:

هل تكفي مسألة إزالة الأصفار من العملة الإيرانية فقط لحل القضية (حل المعضلات الاقتصادية)، أم أن الأمر بحاجة لإعمال سياسات هيكلية في الاقتصاد الإيراني، قبل البدء بعملية حذف الأصفار؟

صحيح أن حذف الأصفار من العملة الإيرانية سيؤدي إلى تحفيض حجم الإنفاق على طباعة الأوراق المالية، وإعادة استخدام العملات المعدنية، والحفاظ على فاعلية العملة وتسهيل التعاملات النقدية المحلية.

إلا أن هذا القرار يهدف حقيقة لخلق تأثيرات نفسية زائفة بخصوص العملية الإيرانية المنهارة توهم بأنها صارت أكثر قوة،

وذلك لأن عملية حذف الأصفار لا تضيف حقيقة إلى قوة العملة، ما لم توازيها إجراءات وإصلاحات اقتصادية تدعم العملة المحلية مثل جذب استثمارات أجنبية، وتوفير مصادر لتدفق العملات الأجنبية، والأمثلة السابقة لحذف الأصفار في بلدان أخرى أكبر دليل على ذلك.

مثلا إزالة الأصفار من العملة الوطنية في زائير (في عام ٢٠٠٦ و٢٠٠٨ و٢٠٠٩) لم يعالج مشكلة الإنتاج، ولا مشكلة التضخم أيضا.

كما أن الأرجنتين والبرازيل أزالتا الأصفار من عملاتها الوطنية عدة مرات، وظلتا تعانيان من التضخم والغلاء الفاحش.

وزد على ذلك، أنه في بعض الأحيان كان الغلاء والتضخم يتسارع في تلك البلدان بشكل جنوني، حتى بعد القيام بعملية حذف الأصفار .

فنزويلا هي أحد أفضل الأمثلة أيضا على فشل عملية حذف الأصفار في تحسين الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، وذلك بسبب عدم القيام بالإصلاحات الاقتصادية مسبقا.

ففي صيف عام 2008، قامت الحكومة الاشتراكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بحذف خمسة أصفار من العملة الوطنية، وتم تغيير اسم العملة الوطنية لتصبح "بوليفار"، لكن حذف الأصفار وتغيير اسم العملة لم يرافقه أي سياسات إصلاحية للاقتصاد، وبالإضافة لذلك، تمت طباعة عملة جديدة.

ونتيجة لذلك، حصلت الحكومة الفنزويلية على عملة جديدة ليست بأفضل من سابقتها، وخرج التضخم والغلاء بعدها عن حد السيطرة مرة أخرى.

في الوقت الذي توقف فيه البنك المركزي الفنزويلي عن إصدار المؤشرات الاقتصادية للبلاد منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، يقول صندوق النقد الدولي بأن معدل التضخم في فنزويلا وصل لما يقارب ٢ مليون بالمائة!.

وبالعودة لإيران، فإنه بموجب العقوبات، لا يبدو أن النظام الإيراني يستطيع، حتى إن رغب في ذلك، إجراء إصلاحات اقتصادية.

فوفقًا لتقديرات مركز أبحاث المجلس، بموجب العقوبات الحالية، فإن اقتصاد البلاد لن ينمو في العام الجاري، بل وسينخفض أيضًا بنسبة 1.5٪ تقريبًا، فكيف ستؤدي عملية إزالة الأصفار من الريال إلى حل هذه المشكلة؟

إذا مجرد حذف الأصفار من العملة الإيرانية (وتغيير اسم العملة الإيرانية حتى)، لن يداوي أي علة أو مرض يعاني منه الاقتصاد الإيراني، والتغيير الوحيد الذي سيحدثه هذا العمل هو تغيير استعراضي وصوري، ما لم يتزامن مع تغييرات هيكلية في الاقتصاد الإيراني المريض.

وعلى ما يبدو، فإن إزالة الأصفار من العملة الإيرانية ليس سوى دعاية سياسية لتوليد دفعة نفسية بين الناس أكثر من تقديم العلاج الحقيقي للمعضلة ذاتها.

فنزويلا هي أحد أفضل الأمثلة أيضا على فشل عملية حذف الأصفار في تحسين الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد

هل ستستفيد إيران من تجارب دول الجوار؟

يجب التأكيد على أن إزالة الأصفار من العملة الإيرانية ليس سوى عمل رمزي وصوري، وسيحقق نتائج مرجوة منه فقط في حالة تزامن ذلك مع سلسلة من الإصلاحات القانونية والمالية والاقتصادية التي اتبعتها تركيا في هذا المجال.

منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان يعاني الشعب التركي من تضخم سريع، حيث إنه في عام ٢٠٠٠ كان يضطر الشعب التركي لدفع عدة ملايين من الليرات من أجل شراء الخبز، لكن في عام ٢٠٠٥ تم حذف خمسة أصفار من الليرة التركية، وبعد ذلك لم تشهد الليرة التركية تضخما كبيرا، وذلك بسبب التنسيق والتعاون المستمر للحكومة التركية مع صندوق النقد الدولي، وقيامها بإصلاحات جوهرية وبنيوية في الاقتصاد التركي وخاصة فيما يتعلق بالتكاليف الحكومية والنظم المصرفية والبنكية، واستطاعت الحكومة التركية من خلال ذلك السيطرة على التضخم بشكل لافت وملحوظ.

ومن هنا، فإن إزالة الأصفار من العملة الإيرانية لن يترك أي أثر إيجابي على الاقتصاد الإيراني، بل سيزيد من يأس وخيبة أمل الشعب الإيراني.

إن المقترح الإيراني بحذف الأصفار ما هو إلا محاولة يائسة للتأقلم مع التضخم المنفلت الذي تعيشه البلاد.

هذه المحاولة اليائسة التي تأتي بعد أن فشلت طهران في القضاء على نسب التضخم المرتفعة التي تجاوزت 30%، إذ أصبحت أزمة التضخم أكبر من قدرة البلاد على حلها.

ناهيك عن أن حذف الأصفار سيدخل المنظومة الاقتصادية كاملة في إيران في فوضى وأزمة، "إذ ستكون السوق ساحة للتجار والتحكم في الأسعار"، كما يتحدث العديد من الخبراء الاقتصاديين.

ومع العزلة الاقتصادية التي تعيشها إيران بفعل العقوبات، فلن يحدث حذف الأصفار فارقا في الوضع الاقتصادي للبلاد.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم