من المنبر إلى الحصير.. البغدادي بين ظهورين

"أبو بكر البغدادي" زعيم تنظيم "الدولة"

بينما العالم يطوي صفحته أو يكاد.. ظهر البغدادي وقد اتخذ له متكأً، وتوجه بالكلام لصحبة قليلة، كان بسيط المظهر باردا في الحديث، تحدث كثيرا ولم يقل شيئا أثبت أنه حي يواكب الأحداث، مشط الأرض بالكلام وعرض البلدان، أشاد، مدح واستعرض من على حصيره حال الولايات من خلال ملفات ورقية رخيصة معنونة بأسمائها. البغدادي حيٌ، هذه هي العبرة وما سواها ليس سوى مادة كلامية بائسة لاجترار الوقت.

انشغلت الصحافة والتحليلات بتشريح الظهور بين اللباس والأثاث وهيئة المرافقين وما قاله وما أخفاه، وغاب عن كثيرين أنه البغدادي ذاك الذي اعتلى يوما منبر مسجد في الموصل بوضح النهار ليعلن قيام دولته أمام الملأ، وليتحالف العالم بأسره للقضاء عليها، تناسى الناس أنه وقف بهيئة فخمة متسربلا بالسواد مقتديا بالخلفاء وبيده ساعة نفيسة يخاطب "أمة" ويقدم نفسه ومشروعه متحديا العالم بأسره ليقيم بعد ذلك كيانا سائلا، لا جغرافيا محددة له يبتلع في طريقه كل أعدائه غير آبه، ذاك البغدادي غير هذا البائس وقد هُزم.

وقتها كان يريد فتح الأرض من مشرقها لمغربها واليوم يفخر بهزيمته في الباغوز وأنه وتنظيمه قدم فيها خيرة رجاله متعددي الجنسيات، ومن أفريقيا إلى آسيا فأوروبا تقبل مبايعات الناس وحدد لهم أهدافهم "قوى الصليب"، حسب قوله وهذا باب يفتحه التنظيم.

أجيال جدد ولدوا في زمن "الدولة الإسلامية" اليوم لا يعرفون مستقبلا ولا حاضرا تائهون في الأرض

مسجد النوري، الموصل والرقة وما بينهما من مدن وبلدات وقرى سويت بالأرض قتل الكثير من أهلها وشرد الكثير وغرر بالكثير ومن جاء إليها فاتحا واهما يبحث الآن عن طريق العودة ودونه الأبواب موصدة، أجيال جدد ولدوا في زمن "الدولة الإسلامية" اليوم لا يعرفون مستقبلا ولا حاضرا تائهون في الأرض تلمهم معسكرات الاعتقال وتلفظهم الدول هؤلاء ضحايا البغدادي ومن جاء ليحاربه.

"سمكة في الصحراء" وفق هذه الاستراتيجية مضى التنظيم سنين عددا يعتمد ضرب أهدافه والانسحاب ليظهر في مكان آخر غير متوقع ليضرب ويمضي أو يؤسس سيطرة جديدة لم تكن تعنيه الأماكن بقدر الأثر الذي يحدثه وما أن هيئت له الظروف أعلن الدولة، لكن الدولة انهارت فلماذا يظهر البغدادي إذن؟ 

الضبع الجريح قد يكون هذا أفضل ما يوصف به التنظيم عموما وزعيمه خصوصا في هذه الأيام، فالكيان الدولة أو حتى التنظيم ذا الهيكل الواضح عمليا انتهى، قبِل البغدادي أم لم يقبل وأثمانا باهظة دفعت لقاء وجوده ونشأته وتمكنه ونهايته، دم سفك وحواضر دمرت وأسس للتناحر والاقتتال أسست يتحمل التنظيم الجزء الأكبر من ذلك، أما المرحلة القادمة الموعودة فعلينا جميعا أن نستعد لها حتى لا ندفع الثمن مرات أخرى كما دفعنا سابقا.. فما الظهور في الهزيمة إلا للانتقام لكن كيف وأين ومتى.. فهذه الأسئلة التي على المحليين والمتابعين الإحاطة بها وليس لباس الرجل ومكان التصوير وإن كان لا بد من قراءة المشهد فعلاً فلنرى المجلس والأداء والسلاح والطريقة الخطابية ألا تذكركم بأسامة بن لادن؟ بلى، هي كذلك فهل سيكون "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" هو تنظيم القاعدة الجديد؟ وهل سيتبع النهج ذاته نهج الاختباء والتخفي والتعويل على أفراد وجماعات منتشرة في الأرض يقومون بعمليات إرهابية يتبانها ويكتفي بذلك؟

لعنة الأرض هي التي أطاحت بأحلام التنظيم والمنظمين هذا ما قاله متابع عتيق لشأن الجماعات الإسلامية فالوجود ضمن أرض محددة (مدن ومراكز ...) جعله هدفا سهلا وبالمتناول فتحالفت القوى وقضت عليه ويرد أخر بالقول ما هذه إلا مسرحيات مخابراتية كان هدفها الدائم ضرب بلادنا من خلال حجج كالتي أمنها لها البغدادي وتنظيمه، فماذا يخسر العالم إذا ظهر من بيننا رجال يفعلون ما فعل البغدادي ليأتي ويضربهم فنقتل نحن، وندفع نحن وتدمر مدننا نحن ونخاف نحن وتجهض ثوراتنا نحن ونتحول لإرهابيين بعيون العالم.

البغدادي بين ظهورين.. خمسة أعوام أنزلته من على المنبر ودمر المنبر والمسجد والمدينة، خمسة أعوام أحرقت فيها الأرض وشردت في الناس وضاعت الأحلام وتحولت الثورة الطاهرة إلى حرب على الإرهاب. لم ير العالم موتنا الأصفر بالكيماوي ولا سحق أجسادنا بالبراميل المتفجرة ولا غرقنا في البحار وصار يرى الموت "الداعشي السينمائي" الذي انتهى اليوم وظهر في نهاية الفيلم البغدادي حي بلحية مخضبة بالحناء يذكرنا به وبما أسينا معه وهو بعض مآسينا. 

شارك برأيك

أشهر الوسوم