نهاية التاريخ أم بداية عصر التوحش؟

"الدعاية السياسية لا تخدع الناس، لكنها تساعدهم على خداع أنفسهم"

لا يمكن إدراج الحماسة والاحتفالات بهدم جدار برلين عام 1989 تحت بند خداع الناس لأنفسهم، ولكن ما جرى ويجري بعد تلك الحماسة والتوق للتغيير نحو المزيد من الحرية والعدالة هو ما أظهر الموضوع وكأنه كان محض دعاية سياسية ساهم الجميع في التضخيم من التوقعات والآمال المبنية عليها.
ألهبت مشاهد الشبان وهم يهوون بمعاولهم على جدار برلين في عام 1989 مشاعر الحماس عند الكثيرين الذين رأوا في تهديم جدار برلين الشهير نهاية آخر رمز للحرب الباردة، وقسمة العالم ما بين شرق خاضع لديكتاتوريات الإيديولوجيا وغرب ديمقراطي ينعم سكانه بالرخاء والحرية.

هذه المشاهد والحماسة التي رافقتها دفعت المفكر الأمريكي، الياباني الأصل "فرانسيس فوكوياما" إلى إطلاق

نحيا نحن اليوم نكسة تاريخية وحضارية ربما لم يتوقعها أحد ممن شهد سقوط جدار برلين قبل تسعة وعشرين عاماً.

صرخة الفوز لمعسكره الغربي في مقال ذاع صيته في العالم بعنوان "نهاية التاريخ" إذ اعتبر أن الاضطهاد والأنظمة الشمولية إلى زوال مع النصر الواضح لقيم الليبرالية والديمقراطية الغربية.

حسناً، فوكوياما سيراجع أفكاره لاحقاً ويتراجع عن الكثير منها والعالم الذي تفاءل بمصطلح انتهاء الديكتاتوريات سينتقل لمرحلة أخرى بخطىً بطيئة لنحيا نحن اليوم نكسة تاريخية وحضارية ربما لم يتوقعها أحد ممن شهد سقوط جدار برلين قبل تسعة وعشرين عاماً.

ففي عالم الألفية الثالثة عادت الدول لاحتلال دول أخرى كما فعلت أمريكا في العراق وروسيا وإيران في سوريا ناهيك عن قيام دول باجتزاء مناطق من دول مجاورة وضمها تحت شعارات مختلفة كما فعلت روسيا بأوكرانيا، وعاد القمع بأقسى وجوهه فهو أصبح عابراً للحدود وصريحاً في مطاردة المعارضين واغتيالهم داخل وخارج دولهم.

كل ذلك عدا عن عودة كابوس القمع العسكري، كالذي قام به الاتحاد السوفييتي والصين في القرن الماضي ضد التحركات الشعبية، بشكل أبشع وأكثر دموية، فالنظام السوري يقوم بشن حرب شرسة ضد شعبه منذ سبع سنوات استخدم فيها كل أنواع الأسلحة بدءاً من الذخائر العنقودية مروراً بالصواريخ البالستية وصولاً لاستخدام السلاح الكيماوي عشرات المرات.

ويبدو العالم وكأنه فقد بوصلته الأخلاقية تماماً ففي الأمس أعلنت ثلاث دول (المملكة المتحدة وهولندا وأمريكا) عن عدوان روسي إلكتروني واستخباراتي استهدف فيه منظمات أممية، عدا عن قيام عناصر استخباراتية روسية بمحاولة اغتيال معارض بمواد كيماوية في بريطانيا، وكانت الاستخبارات الأمريكية افتتحت القرن الحالي بحملة استهدفت مشتبهين بعضويتهم في تنظيمات إسلامية متطرفة وإرهابية فقامت بخطفهم وإرسالهم لدول قمعية كسوريا ومصر لتعذيبهم وانتزاع المعلومات منهم.

القرن الحالي مشبع حتى الثمالة بوقائع مخجلة لا تنتهي فإذا ابتعدنا عن الحروب والاغتيال والخطف لوجدنا التسريبات الضخمة

لا شك أن لحظة إسقاط جدار برلين هي من اللحظات التي يحق للبشر الفخر بها ولكن الوقائع التي عاشها العالم بعد ذلك تثبت أننا كبشر ما زلنا بعيدين كثيراً عن لحظة إعلان انتصار قيم الحرية

مثل أوراق بنما و"بارادايس بيبرز" تكشف عن قيام رؤساء ومسؤولين سياسيين بالإضافة لمشاهير الأعمال والفن والرياضة بالتحايل الضريبي وإخفاء أموالهم، التي جاء بعضها من صفقات الفساد وسرقة الشعوب في الأنظمة الديكتاتورية، بعيداً عن الرقابة وهنا نتحدث عن ملايين الوثائق التي فضحت أكبر عمليات غسيل أموال في التاريخ.

لا شك أن لحظة إسقاط جدار برلين هي من اللحظات التي يحق للبشر الفخر بها ولكن الوقائع التي عاشها العالم بعد ذلك تثبت أننا كبشر ما زلنا بعيدين كثيراً عن لحظة إعلان انتصار قيم الحرية فها هي أصوات التعنت والعنصرية والطائفية تعود لتملأ الفضاء معلنة التخلي عن قيم حقوق الإنسان وكاشفة عن وجه قبيح لعالم يحتفل بتوقيع الصفقات وتبادل المليارات على بحر من الدم المسفوك وصيحات الألم.

شارك برأيك

أشهر الوسوم