هل تؤثر الانتخابات المحلية على السياسة الخارجية التركية؟

طرحت أسئلة كثيرة عن التأثيرات السياسية للانتخابات المحلية التركية على المشهد السياسي الداخلي. كما على السياسة التركية الخارجية بشكل عام والقضايا العربية والقضية السورية بشكل خاص.

اقتنعت دائماً أن الانتخابات لن تترك تداعيات كبيرة -لها طبعاً دلالات سياسية-، وتأثيرات جذرية وجوهرية على السياسة الخارجية التركية.

الانتخابات الأخيرة هي بلدية طبعاً، وكما في أي دولة ديمقراطية لها طابع أو إطار سياسي، لكنها محلية في النهاية، التصويت عادة فيها جهوي أو حتى شخصي، وهى تقدم بالتأكيد فكرة ولو عامة عن موازين القوى الحزبية في البلد.

ثمة أسباب لقناعتي السابقة أي عدم وجود تأثيرات وتداعيات سياسية جدية وجوهرية للانتخابات ونتائجها على السياسة العامة للحكومة في الداخل والخارج، منها طبعاً التحوّل إلى النظام الرئاسي، وبالتالي لا تداعيات مباشرة على الواقع السياسي بمعنى أنه لن تكون دعوات إلى انتخابات مبكرة رئاسية، أو برلمانية، علماً أن الانتخابات التي سبقتها في العام 2014، حيث كان النظام برلمانياً وكانت خىسارة حزب العدالة فيها لتؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار وتغييرات جذرية في المشهد السياسي وموازين القوى الحزبية في البلد.

السبب الثاني يتعلق بنتائج الانتخابات نفسها، ورغم كل ما قيل عن تراجع حزب العدالة في البلديات الكبرى أي أنقرة وإسطنبول، إلا أنه ما زال يحتفظ بالسيطرة على معظم البلديات الفرعية فيها - 25 من أصل 39 في إسطنبول، و22 من أصل 25 في أنقرة - وقبل ذلك وبعده ما زال الحزب هو الأقوى الأكبر وبفارق كبير عن منافسيه 44% مقابل 30% لحزب الشعب، كما يتمتع بالغالبية على المستوى الوطني العام عبر تحالفه -تحالف الشعب- مع حزب الحركة القومية. 51 % مقابل37 % لتحالف الأمة المعارض الذي يضم حزبي الشعب والجيد المنشق عن الحزب القومي.

ورغم كل ما قيل عن تراجع حزب العدالة في البلديات الكبرى أي أنقرة وإسطنبول، إلا أنه ما زال يحتفظ بالسيطرة على معظم البلديات الفرعية فيها - 25 من أصل 39 في إسطنبول، و22 من أصل 25 في أنقرة

هي كذلك ليست انتخابات برلمانية يواجه بعدها الرئيس برلمان معادي، ولن يتحول إلى بطة عرجاء كما يقال في النظام الرئاسي الأميركي أو حتى الفرنسي مع وجود برلمان لا يتمتع فيه الرئيس وحزبه بالغالبية.

بناء عليه أعتقد أن المنحى العام للسياسات، سيبقى بنفس الاتجاه كما هو في الداخل والخارج على حد سواء، فداخلياً سيستمر العمل على إنجاز المشاريع الكبرى العملاقة مثل المطار الجديد وقناة إسطنبول والمشاريع الإنمائية الكبرى في مختلف المناطق، كما سيستمر العمل في السياق الاقتصادي ربما بحذر وحرص أكبر لتخفيض نسبة التضخم، وبالتالي تخفيض الأسعار وتحسين سعر صرف الليرة والعمل على زيادة الصادرات وفتح أسواق جديدة أمامها.

فيما يخص التعاطي مع اللاجئين السوريين والجاليات العربية عموماً فلن يكون تغيير كبير، بل على العكس قد تزداد وتتسارع وتيرة التجنيس، وبالتأكيد لن يكون أي تأثير ضار للانتخابات البلدية ونتائجها، على العلاقة مع اللاجئين أو نمط حياتهم المعتاد، مع استمرار سيطرة العدالة والتنمية -على القرار السياسي العام في البلد- كما على البلديات الفرعية في إسطنبول وأنقرة، مع العلم أن مرشح المعارضة لبلدية إسنطبول أكرم إمام أوغلو كان رئيساً ناجحاً للبلدية بمنطقة بيليك دوزو التي تضم تجمعات سورية وعربية كبيرة.

خارجياً سيستمر أيضاً السياق العامل للسياسات المتبعة منذ الانتهاء من الاستفتاء الدستوري2017، ثم الانتخابات الرئاسية البرلمانية الصيف الماضي، المتضمن تهدئة وتحسين العلاقات مع الاتحاد الاوروبي والمضي قدماً في مفاوضات الانضمام للاتحاد كما التفاوض من أجل التوصل لاتفاق اتحاد جمركي جديد معه.

ستستمر وتيرة العلاقات الجيدة مع روسيا، مع العمل على تحسينها والسعي لرفع حجم التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار كما هو مخطط، من خلال المضي قدماً في المشاريع العملاقة، وتحديداً خط غاز السيل التركي الجنوبي، ومحطة الطاقة النووية أق قويو، في مرسين التي سيتم افتتاحها رسمياً في العام 2023.

مع أميركا سيتم مواصلة العمل وبذل الجهد لتحسين العلاقات وحل الخلافات والسعى لرفع مستوى التبادل التجاري إلى 70 مليار دولار، كما سيستمر الحوار والنقاش حول ترتيب أو تنظيم الخلافات تحديداً فيما يتعلق بالقضية السورية، ومنظومة صواريخ إس 400، الروسية حيث تبدو أنقرة مستعدة لتقديم أي تطمينات أو ضمانات لازمة، وهي منفتحة على فكرة شراء منظومة باتريوت الأميركية المشابهة أيضاً ضمن تسهيلات وشروط ملائمة.

في القضايا العربية سيستمر كذلك الاتجاه نفسه حيث دعم الثورات العربية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ودعم سيرورة قيام أنظمة مدنية ديمقراطية، كما سيستمر دعم القضية الفلسطينية العادلة ومساعدة الشعب الفلسطيني

في القضايا العربية سيستمر كذلك الاتجاه نفسه حيث دعم الثورات العربية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ودعم سيرورة قيام أنظمة مدنية ديمقراطية، كما سيستمر دعم القضية الفلسطينية العادلة ومساعدة الشعب الفلسطيني وقيادته المعترف بها لمواجهة سياسة ترمب وسعيه، لإزاحة القضايا والملفات الخلافية عن جدول الأعمال، عبر "صفقة القرن" الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائياً. هنا ستواصل أنقرة دعم القيادة الفلسطينية وتشجيعها على مواجهة الصفقة، وعدم الخضوع للضغوط العربية أو الأميركية لقبولها أو التساوق معها.

الأهم ربما أو ما ينال الاهتمام والترقب هو تأثير الانتخابات على الموقف التركي من القضية السورية، كما قلت في مستهل المقال لا تداعيات سياسية جدية لنتائجها على السياسة الخارجية، وبالتالي سيستمر الموقف التركي المتمثل بدعم أهداف الثورة السورية ، والتوصل إلى حل وفق إعلان جنيف وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وبالتالي دعم حق الشعب السوري في إقامة حكم مدني ديمقراطي دون إقصاء لأي طرف، ودون إفلات أي مجرم من العقاب.

فى السياق نفسه لن تتساوق تركيا أبداً مع المشاريع الهادفة لتصفية القضية السورية، أو الإقرار بالواقع الجديد الذي فرضته روسيا بالقوة، بمعنى أدق لن يكون تماهي مع دعوات إعادة الإعمار وعودة النازحين اللاجئين، إلا ضمن عملية سياسية جدية وبضمانات من قبل الأمم المتحدة.

سيستمر العمل بالتوازي على الملفين الضاغطين على جدول الأعمال أي ملفي إدلب وشرق الفرات، سيجري العمل على ضمان تنفيذ اتفاق سوتشي لخفض التصعيد في إدلب، ومنع أي عملية عسكرية أو خيار عسكري تجاهها، وسيستمر النقاش مع واشنطن وبدرجة أقل، موسكو فيما يتعلق بشرق الفرات مع قناعة أنقرة باستحالة تنفيذ عملية عسكرية دون ضوء أخضر أو برتقالي من واشنطن، مع اليقين أيضاً بالمقابل والثقة باستحالة تنفيذ أي انسحاب، أو ترتيبات أمنية سياسية أميركية جديدة في المنطقة دون تفاهم مع تركيا، التي لا يمكن الاستغناء عنها باعتبارها لاعباً مركزياً مهماً في القضية السورية، تحديداً في شرق الفرات المناطق المتاخمة للحدود التركية السورية.

في الأخير وباختصار، الانتخابات بلدية محلية لها دلالات سياسية، تتعلق بالمشهد الحزبي وموازين القوى بشكل عام، لكنها حتماً لن تؤثر جدياً وجذرياً على السياسات العامة فى الداخل والخارج، ربما يكون حذر هنا أو حرص هناك، لكن المنحى العام يبقى هو نفسه كما شهدناه فى العقد الأخير، مع الانتباه إلى أن ثمة مساحة زمنية ممتدة لأربع سنوات، كافية للقراءة واستخلاص العبر، استعداداً للاستحقاقات الانتخابية السياسية القادمة .

شارك برأيك

أشهر الوسوم