مي الروح المُلهمة

بداية لابد من أن أعترف بأنني ومنذ يوم تشييع الراحلة العظيمة مي سكاف وأنا عاجز عن الكتابة، كتبت عشرات المقالات ومزقتها إذ كنت بعد نهاية كل مقال أجده سخيفاً ولا يطال شيئاً من قامة مي الباسقة. نحن لسنا أمام رحيل صديق عادي شارك في الثورة بجانب من جوانبها، و مي لم تكن كذلك قائدةً للثورة، ولكنها كانت روحاً ملهمةً لها.

قبيل رحيلها بأيامٍ قليلة جلسنا وتحدثنا طويلاً وكنت أخال أن عمرها أطول من عمر الموت، أو على الأقل لم يخطر في مخيلتي أن ترحل مي قبل الوصول لخط النهاية، ففي الوقت الذي كانت فيه المعارضة بشقيها العسكري والسياسي تحقق الكوارث تحت مختلف المسميات والمبررات كانت ثقة مي بالنصر تزداد يقيناً.

قبل أيام من يوم التشييع بدأ مئات السوريين يتوافدون إلى مدينة باريس من مدن أوروبا المختلفة، و بعضهم اقتطع من طعامه كي يوفر أجرة الطريق ليشارك بشرف تشييع الراحلة مي إلى تراب لم تكن تتمنى أن تُدفن فيه، كان قبراً واسعاً يتسع لكل الخذلان والنكران الذي عانت منه مي على المستويين الشخصي والعام.

على نحو مفاجئ قررت مي الرحيل ولكنها كانت حريصةً على مدار السنوات الثمان المنصرمة أن تجعل من صدور السوريين بساتين مزروعة بالأمل والعزيمة،

رحلت مي وقد خبأت في صدرها الكثير، ولكنها أعطتنا ما نحتاجه لنكمل المسير، أعطتنا الضوء والعزيمة والحلم.

لم تكن لتنحني ولو لبرهة أو تمرر موقفًا صغيرًا يمس بالثورة التي آمنت بها ونذرت ثمانِ سنواتٍ من عمرها لأجلها، رحلت مي وقد خبأت في صدرها الكثير، ولكنها أعطتنا ما نحتاجه لنكمل المسير، أعطتنا الضوء والعزيمة والحلم.

إلى المركز الثقافي في ضاحية (دو دورون) تقاطر رفاق الدرب آحاداً وزرافات صبيحة ذاك الْيَوْم للمشاركة في الوداع الأخير لريحانة الثورة السورية وعماد فكرها وحصن أحلامها. في العاشرة والنصف صباحًا بدأت مراسم تشييع مي بكلمة رائعة ألقتها عمدة المدينة على مدرج مسرح المركز الثقافي، أشادت من خلالها بشجاعة مي وروحها الملهمة ومدى قدرتها على شرح قضية شعبها والدفاع عنها وكيف كانت مي تتحدث دائماً عن معاناة السوريين وتنسى أن تتحدث عن معاناتها الشخصية، بل أحياناً كانت تنسى أن تجدد بطاقة المواصلات.

بعدها تحركت جموع المشيعين إلى الفناء الخارجي لمنزل فقيدة الشعب لاستقبال جثمانها الطاهر القادم من المشفى، وما أن وصل الجثمان حتى تزاحمت مناكب الأحرار تحت النعش طمعاً في لمسة أخيرة لنعش تلك المرأة السورية العظيمة، فتدافع الرجال والنساء تدافعاً نبيلاً ليكون نصيب كل منهم ثوان معدودة في حمل النعش، ولَم يمنع تقدم العمر و المرض بعضهم من المحاولة لنيل ذلك الشرف. وعلى وقع موسيقي حزينة حالمة سارت الجموع في شوارع المدينة التي ساعدت شرطتها بتنظيم الحشود وإغلاق الطرقات بشكل مؤقت لمرور موكب التشييع المهيب وصولاً إلى المقبرة حيث توقف المشيعون للحظات وعلت الهتافات (عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد ) ثم (هاي الثورة ثورتي حتى موت) من وحي كلمات الراحلة العظيمة مي ثم ساد الصمت ودخلت الجنازة المقبرة وفي ساحتها تم وضع الجنازة أمام منصة للتأبين حيث تحدث ابن المرحومة جود عن علاقته بأمه وصديقته مي ثم تحدثت الكاتبة والروائية ديما ونوس  بكلمة نابت فيها عن السيدة فائزة شاويش زوجة الكاتب سعد الله ونوس، و خالة الراحلة مي،  والتي لم تستطع الحضور بسبب عدم حصولها على تأشيرة السفر، تلاها كلمة للفنان عبدالحكيم قطيفان الذي تحدث عن مي الفنانة والإنسانة والثائرة وكذلك تحدثت الفنانة سهير عمران بكلمة لامست قلوب المشيعين، حيث تطرقت لبعض التفاصيل عن طفولة مي وتمردها المبكر وكيف كانت تساعد أهل الحي بقضاء احتياجاتهم مستخدمةً دراجتها الهوائية، وكيف كانت تحمل أنبوبة الغاز على كتفها لأحد الجيران، وعن محطات مي الفنية في السينما والتلفزيون، وعن حوارها مع المحقق في دمشق حين تم إلقاء القبض عليها.

ودعنا قبل مي فدوى سليمان وألمى شحود والكثير من نساء سوريا الثائرات الرائدات ممن رفضن الرحيل قبل أن يتركن بصمة واضحه في مسيرة الثورة، وليس تمييزاً لمي عن باقي الثائرات ولكن مي ميزت ذاتها بشخصيتها المتمردة فما أن انطلقت الثورة حتى ذابت مي في صفوف الجماهير لتكون أحدهم وليس منظراً عليهم أو قائداً لهم فهتفوا لها في ساحات حُمُّص وحماة "مي سكاف ما بتخاف"،

مي سكاف قضت سنواتها الأخيرة كاللبؤة الجريحة التي تحاول حماية صغارها ولَم يكن ليشغلها شيء سوى الثورة ولَم تكن تتحدث بشيء سوى عن الثورة.

بهذه الروح المتمردة البسيطة دخلت مي قلوب السوريين وليس من باب الزحام على أبواب التجمعات السياسية المعارضة أو من باب "الجندرة" أو هذا الحزب أو ذاك، مي لم تكن تؤمن يوماً بشيء اسمه مفاوضات، كانت تردد قضيتنا هي حرية وكرامه ولن نقبل بالربع أو النصف فالحرية والكرامة لا تقبلان التجزئة.

مي سكاف قضت سنواتها الأخيرة كاللبؤة الجريحة التي تحاول حماية صغارها ولَم يكن ليشغلها شيء سوى الثورة ولَم تكن تتحدث بشيء سوى عن الثورة، قلبها مع الشهداء والأيتام وعقلها هناك مع المعتقلين في عتم الزنازين فكانت امرأة بحجم الثورة. لذلك سيترك رحيلها فجوة أظنها ستبقى خاليه ولن نجد من يسد مكانها

مع كل الأسى والحزن واللوعة، ومع الدموع التي لم تفارق مقلتي خلال التشييع وقبله بأيام، إلا أن هناك نسمة من سعادة كانت تهب على قلبي فتبرد نار الفاجعة ومرد تلك النسمة أنني لم أشاهد المعارضة في التشييع بل شاهدت الثورة، نعم لقد غابت كل مؤسسات المعارضة بكل تسمياتها وحضرت الثورة بكل أطيافها من اليمين واليسار والوسط، فالحزن على مي وحّد السوريين كما لم توحدها شخصية أخرى من قبل، وترك لنا مهمةً صعبه وهي العثور على مي أخرى نتوحد حولها قبل أن ترحل.

مي نحن على العهد باقون وفي طريق الحلم سائرون وسنعود معاً إلى تراب الوطن إلى "سوريا العظيمة".

شارك برأيك

أشهر الوسوم