نهاية اعتباطية لنظام مجرم

ليس اكتشافاً أن لا معيار منطقيا أو علميا أو أخلاقيا أو إنسانيا من أي صنف يحكم القضية السورية؛ ورغم ذلك، إذا حاول المرء التفكير بما يريده نظام الأسد من سوريا أو لسوريا أو في سوريا، فيمكنه حصر ذلك بجملة من الاحتمالات؛ وعلى رأسها وحصرياً، هو أن هذا النظام يريد البقاء في السلطة بأي ثمن. والثمن حسب شعاره: "أحكمها أو أدمرها"، يستلزم بيعاً لمحتل الأرض سابقاً، ولمحتل الأرض راهناً، إضافة إلى ما يتطلبه من تدمير، وقتل، وتهجير، وجرائم حرب لا تتوقف. والأمر الآخر، المرتبط بذلك عضوياً، ومقابل بقائه، هو قبول هذا النظام بدور القفاز لتنفيذ مشاريع خارجية؛ وعلى رأسها المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني في السيطرة على المنطقة خدمة للمشروع الأميركي الأكبر للهيمنة على مقدرات العالم. وفِي الظاهر تحقق له ذلك؛ وها هو يجد حتى الروس شركاءً له بذلك، وأجراء عند المشروع الصهيو-أميركي. وهذا ربما يفسر سر تلك المعاناة السورية الطويلة.

ومن هنا يرى البعض أن انتصار المشروع إياه يعني هيمنة أمرو-صهيونية على المنطقة الأغنى في العالم لقرن قادم؛ أما انتصار الثورة السورية، فيعني انتكاسة المشروع إياه؛ وهذا تفسير آخر لحالة اليتم الذي يجد السوريون أنفسهم فيها.

وبالعودة إلى ما يريده النظام، والمعايير التي يُحتَمَل أن تكون ناظمة لسلوكه، فإنه إن أراد أن يحكم أو يبقى في الحكم، فلا بد أن يتوفر له الحد الأدنى من مقومات الحكم؛ ولا أتحدث هنا عن حوامل قانونية أو اقتصادية أو سيادية أو سياسية؛ بل عن حالة نفسية شعبية في 14محافظة تشكل/ الجمهورية العربية السورية/؛ ففيها لا مكان لهذا النظام لحظة استشعار تلك المحافظات وهنه وضعفه الحقيقي للحظة واحدة. فالكل معبأ باحتقار وحقد على من فعل بسوريا كل هذا. وهنا لن أذهب إلى حمص أو درعا أو إدلب أو حلب أو محافظات الجزيرة السورية أو إلى دمشق أو القنطيرة أو السويداء أو طرطوس؛ بل أذهب إلى محافظة اللاذقية، وتحديدا إلى مدينة "القرداحة" التابعة لمحافظة اللاذقية- بحكم أن ذلك المكان هو منشأ مؤسس هذا النظام. هناك لا يعيش ولا يستمر هذا النظام إلا بمنهج العصابة التي ترى القوة والقتل والظلم والسلب والنهب والتخويف الوسائل الوحيدة للبقاء وللحكم. والشاهد على ذلك الدم الذي تشهده تلك المدينة من وقت إلى آخر، كلما نشب خلاف بين العصابات.

وبالعودة إلى ما يريده النظام، والمعايير التي يُحتَمَل أن تكون ناظمة لسلوكه، فإنه إن أراد أن يحكم أو يبقى في الحكم، فلا بد أن يتوفر له الحد الأدنى من مقومات الحكم

في مختلف بقاع سوريا حتماً لن ترى الأمور إلا هكذا؛ وإن كانت هذه العصابة منبوذة في مسقط رأسها، فكيف سيكون حالها في مناطق أخرى؟ 

في مناطق أخرى من سوريا؛ وبعد كل الممارسات الوحشية التي مارسها هذا النظام في محاولة لتثبيت سلطته، وصلت به الأمور اليوم- عبر مستأجرين- أن يحرق محاصيل القمح التي ينتظرها شعب لم يكن أمامه مخرج للخلاص من ربقة ظلمه.

  يعرف هذا النظام أنه لم يعد له في نفوس السوريين إلا الاحتقار؛ فهو الذي حوّل سوريا إلى بلد مستباح، بلد أخذ الروس بعضه رهينة، كي يساوموا العالم على ملفاتهم المتراكمة؛ وأخذ بعضه الآخر الإيرانيون، كي ينجزوا مشروعهم الخبيث؛ ووضع الأميركيون وغيرهم أيديهم على شماله كي يتحكموا بخيراته ويبتزوا الآخرين؛ بلد تلعب به إسرائيل كذبيحة مستباحة تغزوها الضباع. ومن تسبب بذلك ليس مؤامرة خارجية، ولا هذه الدولة أو تلك، بل نظام عجز عن مواجهة شعبه الذي ينشد الحرية والخلاص من الاستبداد، فحرق الأرض تحته وفوقه؛ فلم يعد فيه لشعب سوريا مكان، ولَم يعد له إلا دور القفاز الخادم لأغراض الضباع المتربصة به.

يكفي هذا النظام أنه ما من أسرة في سوريا إلا وعصر قلبها الألم؛ بعضها تدمر نهائيا، بعضها فقد حبيبا، بعضها لا يزال الألم يمزق لحظات حياته لوجود معتقل في سجونه.

لا أدري كيف يمكن أن يواجه هذا النظام. أي سوري يعرف هذا النظام أنه باتجاه حتفه الحتمي؛ والدلائل على ذلك كثيرة: فهو إذا ما نَفَذَ التهديد الأميركي، وخرج الإيرانيون، أو إذا ما جرى اتفاق روسي- أميركي، وخرجا من سوريا، أو إن تغيّر أي حال، ولو بسيط؛ سيكون هذا النظام وجها لوجه مع شعب يصعب أن ينسى ما حلَّ به على يد أناس معدومي المسؤولية، أنانيين، لا يرون إلا أنفسهم ومصالحهم؛ حتى ولو كانت على حساب كرامة الوطن وإنسانية ساكنيه؛ وذلك يشمل مَن يُسمَّى حاضنة النظام وداعميه.

فهو إذا ما نفذ التهديد الأميركي، وخرج الإيرانيون، أو إذا ما جرى اتفاق روسي- أميركي، وخرجا من سوريا، أو إن تغيّر أي حال، ولو بسيط؛ سيكون هذا النظام وجها لوجه مع شعب يصعب أن ينسى ما حلَّ به

بيت هذا النظام كعش الأفعى، كجحر الذئب لا أمان فيه، ومصيره الفناء.

مرة أخرى لن تكون المعايير منطقية أو علمية أو أخلاقية أو حتى توازنات سياسية. ستكون النهاية اعتباطية، كما المسار، كما المسلك، وكما البناء الفاسق الرخيص الذي أنشأه عقل استبدادي حاقد.

لقد أزفت لحظة النهاية؛ فإيران في وضع لا تُحسَد عليه؛ واختناقها وذلها وهزيمتها- نتيجة عبثها- لا تحتاج عبقرية لتُرى؛ والروس ما مروا بحالة توتر وتخبط يكللها سجل من الإجرام تجاوز غروزني كهذه؛ وما عادت تنفعهم المكابرة. وحتى إسرائيل التي أرادت أن ترى الجزء الثاني من شعار النظام "أحكمها أو أدمرها" أنجزت ما أرادت؛ وأضحى القفاز ذاته عبئاً عليها.

ضياع المعايير والقيم، وخراب النفوس بهذا الشكل المرعب، إضافة إلى تهتك النسيج الاجتماعي السوري، ستؤخر تعافي هذا الجسد السوري لوقت لا بأس به؛ ولكن خلاصه من منظومة الاستبداد سيكون الخطوة الأولى في التعافي.

كلمات مفتاحية

شارك برأيك

أشهر الوسوم