من مطبخ زرياب إلى مذاق الزعتر: حكايات عن تاريخ الطعام

نستخدم الملح في كل وجبة لكننا قد لا نعرف الكثير عن تاريخه! تذكرت هذا وأنا أتذوق وجبة نسي طاهيها إضافة الملح، ذلك المكون التاريخي المهم، وقفز في ذهني غلاف كتاب "تاريخ الملح في العالم: الإمبراطوريات، المعتقدات، ثورات الشعوب، والاقتصاد العالمي" للكاتب مارك كيرلانسكي. هذا الكتاب الذي يرصد تاريخ هذا العنصر وعلاقته بتاريخ الشعوب، فبالإضافة إلى الحاجة إليه في الطعام، فهناك التحنيط وعلاقته بالأساطير. وقد نقل الفينيقون الملح عبر تجارتهم واستخدامهم المقايضة لاستبداله بمواد أخرى، ويبدو أن كيرلانسكي لم يتوقف عن عادته في البحث عن تاريخ الطعام والشراب، فقد نشر مؤخراً الدكتور عبد السلام حيدر غلاف كتاب للمؤلف نفسه لكن عن تاريخ الحليب والألبان.

ثم اكتشفت كتاباً ضخماً مكتوباً بالعربية بعنوان "الطبّاخ، دوره في حضارة الإنسان، التطور التاريخي والسوسيولوجي للطبخ وآداب المائدة" للمؤلّفة بلقيس شرارة،  ويتناول مهنة الطباخ على مر العصور. وفرحت بهذا الحشد المعلوماتي والتحليلي  الطريف، فالطعام ليس وجبة نتناولها عند الجوع فقط، بل عنصر من عناصر التاريخ. وفي قصة تطور الطعام وجه من أوجه تطور الإنسان

خلال الحربين العالميتين بدأ الاهتمام بإطعام الأطفال، وأصبحت وجبة الطعام في بعض الدول الأوروبية إجبارية ومجانية في المدارس

من أكله اللحوم والركض وراء الطرائد إلى الزراعة والاستقرار. والطعام أيضا يمثل علامة على الطبقة، فنوع الطعام وطريقة تناوله قد تساعد على تحديد الطبقة التي ينتمي إليها الشخص.

خلال الحربين العالميتين بدأ الاهتمام بإطعام الأطفال، وأصبحت وجبة الطعام في بعض الدول الأوروبية إجبارية ومجانية في المدارس. كما أدى التقنين خلال الحرب العالمية الثانية إلى تصنيف  الطعام بحسب مقاييس علمية. وتحسنت صحة الفقراء بسبب نوع الطعام الذي حصلوا عليه.

وظهرت في تلك الفترة الجمعيات التعاونية في عدد من الأقطار الأوروبية، وخاصة في إنجلترا، في بداية القرن العشرين، فكان لها أثر كبير في بيع النساء المواد الغذائية بأسعار مخفضة.  وزاد تثقيف النساء في النواحي المتعلقة بالطبخ والمطبخ.

أدت الحربان العالميتان إلى أن ينحصر العمل في المعامل والمصانع بدلاً من العمل في بيوت الأغنياء، ولم يعد في استطاعة الأغنياء أن يوظفوا العدد الكبير من الخدم الذين كانوا يعملون في قصورهم في القرن التاسع عشر، واختفى معظم الخدم الذين كانوا يعملون عند الطبقة الوسطى.

في العصر الحديث قد نتذكر الطعام كعنصر في الحرب، فقطع خطوط الإمدادت التي يكون الطعام أساسها يحرم أي جيش من التقدم كما حدث مع نابليون في حربه ضد روسيا. فبعد انسحاب الروس من قراهم وحرقهم المحاصيل، وهجوم الثلج على جيش نابليون، حل الجوع. وفي هجوم نابليون على عكا وحصاره له، زود الإنجليز المدينة بالطعام عن طريق البحر حتى لا تقع في يد نابليون بسهولة. ومنذ حروب الرومان انتبهت جيوش روما إلى أن الجوع يدمر الجيش أكثر من المعارك، وقامت الولايات المتحدة في حرب الاستقلال بنفس التكتيك فلم تستطع بريطانيا الصمود مع ضعف الحصول على المؤن، وانتهت الحرب بانتصار الثوار وخروج بريطانيا.

وقد يستعمل الطعام كسلاح، لكن ليس في حرب بل ضد الشعب، كما حصل في الحقبة التي حكم فيها ستالين الاتحاد السوفييتي، عندما أممت الدولة المصانع والمزارع، وبدأت خطة تصنيع هائلة أدت إلى مجاعة مات فيها ما لا يقل عن ثمانية ملايين شخص. وحدث هذا الأمر في أوكرانيا وتعسفت الدولة في القمع لتنفيذ الخطط الصناعية وسجن الكثير من الفلاحين، وتحولت تلك المنطقة الخصيبة إلى أرض قاحلة.

وحاولت الصين الشيء نفسه عام 1949، عندما استولت الدولة خلال حكم ماوتسي تونغ على وسائل الانتاج، وحاولت أن تقلد الاتحاد السوفييتي، فكانت النتيجة مجاعة أدت إلى موت ثلاثين مليون نسمة في الريف الصيني، لأن ما ينتجه الفلاحون كان يؤخذ لإطعام الناس في المدن وأعضاء الحزب والموظفين. وفي الحرب العالمية الثانية استعمل الطعام كسلاح في تعبئة الشعب البريطاني وزيادة زراعة الخضروات في مزارع البيوت.

على رفوف المكتبات وجدت أن هناك اهتماماً بالتأريخ للطعام وعلاقته بالسياسة، وقد أصدر مشروع "كلمة للترجمة" عدداً من العناوين المميزة مثل كتاب "مطبخ زرياب" لفاروق مردم بك الذي ترجم عن الفرنسية، وقدم فيه وصفاً ممتعاً للعديد من الأطعمة الشرقية عبر فصول يختص كل فصل منها بعنصر معين وعلاقة بعض الأطعمة به، مثل فصل عن الزعفران والزبيب والمكسرات. يقول الكاتب: "لم يكن قصدي حيت كتبت فصول الكتاب إلا مفاكهة الأصحاب بكلام عن الطعام بين الجد والهزل، فعسى أن يجد فيه قارئه اليوم، بعد أن شاب وشبت، بقية مما قصدت إليه".

أما الكتاب الثاني الذي أصدرته "كلمة للترجمة" فهو كتاب "مذاق الزعتر: ثقافات الطهي في الشرق الأوسط" الذي يقدم أبحاثا متنوعة عن الطعام وتاريخه وثقافته، ولعل بحث مي يماني بعنوان "قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت؟" يعبر عن روح الكتاب، لعل الطعام هو مدخل أنثروبولوجي للثقافة والسياسة والتاريخ والاجتماع.

ولعل مشروع "كلمة للترجمة" من أكثر الدور العربية اهتماماً بهذا الموضوع فقد نشروا سلاسل عن بعض المواضيع التي تتعلق بالطعام مثل "التوابل: التاريخ الكوني" لفريد كزارا، وكتاب "الأرز: التاريخ الكوني"، وكتاب كاثي كوفمان عن "الطبخ في الحضارات القديمة"، وكتاب "قدحة النار، دور الطهي في تطور الإنسان"،  والعديد من المواضيع التي تربط بين الطهي والأنثروبولوجيا، وهناك أيضاً كتاب

نرى الكثير من الكتب تبحث عن الطعام بل حتى دراسة طعام الأقليات مثل دراسة لميعة عباس عمارة  عن "الطعام عند الصابئة المندائيين وعلاقته بالصحة والجمال"

مترجم عن تقاليد الشاي. وسبقه كتاب مميز عن نفس الموضوع  بعنوان "من الشاي إلى الأتاي" لعبد الأحد السبتي، ومؤخرا صدر عن دار العربي كتاب بعنوان "الشاي: ثقافات، طقوس، حكايات" للكاتب الألماني كريستوف بيترز.

هكذا نرى الكثير من الكتب تبحث عن الطعام بل حتى دراسة طعام الأقليات مثل دراسة لميعة عباس عمارة  عن "الطعام عند الصابئة المندائيين وعلاقته بالصحة والجمال"، وكذلك كتاب شارل عقل "غذاء القبطي" عن طعام المسيحيين في مصر وطقوسهم المرتبطة بالطهي،  وهناك من يجعل من الطعام مدخلا للدراسة الاجتماعية مثل كتاب "قرابة الملح: الهندسة الاجتماعية للطعام" الذي أراد له كاتبه أن يكون بحثا في الشيفرة الثقافية للأكل لا في وصفته الطبخية. ليس هذا فحسب فهناك من يعود لدراسة الخبز في مصر العثمانية ومن الخبز  والطعام يطل على التاريخ. ومؤخراً فازت المترجمة نوال نصر الله بجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي عن ترجمتها كتاب "كنز الفوائد في تنويع الموائد" من العربية إلى الإنجليزية وهو كتاب مصري مجهول المؤلف ويعود للقرن الرابع عشر ويحتوي على وصفات للأطعمة تظهر روح العصر المملوكي الذي كتب فيه الكتاب.

أما عن علاقة الطعام بالأدب والرواية فهناك الرواية الفاتنة "كالماء للشوكولاته" التي تحولت إلى فيلم سينمائي. وأرى أن هذه العودة لدراسة ما يتعلق بالطعام والشراب وتحليله تاريخيا وأنثروبولوجيا هي عودة لدراسة الممارسات العادية وفهمها، وهي زاويا جديدة للنظر للتاريخ وللاجتماع الإنساني تثمر رؤية أوسع، وتمتاز تلك الرؤية بالتشويق والمتعة لما فيها من قرب من حياة القارئ.

شارك برأيك

أشهر الوسوم