هل تنفع ورقة أوجلان في انتخابات إسطنبول؟

حين تنشر هذه المقالة، يكون القراء قد عرفوا من فاز برئاسة بلدية إسطنبول المتنازع عليها بين السلطة والمعارضة. لكن تطورات غريبة جرت، في اليومين الأخيرين قبيل بدء التصويت، تستحق تسليط الضوء عليها، سواء لدلالاتها الكبيرة بخصوص شراسة المعركة الانتخابية وأهميتها السياسية، أو لما تنطوي عليه من احتمالات مسار الأحداث التركية في الفترة التالية على انتهاء الانتخابات.

نشر مدير مكتب جريدة "صباح" الموالية للحكم في أنقرة، مقالةً تناول فيها موضوع تصويت الناخبين الكرد في إسطنبول، قال فيها إن قرار حزب الشعوب الديموقراطي واضح بلا لبس بتأييد مرشح "الشعب الجمهوري" المتحالف مع "الحزب الخيّر" أكرم إمام أوغلو. ثم تساءل قائلاً: لكننا لا نعرف، بعد، ما هو موقف أوجلان. ولكن ثمة معلومات تشير إلى أنه سينادي بالحياد بين المرشحين المتنافسين. (انتهى كلام جريدة الصباح).

في اليوم نفسه الذي نشر فيه هذا التوقع، ظهر أكاديمي من ديرسم، يدعى علي كمال أوزجان، أمام وسائل الإعلام، ليعلن أنه قام بزيارة لـ "إيمرالي" حيث يحتجز زعيم العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، ونقل عنه رسالة دعا فيها ناخبي إسطنبول من الكرد لالتزام الحياد في الانتخابات، وهو ما يعني الامتناع عن التصويت. وقال أوزجان إن أوجلان كان قد وجه رسالته هذه، قبل يومين، بواسطة محامي مكتب المحاماة الذين قاموا بزيارته، لكنهم لم يعلنوا فحوى الرسالة أمام الرأي العام.

وهكذا اضطر مكتب المحاماة إلى إعلان توضيح أكد فيه صحة ما قاله أوزجان بشأن رسالة أوجلان، مبررين عدم الإعلان عنها بأنهم، كالعادة، سلموا الرسالة إلى المرسل إليه الذي هو حزب الشعوب الديموقراطي الذي وحده يملك قرار التصرف بالرسالة وطريقة وتوقيت الإعلان عنها.

وقد أصبح أوزجان، رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة منظر في ديرسم، فجأةً تحت الأضواء: من هو هذا

بلغ يقين الحكم بشأن خسارة مرشحه بن علي يلدرم في الانتخابات التي تجرى اليوم درجةً دفعت به إلى الاستعانة بأوجلان الموصوف بالإرهابي

الأكاديمي الذي لم يسمع به أحد قبل اليوم؟ ومن الذي كلفه بالقيام بزيارة أوجلان؟ وهل له ارتباطات بجهاز الاستخبارات التركي؟.. إلى آخر هذه التساؤلات وضروب التشكيك. فاضطر الرجل إلى تقديم توضيحات حول هذه الأمور، فاعترف صراحةً بأن "الدولة" أبلغته بموعد الزيارة، ليتضح، في استقصاءات الصحافة، أن المقصود بـ "الدولة" هو الرئيس أردوغان الذي استقبله في القصر، قبل أيام، وبحضور رئيس جهاز الاستخبارات القومي هاكان فيدان.

إنه حدث من النوع الذي يقول فيه أهل دمشق إنه "يضع العقل في الكف". كيف لا، وقد بلغ يقين الحكم بشأن خسارة مرشحه بن علي يلدرم في الانتخابات التي تجرى اليوم درجةً دفعت به إلى الاستعانة بأوجلان الموصوف بالإرهابي؟ ليس هذا وحسب، بل إن أهل السلطة لطالما اتهموا حزب الشعب الجمهوري، أثناء الحملة الانتخابية الأولى، بأنه "متحالف مع الإرهابيين" فقط لأن الحزب الكردي دعا ناخبيه للتصويت لمرشحي الشعب الجمهوري حيثما لم يكن هناك مرشحون للحزب الكردي؟ فها هو الحزب الحاكم اليوم يستخدم "رأس الإرهاب" كما يسمي أوجلان، ضد الحزب السياسي الكردي الممثل في البرلمان.

