من سيرة آل الأسد: جيش ذوي القربى

حمل العام 2015 معه حدثين كبيرين متناقضين في حياة اللواء زهير الأسد. فمن جهة تم تعيينه قائداً للفرقة الأولى دبابات، وهي من أقدم فرق الجيش، ليحتل منصباً سبق أن شغله بعض كبار الضباط كتوفيق الجهني وإبراهيم صافي. ومن جهة فقد في هذه السنة شقيقه محمد الشهير بـ«شيخ الجبل»، الأقرب إلى قلبه بين إخوته الذكور التسعة، لا سيما وأنهما أبناء أم واحدة هي جميلة مخلوف، الزوجة الأولى لأبيهما توفيق بن إسماعيل علي الأسد.

إسماعيل، الذي يظهر في صور نادرة بلباس تقليدي مكون من الجلابية والغترة والعقال، كان أخاً غير شقيق لحافظ لا يحوز مكانة خاصة في العائلة، مما دفع بأكبر أحفاده، زهير، إلى الالتحاق بقوات «العم» رفعت «سرايا الدفاع»، إثر تخرّجه كضابط من الدورة 36 في الكلية الحربية في أوائل الثمانينات.

لكن وقتاً طويلاً لن يمضي قبل أن يقع الشقاق بين الأخوين الحاكمين، بعدما صار الملازم أول لصيقاً برفعت إلى درجة أثارت غضب «عمه» حافظ الذي لم يغفر لحفيد أخيه خلل بوصلته فنقله إلى قطعة ثانوية دون مسؤوليات، مما مكّن الضابط، الذي صار يترفّع ببطء لا يليق باسم عائلته، من قضاء وقت طويل في منزله في اللاذقية، حيث كان نجم أخيه أبو العباس يلمع في أجواء التهريب والخوّات، متحولاً من اللقب الذي اختاره لنفسه «شيخ الجبل» إلى وصف الأستاذ ثم الدكتور، ومن صدارة عالم التشبيح إلى كونه «رجل أعمال» يستعين فيها ببعض إخوته ومقربيه الذين عاشوا، نتيجة ذلك، في بحبوحة لا تؤمّنها وظائفهم ومهنهم في العادة.

سيعود مسار زهير إلى الصعود مع التحول المفاجئ في سكة الوراثة من ابن العم باسل إلى شقيقه بشار، الذي سينشئ الضابط المجمّد صلة معه، وأخرى، قيل إنها أمتن، مع شقيقه القوي ماهر

سيعود مسار زهير إلى الصعود مع التحول المفاجئ في سكة الوراثة من ابن العم باسل إلى شقيقه بشار، الذي سينشئ الضابط المجمّد صلة معه، وأخرى، قيل إنها أمتن، مع شقيقه القوي ماهر. كان الولاء للعهد الجديد البازغ يتطلب التخلي عن رفعت، وهكذا كان، ففُتحت أمام أبي علي الطريق من جديد حتى صار قائداً للواء 90 برتبة عميد ركن، وكان هذا اللواء المتمركز في القنيطرة يُعرف باسم «نطاق الحيطة».

حين اندلعت الثورة تبيّن أن الحيطة المقصودة تتوجه إلى داخل البلاد، فلعب اللواء وقائده دوراً مركزياً في قمع احتجاجات منطقة «مثلث الموت»، وهي ملتقى أرض ريف دمشق الغربي ومحافظتا القنيطرة ودرعا، قصفاً واقتحاماً وقتلاً واعتقالاً، كما توثق منظمة «مع العدالة».

سينخرط «ابن العم» في مهامه بتفانٍ ملحوظ، مما سيحمله إلى رتبة لواء وقيادة الفرقة الأولى التي كانت قد أسهمت بدورها في قمع ريف دمشق، وكان أحد ألويتها، ذو الرقم 76، قد عرّف عن نفسه باسم «لواء الموت» على جدران المدن والبلدات التي اقتحمها في محافظة إدلب. مع زهير الأسد سيتسع مجال عمل الفرقة وتتوزع مجموعاتها على درعا والقنيطرة وريفيهما، وأرياف حلب ودير الزور، فضلاً عن البادية، وريف حماة، وصولاً إلى المشاركة مؤخراً في معارك الشمال الحالية التي قيل إن زهير يحتل فيها دوراً قيادياً. دون أن ننسى الدور الأساسي الذي أدته الفرقة في مقرّها في الكسوة بريف دمشق الغربي، حرباً بالسيطرة على المنطقة، و«مصالحة» برعاية زهير الذي أجرى الاتفاقيات تحت القصف وحصار الجوع الذي فرضته قواته، ثم عاد إلى الانقلاب عليها والتشدد في شروطها عندما سنحت له الفرصة مع ضعف الثوار، مرسلاً مقاتلي التسويات إلى الخطوط الأولى لجبهات أرياف حماة واللاذقية.

لا نعرف بالضبط أثر الروس في الفرقة لكننا نعلم أن زهير يديرها وكأنها فصيل من قطاع خاص: يرسل الذبائح والمناسف والصفيحة والحلويات والتمر وكروزات الدخان للمقاتلين، يكافئ على إعطاب أي دبابة للثوار بخمسين ألف ليرة

يقول خبير عسكري منشق إن عدد المقاتلين النظاميين في الفرقة الأولى حالياً لا يتجاوز 1500-1700. لكن تضخم دورها ربما يرجع إلى التدخل الروسي في إدارتها وفي تخطيط بعض معاركها. يمكن استنتاج هذا من تسجيل مصور لزهير الأسد يلقي كلمة في جنوده بعد تنفيذ بيان تدريبي، ويقف إلى جانبه ضابط روسي تترجَم له الكلمة ويومئ باهتمام. لا نعرف بالضبط أثر الروس في الفرقة لكننا نعلم أن زهير يديرها وكأنها فصيل من قطاع خاص: يرسل الذبائح والمناسف والصفيحة والحلويات والتمر وكروزات الدخان للمقاتلين، يكافئ على إعطاب أي دبابة للثوار بخمسين ألف ليرة، يوزع بيمينه وشماله شهادات التقدير المصحوبة بمكافآت مالية مجزية لعناصره، وأحياناً لمقاتلي «جيش التحرير الفلسطيني» الرديف لمعاركه... إلخ.

يشيع أن هذه كانت طريقة رفعت في «سرايا الدفاع»، لكن ذلك صار من الماضي البعيد الغامض. ولعل المثال الأوضح هو قيادة «شيخ الجبل» لمن حوله من مجموعات الشبيحة التي سخّرها للقتال في جبال الساحل منذ أن اشتعلت «الأزمة»، حتى استحق لقب «البطل المجاهد» في ورقة نعيه التي تتابع أنه «استشهد وهو يؤدي واجبه الوطني»! لا تصدُق النعوات دوماً في الحقيقة.. إذ يروي مطلعون أن «شيخ الجبل» قتل بينما كان ينقب عن الآثار في قرية «بقيلون» بريف القرداحة، حين تصدى له أهل الأرض، دون أن يعرفوه، وأطلقوا الرصاص.

كان الخبر يومها صاعقاً بشكل خاص على أسرة زهير. إذ لم يكن قد مر عام بعدُ على مصرع شقيق زوجته هالة الأثير، هلال الأسد، قائد الدفاع الوطني في اللاذقية، وأشهرٌ على تورط سليمان بن هلال في جريمة قتل طائشة شهيرة، وإطلاق هالة النار على زوجة أخيها «الهمام الشهيد» عندما هددت بفضح العائلة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم