من الثورة إلى اللطم.. عن الحرية المشتهاة والمخذولة

رسمة جدارية تجمع "حافظ الأسد" وولديه "باسل وبشار" (إنترنت)

لم يكن غريباً أن يقوم حافظ الأسد بانقلابه العسكري في بلد ينتقل من انقلاب عسكري إلى آخر. ولم يكن غريباً ألا تستطيع القوى والأحزاب السياسية والمدنية فعل شيء في مواجهة استباحة العسكر للسياسة، في بلد تكاد الحياة السياسية والمدنية فيه أن تكون بالغة الضعف، لأسباب عديدة، لست بصدد عرضها الآن، ولم يكن غريباً أن ينتظر الناس، ماذا سيفعل الحاكم الجديد، في بلد تعود على أن تُختزل في حكامه كل أوجه العلاقة التي ترسم علاقة السلطة بالدولة وبالمجتمع.

الاستثناء الوحيد فيما اعتاد عليه السوريون، هو: نسف توقعات الجميع بانقلاب جديد، واستمرار آخر الانقلابات طيلة نصف قرن، وقد يمتد أكثر، في بلد كان مشهوراً بأنه ينام على صورة حاكم، ليصحو على صورة حاكم جديد.

دوام هذا الانقلاب، ليس لأن حافظ الأسد استطاع تنمية هذا المجتمع، ولا لأنه أحدث نقلة نوعية في الاقتصاد، ولا في تعزيز صيغة المواطنة، ولا في إطلاق الحياة السياسية، ولا في الثقافة، ولا في القانون، ولا في حرية الإعلام...إلخ؛ فهذه كلها لم تكن في أوليات حافظ الأسد، كانت الأولوية الكبرى، والوحيدة، والنهائية - التي لا قبلها، ولا بعدها - لديه، تتلخص: في إحكام سيطرته على السلطة واستدامتها تحت قبضته.

رتب حافظ الأسد مراكز القوى الحقيقية في المجتمع، والفاعلة فيه، وبدأ يضعفها، ويخضعها الواحد تلو الآخر

رتب حافظ الأسد مراكز القوى الحقيقية في المجتمع، والفاعلة فيه، وبدأ يضعفها، ويخضعها الواحد تلو الآخر: لقد كان الجيش -بطبيعة الحال- في المقدمة، ولن أعيد هنا ما فعله حافظ الأسد في هذه المؤسسة، وكيف بنى مؤسسة شديدة التماسك، فاشترى معظم شخصيات هذه المؤسسة، وأغرى آخرين، وسرح غيرهم، وهددهم، ونفاهم، وسجنهم، وقتّلهم، حتى اطمأن إلى أنه أصبح مالكاً لأمرها، فانتقل بعدها إلى التجار، ورجال الأعمال، واصطنعهم حلفاء، ثم انتقل إلى رجال الدين فصيّرهم أبواقاً، وأخيراً: جثم على الأحزاب السياسية فأيبسها، وأناخ على المجتمع المدني فقطع أنفاسه.

باختصار: لم يبن حافظ الأسد دولة، لقد بنى هيكلاً متصلباً يرتدي ثوب الدولة، ما ينشط فيه وينتعش حقاً وفعلاً، هو شبكات المافيا التي ترتبط كلها بجهاز أمني ضخم ومتشعب، يراقب ويتحكم بهذه الشبكة.

لم تكن أيٌ من هذه المافيات قادرة على أن تبني قوتها الخاصة خارج دائرة الرقابة والسيطرة، سواء عبر تحالفات داخلية، أم عبر ارتباطات خارجية؛ إذ قد كان قانون العلاقة مع الخارج شديد الوضوح، وبلا رحمة، فالعلاقة مع الخارج محصورة بالقصر الجمهوري، ومن يخترقها يتهم بالخيانة العظمى. وحدود القوة المسموح بها لم تتملك مؤسسة الجيش فحسب، بل تملكت كل شيء: الدين، والاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والقضاء، والتعليم، والجسور، والساحات، والضواحي...وحتى الهواء. أما المجتمع فقد تمت إزاحة قوانينه التي صاغتها الأعراف والعادات عبر زمن طويل، والتي كرست، بحكم قيم المجتمع وعاداته، وجوهاً اجتماعية لها حضورها الفاعل، وتم الاشتغال على منظومة قيمية جديدة عنوانها الفساد المحمي من السلطة؛ وعليه فقد تمت إزاحة الوجوه الاجتماعية التقليدية، وحلت محلها وجوه جديدة، أهم معاييرها، وربما معيارها الوحيد، هو الولاء والولاء ثم الولاء، ومدى خضوعها للحلقة المركزية، والأهم مدى قدرتها على أن تكون قناة ناقلة لقيم الخضوع إلى محيطها.

هل يمكن أن نتخيل بلداً، يكون أعضاء برلمانه، وقضاته، ومعلموه، ومثقفوه، ورجال الدين فيه، وقادة أحزابه السياسية، وصحافيوه، ومفكروه، ورجال أعماله، ووجهاؤه الاجتماعيون... كلهم ينتظم في مافيات، تتحكم بها أهواء أجهزة أمنية ونوازعها وطموحاتها؛ لكي تشاركهم في نهب ما يمكن أن ينهب استجابة وخدمة للإرادة العلية.

لقد كانت الخطوط الحمر معروفة في زمن حافظ الأسد، ولقد كانت المافيات جميعها تلتزم بهذه الخطوط، وتمجدها، وتتبارك بها، ولم يتجرأ عليها سوى واحد أوحد وحيد، هو: رفعت الأسد الذي اعتقد أنه قادر على وراثتها، فرمي به خارجاً، أما من تشاطر طمعاً، فقد طرد من اللعبة. وأما من حاول نقدها ورفضها، من خارج الشبكات إياها، حرصاً على وطن مشتهى؛ فقد تمت مرمطته: تهميشاً، أو نفياً، أو سجناً، أو قتلاً.

ومات حافظ الأسد، وبموته لم تكن أي من هذه المافيات قادرة وحدها على القفز إلى سدة السلطة، وكان من مصلحة الجميع أن تستمر الصيغة السابقة؛ فهي تضمن استمرار اللعبة أولاً، وتفسح المجال لكل مافيا، أو قوة، أن ترتب أوراقها على مهل؛ فجاء بشار الأسد كونه الضامن لجميع أطراف النهب، وكونه الاتفاق الذي سيمنع الانتقال من مرحلة التقاسم إلى مرحلة الصراع. والنهب الذي كان حافظ الأسد يديره بقوانين ومحظورات واضحة، بدأ الجميع بتوسيعه بعيداً عن تلك القوانين، وبدأ الجميع يقتنع: أن من الضروري مد حبل التواصل مع جهات خارجية للاستقواء بها عند الحاجة.

لم تكن بنية السلطة السورية خافية على بعض الأطراف الدولية، خصوصاً تلك التي ارتبطت بها هذه السلطة فترات طويلة، مثل: روسيا، وإيران. هكذا بدأت تظهر هذه التصنيفات على وجوه السلطة.

عندما انفجرت الثورة السورية، كان من الطبيعي أن تعمل هذه المافيات في اتجاهين: اتجاه أول، لا خلاف حوله، هو منع انتصار ثورة الشعب السوري؛ لأن انتصارها يعني خطراً حقيقياً على هذه المافيات جميعها، واتجاه ثان بدأ التفارق فيه يتضح ويتكرس، هو الارتباط بالخارج، الارتباط الذي يضمن الدعم لوأد ثورة السوريين، ويعزز حضور كل مافيا، وقوتها، على حساب المافيات الأخرى.

كل الأطراف المتشاركة رأت في الشعب السوري عدواً لها، وكلها رأت: أن وأد محاولة الشعب السوري لنيل حريته عمل ملح وضروري

في كل مراحل هذه الصراع، لم يوجد في السلطة "المافياوية" أي طرف يهمه الوطن ومصلحته؛ فكل الأطراف المتشاركة رأت في الشعب السوري عدواً لها، وكلها رأت: أن وأد محاولة الشعب السوري لنيل حريته عمل ملح وضروري، وكلها عملت على أن يعقب عملية الوأد هذه تقاسم جديد للسلطة، وصيغة جديدة لمعادلة النهب.

الكارثة الأكبر كانت في الضفة الأخرى: حين خاضت صراعها مع مافيات السلطة تلك القوى التي اغتصبت ثورة السوريين، وتزعمتها رغماً عنها بدعم من الخارج، ليس بوصفها حاملة لأهداف شعب وحقه في عيش حر كريم، بل خاضت الصراع كأنها مافيا جديدة لها مصالحها، وعلى المافيات السابقة احترام هذه المصالح.

لم يكن هناك مفر من ثورة الشعب السوري، إنها قوانين الحياة الطبيعية للشعوب والدول، ولم يكن هناك مفر من انهيار الصيغة المزيفة للدولة التي بناها حافظ الأسد، وعراها ابنه بشار الأسد، ولم يكن هناك مفر من مسارعة الأطراف الدولية لحماية مصالحها، ولتقاسم البلد الذي يتهاوى. ولكن، لماذا الهروب مما يمكن فعله، الذي هو: تكاتف السوريين من أجل صيغة دولتهم الجديدة، الصيغة التي لا تفضي إلى مافيات، ولا إلى عصابات تتشارك النهب.

ما بين الثورة التي قامت لإنهاء صيغة الاستبداد والنهب التي كرستها عائلة الأسد، واللطم على هذه الثورة الآن ومستقبلاً، ثمة منفذ وحيد: إنه إعادة الثورة إلى نصاعتها الأولى...حين كنا سوريين، سوريين فقط، في وجه الاستبداد.

شارك برأيك

أشهر الوسوم