حتى رئيس حزب الحركة القومية المتحالف مع "العدالة والتنمية" دولت بهجلي الذي يكاد يكون عداؤه للسياسة الكردية سبب وجوده ومعناه، أيد، بطريقة ملتوية، موقف أوجلان ضد "الشعوب الديموقراطي". أما أردوغان فقد اعتبر تباين الموقف بين الحزب الكردي وأوجلان "صراعاً على السلطة" في الحاضنة الاجتماعية الكردية.

إن هذه المناورة المكشوفة والغريبة، تكشف، قبل كل شيء، مدى تمسك أردوغان برئاسة بلدية إسطنبول، ورغبته بعدم التفريط بها مهما كان الثمن. كما تظهر مدى شعوره باليأس أمام اقتناعه بنتائج استطلاعات الرأي التي اتفقت على تقدم حظوظ إمام أوغلو على منافسه يلدرم. وتظهر أيضاً أن الحديث عن الإرهاب واتهام الخصوم السياسيين به، هو مجرد كلام في الهواء بدلالة أنه لم ير بأساً في الاستعانة بأوجلان الذي تغير توصيفه في وسائل الإعلام الموالية، فجأةً، من "رأس الإرهاب" إلى "السيد أوجلان المحترم".

مبدئياً، لم تنفع هذه المناورة في تغيير موقف "الشعوب الديموقراطي" الذي أعلن تمسكه بدعم إمام أوغلو، من غير أن يعترض بصورة مباشرة على ما جاء في رسالة أوجلان. أما هل يلعب النفوذ الشعبي لأوجلان لدى الكرد دوراً في تغيير قناعات قسم من الناخبين، فهذا ما سنراه بعد إعلان النتائج. أعني أنه لا يمكن الحكم بالفشل على لعب ورقة أوجلان، فقط من خلال الموقف المعلن لحزب الشعوب الديموقراطي، بل يجب انتظار النتائج.

غير أن النتائج السياسية لهذه المناورة، وبمعزل عن انتخابات إسطنبول أو من يفوز بها، قد تكون ذات أهمية تتجاوز المناورات الانتخابية ذات المفعول اللحظي. فقد استعاد أوجلان، بهذه المناورة، شيئاً من مشروعيته السياسية، من الصعب سحبها منه ببساطة بعد انتهاء الحاجة إليه، فلم يعد مجرد "إرهابي" ينفذ الحكم القضائي الصادر بحقه بالسجن مدى الحياة، بل لاعب سياسي يمكن أن يلعب أدواراً في

من ناحية أوجلان، فغريب هذا التورط منه في مواجهة استراتيجية حزب الشعوب الديموقراطي في الانتخابات البلدية في إسطنبول. فقد يكلفه هذا فقدان بعض من شعبيته

السياسة التركية والإقليمية، بالتنسيق مع الدولة التركية أو بغض نظر منها. الدور الإقليمي بالذات ربما هو ما تعول عليه الحكومة بحثاً عن حلول لمشكلاتها مع الأميركيين بخصوص شرقي نهر الفرات، أي استخدامه كـ "حمامة" في مواجهة "صقور" حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا وجناحه العسكري "وحدت حماية الشعب". وبخاصة في ظل غياب أي توجه حكومي بشأن استعادة مسار الحل السلمي داخل تركيا.

أما من ناحية أوجلان، فغريب هذا التورط منه في مواجهة استراتيجية حزب الشعوب الديموقراطي في الانتخابات البلدية في إسطنبول. فقد يكلفه هذا فقدان بعض من شعبيته لدى القاعدة الاجتماعية المؤمنة بقيادته ورمزيته.

بصرف النظر عن نتائج انتخابات إسطنبول، أمام الحكومة التركية تحديات كبيرة، خارجية وداخلية واقتصادية، سنرى كيف ستواجهها في الأيام والأسابيع القادمة، على رأسها مشكلة صواريخ إس 400 مع الولايات المتحدة، ومعركة إدلب وجوارها مع روسيا، والموقف من الصراع الأميركي – الإيراني، والصراع على التنقيب عن الغاز في شرقي المتوسط، وتدهور الوضع الاقتصادي المتجه نحو أزمة كبيرة.

فإذا أضيف، إلى هذه المعضلات الكبيرة، خسارة رئاسة بلدية إسطنبول المحتملة، سيواجه الحزب الحاكم مسار تدهور قد يقود الأمور باتجاه انتخابات مبكرة تعيد رسم المشهد السياسي برمته في تركيا، كما يتوقع بعض المحللين المعارضين.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم