من الدعوة إلى إيقاف حكم إعدام إلى إلغاء عقوبة الإعدام

الصورة (إنترنت)

يذخر تراثنا العربي والإسلامي بوقائع البطش والتنكيل وإراقة الدماء. لا يماري في ذلك ممارٍ، ولكنّه يذخر أيضاً بالقصص والأخبار التي تنزع إلى صيانة دم الإنسان ولو كان مذنباً أو مجرماً أو مخالفاً، ولعلّ مَنْ عُفي عنهم هم أضعاف مَنْ احتوشتهم العقوبة ونالتهم المثُلات. والغريب في ذلك أنَّ هذه القصص وردتْ حتى عن عتاة الحكّام من أسلافنا الذين كانوا بالقياس إلى حكامنا اليوم أكثر فهماً، وأبعد نظراً، وأقوم سياسة، وأجلى إنسانية، بل وأكثر مروءة وشهامة، فكان بيت شعر واحد كفيلاً بإنقاذ رأس من النطع، وجوابٌ حَسَنٌ قميناً بأن يعصمه من القطع، وتشفّعٌ صادق أهلاً لإبعاده عن الكفن، وإمساك الروح أن تغادر البدن.

إنّه تراث يعلّمنا أنّ القوانين والأعراف مهما كانت عادلة فهي تُخترق لمصلحة حفظ الحياة، وأنّ الكلمة مدعاة العفو وباعث الصفح، وأنّها موئل الحياة وحامي الحياة

وهذا ما لم يفهمه حكامنا اليوم! فهم أقسى من الفولاذ على شعوبهم، وألين من الحرير على أعداء هذه الشعوب. لا يقيمون وزناً لفكر أو أدب، ولا لمفكر أو أديب، أو عالم! لا ينفع معهم توسّلٌ، ولا يجدي رجاء، ولا يُسعف استعطاف، فكلّ مناشدات العلماء والحكماء والوجهاء ورسائلهم وخطاباتهم لتخليص سيد قطب من حبل المشنقة سفحها الرئيس جمال عبد الناصر تحت قدميه، وأعدمه في سنة 1966، ثم تركنا نخوض في وَحَل تداعيات هذا الإعدام حتى اللحظة الراهنة، وكذلك لم تنفع كلّ المناشدات والالتماسات التي تلّقاها الملك سلمان بن عبد العزيز بما فيها مناشدة الأمين العام للأمم المتحدة في إيقاف إعدام الشيخ نمر باقر النمر، فقُطع رأسه بالسيف سنة 2016، وفي السنة نفسها أُعدم أمير الجماعة الإسلامية في بنغلاديش مطيع الرحمن نظامي، ولم تلتفت شيخة حسينة واجد لاعتراض العديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية العالمية التي رأت في إعدامه مجرد مكيدة سياسية، ويومها قيل لنظامي أن يطلب العفو من رئيس الدولة فقال: "سأطلب العفو من ربّ العالمين"، ثمَّ وجّه رسالةً إلى أهله وأتباعه دعا فيها جميع أنصاره إلى ضبط النفس والتزام السلمية. أما رؤساؤنا البعثيون فكان ديدنهم أن يوفّروا مصاريف القضاء والمحاكمات على الدولة، وكان دَأَبهم ألا يتركوا فرصة لمناشدةٍ أو رجاء! فبأقصى سرعة أعدم الرئيس حسن البكر وتابعه صدام حسين الشيخ عبد العزيز البدري في زنزانته، وهو لم يتجاوز الأربعين، وقيل: قطعوا لسانه ونتفوا لحيته قبل إعدامه، وبالسرعة نفسها، وبدون أي إجراء قضائي، أعدم الرئيس صدّام حسين السيد محمد باقر الصدر، وهو لم يتجاوز الخامسة والأربعين، وأعدم معه أخته آمنة المشهورة ببنت الهدى، وهي لم تتجاوز الثالثة والأربعين. أما رئيس النظام السابق حافظ الأسد فعندما أراد أن يعمل ضمن إطار القانون سنّ سنة 1980 قانوناً يحكم فيه بإعدام كلّ من ينتسب إلى الإخوان المسلمين! هذا القانون الهمجي الوحشي الذي تحوّل إلى إبادة جماعية، والذي لم يوجد له ما يناظره ويماثله إلا ما أصدره الإمام الخميني سنة 1988 من فتوى سرية شرّع فيها إعدام المنتسبين لحزب مجاهدي خلق، فأُعدم بموجبها الآلاف من القاصرين والشباب والرجال.

وها هي مصر اليوم تنضم بعد حكم السيسي إلى هذا النادي البئيس، وآخر إعداماتها التي لا تُنفَّذ إلا زرافات هو الحكم على تسعة شباب بالإعدام فيما عُرف بقضية مقتل النائب العام هشام بركات: (أحمد طه، وأبو القاسم أحمد، وأحمد جمال حجازي، ومحمود الأحمدي، وأبو بكر السيد، وعبد الرحمن سليمان، وأحمد محمد، وأحمد محروس سيد، وإسلام محمد).

كلّ ذلك لم يدفعنا حتى هذه اللحظة إلى إعادة النظر في عقوبة الإعدام، ولا إلى التفكير الجدّي في الدعوة إلى إلغائها، فما زالت تشغلنا صحة الإجراءات، ودقة سير المحاكمة، والنظر في الأدلة والبراهين التي تشير إلى براءة المتهمين أو إلى جنايتهم، والمجادلة في التأكد من استحقاق صدر المتهم لرصاصته، ورقبته لساطورها أو أنشوطتها.

لكن بين الفينة والأخرى، وهي فترات زمنية متقاربة في عالمنا العربي والإسلامي تُدشّن حملاتٌ لإيقاف أحكام إعدام أشخاص صدر بحقهم هذا الحكم! من بنغلادش مرةً، ومن إيران مرةً أخرى، ومن السعودية مرةً ثالثة، ومن مصر مرة رابعة، تنكيلاً بمن اعتصموا في ساحة رابعة.

ها هي مصر اليوم تنضم بعد حكم السيسي إلى هذا النادي البئيس، وآخر إعداماتها التي لا تُنفَّذ إلا زرافات هو الحكم على تسعة شباب بالإعدام فيما عُرف بقضية مقتل النائب العام

ولا عجب في كثرة هذه الحملات ما دام عالمنا الإسلامي يحوز أعلى نسبة إعدام بحق مواطنيه بالقياس إلى عدد سكانه، وتتربّع على قمة هذا الأولمبياد الملعون إيران والسعودية وباكستان، وها هي مصر أيضاً تشد الهمّة للحاق بهم بعد أن فاتتها جميع التصنيفات، أما سوريا فكانت ستقف في الدرجة الأولى لو قدّمت إحصاءً صادقاً وحقيقياً، ولكن نظامها كان وما زال من أبرع الأنظمة في العالم إخفاءً وتعمية.

في كلِّ مرة إزاء حالة الإعدام الواحدة يصطف جمهورٌ يشجبون ويستنكرون، وتجف حلوقهم وهم يصيحون، ثم تجف مآقيهم وهم يبكون، وأخيراً ييأسون ويصمتون! ويصطف أمامهم في البلد نفسه أو في بلد ثانٍ جمهورٌ آخر يزغردون ويصفّقون ويهلّلون، ويصطبحون ويغتبقون، ثم تراهم في حالة أخرى وحُكم آخر ينقلبون فجأة فيولولون ويزعقون ويشقون جيوبهم وقمصانهم ويسبّون ويلعنون!

كلّ حزب بإعدام خصومهم فرحون مغتبطون، ومن إعدام محازبيهم وأنصارهم ملتاعون مرتاعون! يتساجلون التهنئة والتبريك هنا لأنّ الإعدام من المحابّ، ويتبادلون التوجّع والتفجّع هناك لأنّ الإعدام من المكاره. يرقصون بالأرجل نفسها على حبال العدالة والإنصاف تارة، والانتقام والإجحاف تارة أخرى، ويضربون بالأصابع عينها أوتار الشفقة والرحمة والتحنان هنيهةً، ثم أوتار العتوّ والقهر والقسوة هنيهات.

أوقفوا حكم الإعدام!!!

أوقفوا حكم الإعدام!!!

يُبح الصوت بذلك! ثم تسمع هذا الصوت المبحوح يهزج بالأغاني والمواويل ابتهاجاً بإعدامٍ آخر في مكان آخر!!

تارة يجأرون بالدعاء! فيشكون ضعفهم وضيمهم وحيرتهم وهوانهم على الحاكم والدول والناس، وتارة أخرى يفرحون وينتشون وتسكرهم العزة والقوة والمنعة والبأس.

يصيح أحدهم: هؤلاء ليسوا القتلة! أُجبروا على الاعتراف. ابحثوا عن القاتل الحقيقي وأعدموه!!! لا تعدموا هؤلاء! أعدموا أولئك!

إنّنا نقول اليوم: "اللهم إنا نبرأ إليك من القاتل"! وسنظل نقول ذلك إلى أن يأتي اليوم الذي نقول فيه جميعاً: "اللهم إنّا نبرأ إليك من القانون الذي سنّ القتل".

إنّنا نستنكر اليوم هذه الواقعة، وسنبقى في كل يوم نستنكر مثيلها إلى أن يأتي اليوم الذي نستنكر فيه المبدأ الذي انبثقت منه الواقعة!

لكنّ أكثر الناس تعرّضاً لأوار هذه العقوبة وسخامها وفتكها هم أكثر الناس صدّاً وتثبيطاً عن إلغائها، وكأنّهم مبهورون بحنكة هذه المشانق وبأهميتها، وكأنّهم يخجلون من احتمال عتبها عليهم أنّها، إذا أُلغيت، لن ترتوي من دماء أولادهم وشبابهم ورجالهم وشيوخهم ونسائهم! لذا فهم لا يجرؤون على إلغائها والتفريط فيها مهما أسالت من دماء، ومهما أزهقت من أرواح! يا لهول هذه الطامة!

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم