نجاة عبدالصمد: المبدعة المغبونة

فوز الكاتبة والروائيّة والمترجمة السوريّة نجاة عبدالصمد بجائزة كتارا للرواية العربيّة، دورة 2018، عن فئة الروايات المنشورة (رواية: لا ماء يرويها)، جاء مفاجئاً ومفرحاً جدّاً بالنسبة لي، لأسباب يمكن اعتبارها شخصيّة، لأنني لم أقرأ لها حتّى الآن، ولم ألتقِ بهذه المبدعة في حياتي، إلاّ حين استلمت درع الجائزة، في حفل إعلان نتائج كتارا، منتصف أوكتوبر 2018.

إذ تفاجأت بسيدة أنيقة تقف إلى جوار الروائي السوداني الصديق أمير تاج السر، وترحّب بيّ، أثناء مصافحتها، ولكنني لم أعرفها، وصارت تكرر؛ "أنا نجاة، نجاة، ألم تعرفني؟! نجاة عبدالصمد". وبصراحة، كنت مشدوهاً مبهوتاً أحاول استيعاب المفاجأة. إذ كنتُ أظنُّ أنني سألتقي بها في ألمانيا، بَعدَ معرفتي بوصولها إليها، وليس في الدوحة! أخبرتني بأنها ضمن الفائزين والفائزات بكتارا هذا العام. وأنها كانت تظنّ بأنني أعرف ذلك. تملّكتني فرحة غامرة، لا يمكن وصفها حين سمعتُ منها الخبر، قبل بدء الحفل. حتى تلك اللحظة، كانت الأمور تبدو عادية؛ فرحة شديد بفوز كاتبة سوريّة، أشعر بمديونيّة تجاهها، لأنّها أوّل من كتبت عن روايتي "وطأة اليقين" في صحيفة الحياة.

 كنت جالساً على مقاعد الجمهور، وحين ذكر عريف الحفل اسم نجاة عبدالصمد، فجأة اغرورقت عيناي

لم تحظَ نجاة بما حظي به الفائزون والفائزات في البلدان العربيّة الأخرى من احتفاء وحفاوة وتقدير وتكريم

بالدمع فرحاً، لكأنَّني الفائز مجدداً. وحين انتهى الحفل، وبدأ الجمهور يعتلي خشبة المسرح لتهنئة الفائزين والفائزات، هرعت بشكل مباشر إلى المسرح، وليس عبر الدرج الموجود في الزاوية، وصافحت واحتضنت نجاة، ومرّة أخرى، عاود دمع الفرح سيلانه من عينيّ. انتابني شعور غريب مركّب، شعور أن نجاة وحيدة، ويجب أن أبدد هذه الاحساس، وأشعرها أنها ليست وحدها هنا، بل معها الأهل والأصدقاء جميعاً.

من المؤسف القول: إن فوز نجاة بجائزة أدبيّة عربيّة مرموقة ومهمّة، وسط تنافس شديد، لم يعتبره الكثير من السوريين، فوزاً وإنجازاً لهم جميعاً، بخاصّة من يشتغلون في حقول النقد والإعلام. إذ لم تحظَ نجاة بما حظي به الفائزون والفائزات في البلدان العربيّة الأخرى من احتفاء وحفاوة وتقدير وتكريم. وحتّى الآن، لا أستطيع أن أجد إجابة وافية وشافية لسؤال؛ لماذا؟! وسؤال لماذا الذي أطرحه هنا، لا ينطوي على الرغبة في معرفة السبب الحقيقي، أو تفسير ذلك وحسب، بل ينطوي على النقد والتنديد والشجب بهذا التجاهل المريع من قبل من يزعمون أنهم كتّاب ومثقفي ومؤسسات ثورة الحريّة والكرامة في سوريا لهذا الانجاز الابداعي والقيمة الابداعيّة الوطنيّة التي اسمها نجاة عبدالصمد؟!

وإذا كان بالإمكان الحديث عن نجاح أو إنجاز حقيقي حققه السوريون منذ 2011 وحتى الآن، فلا يوجد ما يمكن الافتخار به إلاّ في الحقل الثقافي والإبداعي وحسب. وفوز نجاة عبدالصمد بجائزة كتارا، فئة الروايات المنشورة، دورة 2018، وفوز كاتب هذه الأسطر بنفس الجائزة، ومن نفس الفئة، دورة 2017، وفوز كتّاب /كاتبات سوريين آخرين، فئة الروايات غير المنشورة، ورواية الفتيان...، ووصول روايات شهلة العجيلي ومها حسن إلى مراحل متقدّمة في جائزة البوكر أو جائز الشيخ زايد...، كل ذلك، هي علامات مهمّة على المتن الثقافي والإبداعي السوري بعد 2011. ما عدا ذلك، كله فشلٌ في فشل، وتطاحن سياسي وطائفي، مثير للقرف، انتجته المعارضة السوريّة.

أثناء زيارتي الأخيرة لبرلين، لحضور مناقشة وحفل توقيع روايتي الثانية "حفلة أوهام مفتوحة" يوم 8/12/2018، تلك الأمسية التي نظّمها منتدى وغاليري نايا (Levante Berlin Verlag & Galerie Naya) وأدارتها المبدعة الصديقة نجاة، باقتدار وأناقة، طرحت نفس السؤال؛ لماذا، على العديد من الأصدقاء هناك؟! لماذا لم يتم الاحتفاء بنجاة في برلين؟ وباريس؟ ولندن؟ وبروكسل؟ وكل العواصم الأوروبيّة؟ ولماذا لم يكتب عنها حتّى الأصدقاء المقرّبون منها؟! وأتت الأجوبة مختلفة ومتفاوتة، ولكن تقاطعت في حيثيّة مشتركة أن هناك شيئا يشبه الفساد، أخذه بعض السوريين حتى إلى المؤسسات الثقافية الألمانيّة. بل إنه الفساد بعينه، الفساد الذي "نمقته وندينه"، وننتجه، ونصدّره للآخرين أيضاً. ذلك أن بعض السوريين الذين لهم حضور استشاري في بعض المؤسسات

لا سوريو ألمانيا أنصفوا نجاة عبدالصمد، ولا سوريو فرنسا أنصفوا مها حسن وغيرها من المبدعات السوريات هناك.

ودور النشر الأجنبيّة، يقومون بتزكية بعض الأسماء لنيل منح ابداعيّة أو إقامات إبداعيّة، دوناً عن غيرهم. وإذا استفسرت جهة ألمانيّة عن كاتب أو كاتبة سوريّة معيّنة، يتم تزويد تلك الجهة بمعلومات مغلوطة أو مشوّهة، الهدف منها استبعاد هذا الاسم عن أي مجال أو اهتمام أو نشاط ثقافي ألماني يتعلّق بالأجانب! للأسف، هذا ما نقله لي بعض المهتمّين بالحقل الثقافي في برلين. زد على هذا وذاك، حالة التراشق والانشقاق والتطاحن والمنافسة غير المجدية بين المؤسسات الثقافية غير الربحية التي أعلنها السوريون بكثرة مؤخّراً في ألمانيا. هذه الحال الكارثيّة، تزيد الطين بلّة! واعتقد أن هناك شيئا يشبه هذه الحال في فرنسا أيضاً. إذ لا يتوقّف سعي تكريس بعض الأسماء الإبداعيّة، وإهمال أسماء أخرى. وبالتالي، لا سوريو ألمانيا أنصفوا نجاة عبدالصمد، ولا سوريو فرنسا أنصفوا مها حسن وغيرها من المبدعات السوريات هناك.

الحق أن بعض الأسماء الإبداعيّة السوريّة والعربيّة أيضاً، أخذت حقّها من الترجمة والتسويق والترويج في أوروبا، في حياتها ومماتها أيضاً! بل بات أمراً مملاً ومشتبهاً به أن ترى نفس الكاتب أو الكاتبة موجودا في كل مكان على أنهما يمثلان الإبداعي السوري وحسب، لا زيد وعمرو؟! يعني إذا عطست المبدعة الفلانيّة، يصار إلى ترجمة عطستها للفرنسيّة والإنكليزية والسنسكريتية، وسطرّ عنها النقّاد ما تفيض به قرائحهم العصماء. وإذا سعل الكاتب الفلاني السوري، يصار إلى ترجمة سعاله إلى الفرنسية والإنكليزية...، والهيروغليفيّة! هكذا نسق من التعاطي بات متهافتاً ومهترئاً بل مفضوحاً أيضاً، لجهة تأثير العلاقات الشخصيّة، والانتقائيّة الفاقعة، ودور ذلك في تزكية البعض واستبعاد آخرين وأخريات. وإذا كانت الكتابة أو الكاتب الفلاني لديه شبكة علاقات عامة وخاصة وثيقة وعميقة، وصداقات واسعة النطاق تساعده أو تضمن له حضوره في المحافل الأوروبيّة، فمن لنجاة عبدالصمد حتى تحظى بنصف ربع وخُمس...، ما يحظى به هذا او ذاك المبدع، أو هذه وتلك المبدعة!؟

ربما من مصادفات الحياة أن يكون الفائز السوري الأوّل بكتارا للرواية العربية كرديا من الشمال، وأن تكون الفائزة السوريّة الثانية بهذه الجائزة، هي سوريّة من السويداء. وأقصد، فئة الروايات المنشورة. هذه المصادفة الجميلة، لم تلفت انتباه أحد من السوريين المشتغلين في حقول الإعلام والصحافة، والمنهمكين بمحمود درويش أو غيره، لكأنّ درويش لم ينل حظّه وحقّه من التسويق والنقد والترجمة والترويج، حيّاً وميّتاً، على أيدي مترجمينا ونقّادنا الأفاضل على الأراضي الأوروبيّة.

بالعودة إلى نجاة، شخصيّاً، أشعر بمديونيّة تجاه هذه الروائيّة، ليس فقط لأنها كانت أوّل من كتبت عن روايتي "وطأة اليقين" في الصحافة العربيّة، بل لأنها أدخلت الرواية من لبنان إلى السويداء، وصار أيادي القرّاء تتناقلها، كأنها تتناقل منشوراً سريّاً. وعليه، أدخلت نجاة روايتي إلى سوريا من بوابّة السويداء، وصار لي قرّاء في تلك البقعة الجميلة من سوريا، قبل أن يقرأ أحد روايتي في الدرباسية أو القامشلي أو عامودا أو عفرين! وعليه، لم تكن نجاة سفيرة "وطأة اليقين" للقارئ العربي، عبر قراءة نقديّة نشرتها صحيفة "الحياة" وحسب، بل كانت سفيرة هذه الرواية للقارئ السوري في محافظة السويداء أيضاً.

نجاة عبدالصمد، الطبيبة والإنسانة والمبدعة وإحدى سفيرات الرواية السوريّة إلى العالم العربي، وصاحبة "لا ماء يرويها" التي أنصفتها مؤسسة كتارا، وغَبِنَ حقّها السوريون.

 

*****

 

نجاة عبدالصمد في أسطر:

كاتبة سوريّة وطبيبة توليد وجراحة نسائية من مواليد السويداء ١٩٦٧، مقيمة في ألمانيا.

تحمل إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق.

صدرت لها عدة روايات ومرويات عن دور نشر سورية ولبنانية وإماراتية منذ عام ١٩٩٤.

نشرت لها أبحاث ومقالات ومشاركات بحثية في الصحف العربية وفي مواقع إلكترونية ومراكز دراسات عربية.

حائزة على جائزة كتارا للرواية العربية عن فئة الروايات المنشورة عام 2018، عن روايتها لا ماء يرويها.

الإصدارات:

بلاد المنافي، رواية، دار رياض الريس (الكوكب) لبنان عام 2010

غورنيكات سوريّة، مرويات، دار مدارك ـ الإمارات العربية 2013

في حنان الحرب، مرويات، دار مدارك ـ الإمارات العربية 2015

لا ماء يرويها، رواية، منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف، بيروت، 2017

منازل الأوطان، شهادات سورية، بيت المواطن السوري، بيروت 2018

 

وفي الترجمة عن الروسية:

مذكرات طبيب شاب، تأليف ميخائيل بولغاكوف (عمل مشترك).

الجمال جسد وروح، تأليف فاندا لاشنيفا 2015

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم