من سينتصر في كُردستان العراق

القضية ليست نقل المهمات من حكومة سابقة إلى أخرى جديدة. لو اقتصر الأمر على ذلك، لما احتاجت كُردستان إلى الانتخابات، ولا قبلت الأحزاب التي تئن تحت ضربات المدّ الشعبي للبارتي الدخول في معركة "تفتيت نقيّ العظم". لكن الوسط السياسي الكُردي برمته، ومعهم واشنطن وطهران، يُدركون أن كُردستان أمام نقلة مفصلية خلال الأعوام المقبلة إن لم تكن الأشهر الأولى من العام الأول، حول كل ما يخص جوهر العملية السياسية ونتائج الاستفتاء. وما يتم الاشتغال عليه في البرلمان سيُحدد كلفة وتوجه الإقليم في تحولاته الجديدة داخلياً وخارجياً، خاصة بعدَّ تغيير البارتي الديمقراطي لمزاج التعامل مع مجمل الأطراف السياسية الكُردية والعراقية.

يدرك مُناهضي البارزاني أنه عادَّ أقوى من ذيّ قبل. ويعون جيداً أنه اقترب أكثر للقبض على مفاصل الإقليم

سيشكل البارتي الحكومة الجديدة في كُردستان، وربما سيتمحور لُبّ عملها حول نفي الوعي المتراكم في عقليات المواطنين حول أهمية ترضية كافة الأطراف السياسية الكُردية

والمدرك لنمط المتغيرات التي يجب أن تحدث اليوم، واليوم فوراً وليس بعد أيام، دون تأجيل أو أمل بمهزلة وحدة الصف الكُردي؛ بعد تجربة كركوك وانتخابات رئاسة العراق. خاصة وأن الأخيرة أثبت جدّية التعامل الجديد للبارتي مع المستجدات وحصر الاتفاق الكُردي –الكُردي بحجم ما سيقدمه الطرف الآخر مقابل ما سيلقاه.

سيشكل البارتي الحكومة الجديدة في كُردستان، وربما سيتمحور لُبّ عملها حول نفي الوعي المتراكم في عقليات المواطنين حول أهمية ترضية كافة الأطراف السياسية الكُردية، وستتحمل مسؤولية الردّ على الواقع الوطني المؤدلج في حقيقته، والطائفي المتثوب برداء المواطنة. حيث شكل نتائج ترشيح فؤاد حسين ضربة مهمة لجدار كذبة الإخاء والعيش المشترك التي كانت الأحزاب الشيعية تتكأ عليها وتحتمي بها. فهجوم الحشد الشعبي على الإقليم وتواطؤ الأحزاب الشيعية ضد البارتي الديمقراطي بعد عقود من العمل السياسي المشترك، أسس لقناعة راسخة لن تنساها أجيال كُردستان بأنهم منفيون في العراق، نفي حقهم في تقرير مصيرهم.

بعد حوالي عقد ونيف، وصل التحالف الاستراتيجي بين البارتي والاتحاد الوطني إلى أدنى مستوياته، ومن حمل لواء الاتحاد من أسرة السيد جلال طالباني بعد رحيله، أسسوا كياناً هشاً لدرجة أن ما بُني من أسوار شاهقة حول مصالحها ومربعاتها الأمنية لن تكون بمنأى عن موجة التغيير المنتظرة في عموم المنطقة ونوعية التعاطي والتعامل مع طهران تحديداً. ومن أنقذ الاتحاد من الانهيار التام في الانتخابات كانت مشاركة وترأس قُباد طالباني للقائمة الانتخابية، وفارق الــ/100/ ألف صوت لمن تلاه في قائمة الفائزين، يدرك نوعية الخلل وهشاشة التنظيم الحزبي. إضافة إلى المواقف الأخيرة للسيد ملا بختيار القيادي المهم في الاتحاد الوطني واعترافه بنسف الاتفاق الاستراتيجي بينهم وبين البارتي خاصة بعد حصول برهم صالح على رئاسة العراق.

انقسمت الطبقة الحاكمة والنخبة السياسية في الإقليم إلى رافدين، إحداهما حمل لواء حصد أصوات الجماهير وإنقاذ كُردستان من السقوط المدوي وإنهاء ليس حُلم الاستقلال فحسب، إنما أيّةُ بارقة بمستقبل مقبول في حده الأدنى، والإبقاء على الخطّ السياسي القومي الكُردستاني. متمثلاً بالحزب الديمقراطي الكُردستاني.

والرافدُّ الآخر حمل لواء النكسة الانتخابية ودفعت فاتورة وقوفها بالضد من تطلعات الغالبية الشعبية، والتي كادتّ أن تنتهي بسقطة مدوية لولا جهود قُباد طالباني وكوسرت رسول. ولن يموت أدب القضية المقرون بالجريمة والتشهير بعد حادثتي كركوك وبغداد.

 سينتظر هؤلاء نتائج سياسات الرئيس الأميركي حيال إيران، وخاصة وضعّ المعابر المرتبطة بين السليمانية وإيران، ولجانب من ستقف تلك الفئة، وضرورة حسم مواقفها وإن بالحدّ الأدنى بما يحفظ شيئا من التوازنات التي بدأت تفقدها داخلياً، خاصة وأنها تدرك جيداً أن انتصار البارتي وعدم تساهله هذه المرة حيال تشكل الحكومة ورفضه للحكومة ذيّ القاعدة العريضة ستوجه

أفرزت نتائج الانتخابات أن الأحزاب ذات الإرث التاريخي تبقى متحكمة بمفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية كل حسب مخرجات السياسات المتبعة والمتراكمة خلال المدّة الفاصلة بين دورة انتخابية وأخرى

ضربة قاصمة لتطلعاتهم المستقبلية، ما قدّ يؤجج نارا تقسم كُردستان مرة أخرى، خاصة وأن ثلاث محافظات بإمكانها تشكيل إقليم فدرالي، وهو حلم طال انتظاره للطبقة السياسية الشيعية في العراق.

سبق وأن رفضت حركة التغيير هذا المشروع، لكنها الأخرى سقطت في فخاخ نتاج مواقفها وفقدت العديد من أوراق الضغط والممثلين النيابيين. رُبما يجدون ضالتهم في البارتي لتفادي سطوة الاتحاد عليهم، وربما يلجؤون إلى صفوف المعارضة. وفي كل الأحوال، أفرزت نتائج الانتخابات أن الأحزاب ذات الإرث التاريخي تبقى متحكمة بمفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية كل حسب مخرجات السياسات المتبعة والمتراكمة خلال المدّة الفاصلة بين دورة انتخابية وأخرى.

سيشهد الإقليم نقلة نوعية على مستويين، الأول: تمكن البارتي من تشكيل حكومة بأريحية مطلقة دون إقصاء غريمه الجديد وشريكه السابق، الاتحاد الوطني الكُردستاني، لكن وفق الاستحقاق الانتخابي وهو ما سيضع الأخير بين معضلة عدم المشاركة وترك ساحة الإقليم أمام الديمقراطي، أو كراهية المشاركة وفق حجمه الجديد.

والثاني: التبدل الحاصل في أحجام القوة، لمختلف القوى السياسية في الإقليم وضعتها الأخرى أمام مأزق المشاركة الخجولة على وزن مسرحية عادل أمام /شاهد مشفشِ حاجة/ أو الانتقال إلى صفوف المعارضة وهي التي شاركت في البرلمان الكُردستاني منذ دورته الأولى، وعدم حضوره في الساحة الدولية لو نجح الديمقراطي في تغيير النمطية السياسية بناء على نتائج الانتخابات، ونتائج الاستفتاء، وعلى ضوء ما سيتمخض عن التهديدات الأمريكية ضد إيران واستفادة البارتي منها محليا وإقليميا ودوليا.

شارك برأيك

أشهر الوسوم