هل انتهت مسرحية داعش؟ أم مازال للقصة بقية؟

عمد ما سُمي تنظيم "الدولة" منذ بداية ظهوره على تنفيذ مخطط مدروس بدقة، استطاع من خلاله أن يفتك بالثورة وحاضنتها الشعبية تدريجيًا من خلال الكثير من الممارسات القمعية التي لم يسبق لها مثيل، تَفوّق فيها على عصابات الأسد والميليشيات الطائفية المتحالفة معه من حيث القتل والتنكيل والتهجير، خاصة في المناطق التي سيطر عليها والتي وصلت إلى ما يعادل 50% من الجغرافيا السورية، هذه الممارسات المدروسة التي لم تسئ للثورة وحسب بل خدمت الأسد وعصاباته ومشروعه الذي كان أحد أهم ركائزه الأساسية محاربة الإرهاب والذي صنعه هو وحلفاؤه، وبنفس الوقت حاول الأسد وحلفاؤه أن يقنعوا العالم بأنهم يحاربونه ونجحوا في ذلك إلى أبعد الحدود وما جرى ويجري على الأرض يؤكد هذا، إن ظهور داعش عام 2014 كان استكمالاً لِما قام به من أطلقهم الأسد من سجونه والذين شكلوا فصائل ذات طابع إسلامي متشدد، تلقت هذه الفصائل الدعم الكبير من الكثير من الأطراف العربية والإقليمية والدولية، وبدأت بالسيطرة بشكل سريع على القرار العسكري للثورة بفضل هذا الدعم وبسبب توقف الدعم عن الجيش الحر، الذي بدأت مرحلة تفكيكه وتهميش دوره ليحل مكانه تنظيمات وفصائل ذات طابع إسلامي متشدد جلها ينتمي إلى تيار السلفية الجهادية وجماعة الإخوان المسلمين، وبهذا اكتسبت الثورة صفة الإرهاب وهذا ما أفرح الأسد وحلفاءه وداعميه، الذين انبروا لمحاربة هذا الإرهاب الذي صنعوه هم بأيديهم.

وقد انقسم هؤلاء إلى محورين:

المحور الأول وتمثل في احتواء هذه التنظيمات والفصائل والسيطرة على قرارها من خلال إغراقها بالدعم المشروط خاصة الدعم المالي، وطرق أخرى لا مجال لذكرها هنا، ونتج عن هذا تسليم الكثير من المناطق المحررة للأسد وعصاباته بحجج واهية كان آخرها ما سُمي مناطق خفض التصعيد، والتي تم تسليم أغلبها وتهجير أغلب سكانها إلى الشمال السوري ليدخلوا من جديد في بازارات السياسة الدولية والإقليمية والعربية.   

أما المحور الثاني فقد تمثل في محاربة هذه التنظيمات عسكريًا ولهذا تم حشد القوى والأساطيل وشُكلت التحالفات والجيوش كقوات سوريا الديموقراطية، وبدأ البطش في سكان المناطق التي تتواجد فيها هذه التنظيمات وخاصة مناطق داعش بحجة محاربة هذه التنظيمات الإرهابية، ومن خلال هذه الشماعة تم تدمير هذه المناطق بشكل شبه كامل، وتم تهجير أهلها والتنكيل بهم من كافة الأطراف

هل انتهت مهمة داعش في سوريا؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه في الأيام والأسابيع والأشهر القادمة إذا لم تنتهِ مهمتها؟

المدافعة والمهاجمة، إلى أن وصل الحال إلى ما نحن عليه الآن لتتقلص داعش وتتقوقع في منطقتين: الأولى في الطرف الشرقي من نهر الفرات على الحدود العراقية وهذه المنطقة باتت ضيقة جدًا لا تتجاوز مساحتها الكيلومترين، والمنطقة الثانية في البادية الشامية في السلسلة الشرقية لجبال تدمر، والتي يطلق عليها تسمية تورا بورا سوريا، ولا تتجاوز مساحتها الأربعة آلاف كيلومتر مربع، بعد أن كان التنظيم يسيطر على آلاف الكيلومترات في وسط وشرق وشمال سوريا، والسؤال الذي يمكن أن يطرحه الكثير هل انتهت مهمة داعش في سوريا؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه في الأيام والأسابيع والأشهر القادمة إذا لم تنتهِ مهمتها؟، وللإجابة على هذه التساؤلات لابد من معرفة تركيبة تنظيم داعش والتي يمكن أن نقسمها من حيث الولاء إلى قسمين: الأول ويتمثل في أصحاب القرار في التنظيم وهؤلاء مسيطر عليهم بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر من قبل أجهزة المخابرات الدولية والعربية والإقليمية، والقسم الثاني وهم أصحاب العقيدة الذين انضموا للتنظيم من أجل هدف محدد وعقيدة راسخة يمكن أن تتلخص بمحاربة الظلم الذي يمارسه الحكام في العالم الإسلامي والعالم على المسلمين وبالتالي تحرير الدول الإسلامية من براثن الدول العظمى لإقامة إمارة إسلامية يمكن أن تكون أحد أقطاب العالم، كل هذا حسب رؤيتهم وقناعاتهم وهذا كل ما يفكرون به ويعملون من أجل تحقيقه، وهؤلاء يعتبرون من الصف الثاني والثالث وكثير من المقاتلين العاديين في التنظيم والذين لا يُسمح لهم بتلقي أي نوع من أنواع الدعم، حتى لا يتدخلوا في قرارات قيادة التنظيم وحتى لا يقوموا بالانشقاق عن التنظيم، ولهذا السبب لوحظ أنه لم تسجيل أي حادثة انشقاق في صفوف التنظيم حتى الآن، بل إن هؤلاء يتم التحكم بهم واستخدامهم في القتال وخاصة العمليات الانتحارية والانغماسيه بعد عملية ممنهجة لغسل أدمغتهم،  ويمكن أن نقول إن قسم من هؤلاء خرج من التنظيم بشكل فردي وهرب دون ضجيج، والقسم الآخر مازال موجودًا إما متحكم به ومسيطر على عقوله أو ضاقت به السبل ولم يجد مكانًا آمنًا يمكن أن يلجأ إليه، ولذلك سيقاتل هؤلاء حتى النهاية وهذا يفسر لجوء وتمترس هؤلاء في منطقة البادية الشامية المشهورة في وعورتها خاصة المناطق الجبلية منها، ويمكن أن يلجأ من تبقى من قيادة داعش المتحكم بهم إلى هذه المناطق مع هؤلاء

تنظيم دولة العراق والشام "داعش" سيبقى إلى حين ولن يفكك أو يختفي بشكل نهائي وإذا تطلب الأمر سيتم نقله إلى مناطق أخرى لاستخدامه في مهمة أخرى ودور آخر

بعد أن يتم قتل أو تهريب الأخطر منهم، وبهذا يمكن إعادة تدوير التنظيم وإسناد مهام جديدة له إن استطاع من تبقى من هذه القيادات الاستمرار بالسيطرة على القرار داخل التنظيم، وهذا يعود إلى قدرة هؤلاء القادة على إقناع من تبقى من أصحاب الفكر الراديكالي بالعمل تحت أمرتهم.

وبإيجاز يمكن أن نقول بأن تنظيم دولة العراق والشام "داعش" سيبقى إلى حين ولن يفكك أو يختفي بشكل نهائي وإذا تطلب الأمر سيتم نقله إلى مناطق أخرى لاستخدامه في مهمة أخرى ودور آخر أو يمكن أن يبقى في مكانه ليقوم مَن هُم أصحاب العقيدة الحقيقيين في عمليات ضد أهداف تظهرهم بأنهم مازالوا موجودين وفي طريقهم لتحقيق هدفهم وهو إقامة الإمارة الإسلامية المنشودة، وأعتقد جازمًا بأن هذا الأمر لن يكون إلا حُلماً من أحلام اليقظة التي طالما راود مخيلة الكثير من هؤلاء وغيرهم لكن كانت طرق الوصول إليه عقيمة، وأدت إلى ضرر كبير بسمعة الإسلام والمسلمين في كل مكان تواجدت به هذه التنظيمات، فمن يريد أن يعيد أمجاد أجداده وينشر الإسلام عليه أن يتسامح مع الآخرين أولًا خاصة مع أبناء جلدته، وبنفس الوقت عليه أن يبني أجيالًا ممن تحمل فكرًا نيرًا يُقدم خدماته للبشرية من خلال إنجازات علمية غير مسبوقة في كل المجالات وعلى كافة الأصعدة، ليبني من خلال ذلك حضارة تنافس حضارة الغرب، وتعيد أمجاد حضارته المندثرة إلى مكانها الطبيعي، فالمحبة والتسامح والعِلم هم مفاتيح نهضتنا وليس الحقد والكراهية والقتل والتنكيل والإرهاب وقطع الرؤوس.                    

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم