نَبْشُ رَواكِــد الوباء

لم تكن تداعيات المواجهة الدامية بين تنظيم الإخوان المسلمين ونظام الأسد في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، محدودة الأثر بتلك الفترة فحسب، وكذلك لم تكن آلة القمع المتوحشة لحافظ الأسد آنذاك، تهدف إلى القضاء على خصومه الإسلاميين ممّن حملوا السلاح بوجهه فقط، بل يمكن القول: إنّ حافظ الأسد أفلح في إيجاد المبررات التي تمكّنه من تحويل المواجهة بينه وبين الإخوان المسلمين، إلى مواجهة بينه وبين جميع القوى السياسية السورية الرافضة لنظام حكمه، إذ وجدها فرصةً ثمينة للانقضاض على شتى أشكال الحراك السياسي، دون تمييز، إذ لم يعد استهداف الخصم يخضع لمعايير فكرية أو سياسية، بل إن المعيار الأمني هو المحرك الأساسي لعصا السلطة، ولا أدلّ على ذلك من اكتظاظ السجون السورية خلال عقد الثمانينيات، بالإضافة إلى المعتقلين الإسلاميين، وهم النسبة الأكثر، بمعتقلين من كافة التيارات السياسية (الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي – حزب الشعب حالياً)، (حزب العمل الشيوعي – الاتحاد الاشتراكي – التنظيم الشعبي الناصري – حزب البعث الديمقراطي – حزب البعث جناح العراق – حزب العمال الثوري – بالإضافة إلى عدد من الأحزاب الكردية – وكذلك العديد من الشخصيات الوطنية المستقلة)، ولم تستثن سلطات الأسد آنذاك العديد من أعضاء حزب السلطة أيضاً لمجرّد الشك بولائهم الأمني.

استمرّت تلك الحملة منذ العام 1979 وحتى بداية التسعينيات، وتحديداً حتى شتاء 1992 حين أقدمت سلطات النظام على اعتقال مجموعة من حزب العمل الشيوعي هم (المرحوم نعمان عبدو – محمود عيسى – السيدة ضحى عاشور – جريس التللي – وكان من ضمنهم المرحوم سلامة كيلة، إذ وُجّهتْ له تهمة التعاون مع الحزب المذكور).

ولئن شكّلت موجة العنف التي مارستها السلطة آنذاك ضدّ خصومها السياسيين، حالةً تراوحت تداعياتها بين التصفية الجسدية، والاعتقال طويل الأمد، إلّا أنها - بالمجمل – أفلحت في تجسيد رسالة ناصعة الوضوح، ترسم للسوريين جميعاً التخوم التي ينبغي عليهم الوقوف دونها وعدم تجاوزها، وما خلف تلك التخوم كانت قد صودرت جميع الحقوق، وأضحت السياسة - بمفهومها العام – حقلاً محظوراً، ومَن تسوّل له نفسه بالاقتراب من ذاك الحقل فإنها ستكون مجازفة وخيمة العواقب.

أمّا حزب البعث (حزب السلطة)، فقد طرأ تحوّل كبير على مهامه الوظيفية خلال الثمانينيات فما بعد، إذ أصبحت جميع مكاتب فروع الحزب ومقرّاته في المدن والبلدات والقرى، عبارة عن مكاتب رديفة لأجهزة المخابرات

وضمن هذا الفضاء الأمني المرعب، كان ثمة مجموعة من الأحزاب التي أتاح لها نظام الأسد بالظهور، إن لم يكن قد أوعز بتشكيلها، وأعني ما أطلق عليه (أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية)، علماً ان هذه الجبهة أُحدثت بقرار سياسي من رأس النظام، ولم يكن وجودها بموجب قانون خاص بالأحزاب، فضلاً عن التوجيهات الأمنية التي كانت تخضع لها، إذ عليها أن ترسل كافة محاضر اجتماعاتها إلى أجهزة الأمن عقب كل اجتماع، كما عليها أن ترفع قوائم بأسماء جميع أعضائها إلى شعبة الامن السياسي.

أمّا حزب البعث (حزب السلطة)، فقد طرأ تحوّل كبير على مهامه الوظيفية خلال الثمانينيات فما بعد، إذ أصبحت جميع مكاتب فروع الحزب ومقرّاته في المدن والبلدات والقرى، عبارة عن مكاتب رديفة لأجهزة المخابرات، تعنى بكتابة التقارير المتعلقة بنشاط المواطنين، ومن ثم تزويد أجهزة الأمن بتلك التقارير، وليس بالضرورة أن يتمّ رصْد ومراقبة النشاط السياسي للمواطن فحسب، بل من حق السلطات الأمنية، أن تحيط علماً بمجمل ما يقوم به الناس من أنشطة اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية، إلى درجة أن أي مواطن إذا أقدم على الزواج، وأراد إقامة حفلة زفاف، عليه إبلاغ الأمن والحصول على موافقة أمنية.

لعلنا لسنا بحاجة إلى التأكيد، على أن تدشين العهد الأمني في بداية الثمانينيات كان مُنجَزاً يتقوّم على حاملين اثنين، هما المخابرات والجيش، وإلى هذين الحاملين، يدين نظام حافظ الأسد في بقاء حكمه شديدَ التحصين والتماسك إلى يوم مماته في العاشر من حزيران عام 2000.

الحقيقة المؤلمة، هي أن حافظ الأسد نجح في أن يجعل المجتمع السوري، طيلة ثلاثة عقود من الزمن، مجتمعاً معطوباً مشلولاً مكسور الإرادة، وعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا الاعتراف من إيلام، إلّا أن الظواهر المُعاشة تؤكد ذلك، إذ انحسر الحراك السياسي، بل أُختُزِل بمجموعة من الأحزاب التي قضى أكثر من نصف أعضائها في السجون لفترات زمنية تجاوزت في بعض الأحيان عقدين من الزمن، أما النصف الآخر فراح يعمل في الخفاء، وكان أكثر همّه عدم الوقوع بين يدي السلطة، فيما بدا يتعزز في قناعة الكثير من السوريين آنذاك، بعدم جدوى أي عمل سياسي في ظل توحّش السلطة، لا بل إن الذين مارسوا العمل السياسي، وأُتيح لهم الخروج من المعتقلات بعد سنوات طويلة، امضوا سنوات أخرى خارج السجن كفئة معزولة يتحاشى الاحتكاك بها معظم الناس خوفاً من بطش السلطة، إلّا أن هذه الفئة من المعتقلين الناجين، والحاضنة الضيقة المحيطة بهم، هم انفسهم الذين بادروا بتفعيل الحراك السياسي والثقافي إبان الفترة التي سُميت بربيع دمشق، دون تفاعل كبير من قطاعات أخرى من المجتمع، ولعل هذا تأكيد واضح على أن عزلة الظاهرة السياسية وعدم تجذّرها في المجتمع السوري.

إلّا أن هذه النقيضة ربما انطوت على جانب إيجابي في الوقت ذاته، أي أن انبثاق جيل الثورة من خارج عقود التأسيس الدموي، يجعله محرراً من لوثات تلك العقود المفعمة بالخوف والانكسار، كما يجعله غير مسكون – كأسلافه– بكوابح ذاتية

ولئن استطاع الأسد (الأب)، بفضل حيازته لجميع أشكال وأدوات العنف، أن يُرغم المجتمع السوري على التصالح مع ذلّه وانكساره وشتى مظاهر الوباء القيمي طيلة ثلاثة عقود من الزمن، كان هو المتسيّد المطلق فيها، وكان الجيل الذي واكب تلك المرحلة قد انتهى إلى مآلات يشوبها الكثير من النكوص والإحباط، إلّا أن الجيل الذي تفتّح وعيه مع انطلاقة ثورات الربيع العربي، وأطلق ثورة آذار 2011 ، كان جيلاً مغايراً، ولعل هذه المغايرة تحمل نقيضتين، الأولى تكمن في عدم معرفته أو اطلاعه الكافي على السيرورة التاريخية التي أنتجت دولة الأسد، وساهمت في ترسيخ سمات بنيتها، ولهذا السبب، باتت نظرته إلى نظام الحكم في سوريا تتماهى مع نظرته إلى أي نظام حكم استبدادي آخر، إلّا أن هذه النقيضة ربما انطوت على جانب إيجابي في الوقت ذاته، أي أن انبثاق جيل الثورة من خارج عقود التأسيس الدموي، يجعله محرراً من لوثات تلك العقود المفعمة بالخوف والانكسار، كما يجعله غير مسكون – كأسلافه– بكوابح ذاتية، إن لم تكن موجودة، بادر إلى خلقها.

على مدى ثماني سنوات، لم يتوان الأسد وحلفاؤه عن التنكيل بالسوريين بأشنع أساليب الإجرام، وما يجعله يزداد إجراماً، هو شعوره بأنه لم ينتصر، على الرغم من سيطرته الميدانية على الأرض، وكذلك على الرغم من تبعثر وتشظي قوى الثورة بشتى مسمياتها، ما يجعل نظام الأسد أشدّ خوفاً وإجراماً في الوقت ذاته، هو إدراكه أن الشعب الذي يُقتل ويتشرّد، هو نفسه قد شرع في نبش رواكد الوباء التي راكمها الاستبداد في نفوس السوريين.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم