ميراث الخوف

إحدى قنوات التلفزيون التركية، وأثناء قيامها بجولة ميدانية في شوارع مدينة (بورصة)، تلتقي بائعاً متجولاً سورياً قد تجاوز الأربعين من العمر، وقد راكم فوق عربته الصغيرة أكياس السوس، والتمر الهندي، فيبادره المذيع بالسؤال عن طبيعة عمله، وعمّا إن كان مريحاً أم لا، وهل يوفّر له هذا العمل دخلاً مادياً يفي بسداد حاجات عيشه. ثم يوجّه المذيع مكبّر الصوت (المايكرفون) إلى فم البائع، منتظِراً أجوبته، فيتلعثم البائع، وتبدو عليه حالة واضحة من الخوف والإرباك، فهو ربما يفهم ما يُقال له باللغة التركية، ولكنه لا يستطيع صياغة الردود، ولكنه شعر أنّ عليه أن يجيب بأية طريقة كانت، كيف لا، والخطب جلل، إذ إنه يقف أمام كاميرات التلفزيون، فاستجمع كلّ قواه، والتقط أنفاسه، وتحدث بجمل تمتزج فيها عدة لغات قائلاً: (بأنه يبيع سوس، تمر هندي، عصير برتقال، جوق فايدات، قلب، معدة، تركيا جوق تشكرات، أردوغان جوق كوزال، إن شاء الله يروح جنات)، ما ضاعف دهشة المذيع هو أن الأجوبة لم تكن تلامس الأسئلة، فهو لم يسأل البائع عن فوائد السوس، ولم يسأله عن رأيه بالدولة التركية وأردوغان.

ما من شك بأن جهلَ المذيع بما تخفيه أجوبة البائع هو مبعث الدهشة، فما لا يدركه المذيع هو أن أجوبة

وسائل الإعلام السورية بكافة أصنافها، هي عيون يسلّطها نظام الحكم لتكشف العورات الافتراضية للمواطنين، وعلى المواطن أن يكون في حضرتها على درجة كبيرة من الحذر

البائع كانت تنبثق من هواجسه النفسية التي كوّنتْها ثقافة بلاده طيلة عقود من الزمن، قبل أن تنبثق من إدراكه المجرّد لطبيعة الأسئلة، ذلك أن الوقوف أمام وسائل الإعلام، ما هو إلّا لحظة افتضاح في لاوعي السوريين، يعيشها المواطن السوري، وعليه أن يثبت أثناءها أنه بريء من تهمة مُقدَّرة عليه قبل أن يخرج من رحم أمه.

فوسائل الإعلام السورية بكافة أصنافها، هي عيون يسلّطها نظام الحكم لتكشف العورات الافتراضية للمواطنين، وعلى المواطن أن يكون في حضرتها على درجة كبيرة من الحذر، لئلا يخذله لسانه أمام أعتى جهة للتحقيق الأمني، قادرة على أن تكشف ما يختلج في زوايا نفسه، وإدراك أدقّ نواياه. ما لا يدركه المذيع التركي، هو أن البائع (اللاجئ السوري) الذي نجا بجسده من آلة القتل التي تطارده في بلاده، إلّا أنه لم ينجُ بعد، من رواكم الخوف التي مازالت تشوّه نفسه وتفكيره، ولو أنه علم ذلك، لأدرك درجة الانسجام بين أسئلته وأجوبة البائع الذي انطلقت أجوبته من مخزون لا وعيه النفسي المرعوب الذي اعتاد القول على الدوام: (أنا لم أخالف القوانين، أنا أحب الدولة – السلطة – أنا أحب الرئيس وأتضرع إلى الله أن يدخله الجنة).

ما قد يبدو سلوكاً سلبياً مجانياً لدى كثير من السوريين، أو أنه يندرج ضمن الرغبة في ممارسة النفاق، هو ليس كذلك على أية حال، ذلك أنه لا يجسّد حالة ذات صلة بالعادات السلبية للأفراد، بقدر ما يجسّد ثقافة عزّزها إرهاب السلطة على مدى عقود، فإسداء المديح المجاني لشخص الحاكم أو الرئيس، لم يكن سلوكاً تطوعياً صادراً من المحكومين تعبيراً عن امتنانهم لمن أحسن إليهم، بقدر ما كان واجباً قهرياً، عليهم تأديته أمام جلّاديهم، بل إن كيل المديح وسرديات العرفان بالفضل الزائف والجميل المُتخيَّل للحاكم، باتت من لوازم الافتتاحيات والخواتيم الكلامية لأيّ حديث رسمي أمام الإعلام، سواء لرجل السياسة أو الاقتصاد أو الفن أو لدى رجال الدين، او حتى للمتسوّلين الذين يفترشون الأرصفة.

يأتي موظف جديد ليباشر مهام عمله في إحدى الدوائر الحكومية، وبعد طقوس التعارف المعتادة بين الوافد الجديد والموظفين القدامى بدقائق، يتلطّى بجانبه أحدهم ليهمس بأذنه قائلاً: دير بالك من فلان فإنه مخبر لدى الجهة الأمنية الفلانية، وأنه يمتلك خطّاً جيداً، ثم يمضي متظاهراً بأنه لم يقل شيئاً، بل متظاهراً بالبحث عن خرّازة أو ثقابة أو ورقة ما على طاولة زميله الجديد، وما إن يعود

ما هو مؤكّد أن حالة الخوف هذه قابلة جداً للاستنساخ، فهي لا تقتصر على شريحة محدّدة، أو قطاع محدد من العمل، بقدر ما هي قابلة للانتشار والتعميم

إلى مكانه، حتى يأتي موظف آخر، محذّراً زميله الجديد، من الموظف الذي سبقه بالتحذير، ومن المخاوف نفسها، وهكذا لا يمضي الأسبوع الأول من العمل، حتى يبدو أن الجميع يخاف من الجميع.

ما هو مؤكّد أن حالة الخوف هذه قابلة جدا للاستنساخ، فهي لا تقتصر على شريحة محدّدة، أو قطاع محدد من العمل، بقدر ما هي قابلة للانتشار والتعميم، باعتبارها تجسّد شكلاً من أشكال العلاقة بين المواطن والسلطة، فخوف الموظف من زميله، والبائع من جاره، والضابط من حاجبه، والشيخ من مريديه، وربما الأخ من أخيه، وبهذا تكون السلطة قد أفلحت، ليس بتكريس الخوف كحالة موات نفسي فحسب، بل بسرْطَنة العلاقات الإنسانية في المجتمع أيضاً.

منذ فترة قصيرة، شوهدت إحدى صور الرئيس التركي السيد رجب طيب أردوغان معلّقة على جدار داخل أحد الصفوف المدرسية في مدينة اعزاز السورية، علماً أنه لا يوجد ما يماثل هذه الحالة أو الظاهرة ليس في المدارس التركية فحسب، بل في جميع الدوائر الحكومية التركية، وعندما طُلب من المعلم الذي قام بتعليق الصورة أن يزيلها، تردّد كثيراً وبدا خائفاً جداً، لأنه لم يتخيّل نفسه إلّا أمام إحدى صور بشار أو باسل أو أبيهما حافظ الأسد، فكيف تقوى عزائمه على إزالتها؟

المواطن السوري خائف على الدوام، فهو مُحاطٌ بخوفه حين يعمل أو يمشي، وحين يتحدّث، وحين يمزح أو يأكل ووو، إلى درجة لم يعد يتخيّل نفسه متحرّراً من خوفه، وحين لا يجد البواعث الحسية للخوف، يبادر لا وعيُه إلى اختلاقها، وهكذا يصبح الخوف المُتوهّم هو الناظم الفعلي لسلوكه وتفكيره معاً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم