مناطق نفوذ مؤقتة دون حلول جذرية في سوريا

الكاتب: الصراع في/ على سوريا  دخل مرحلة جديدة من المواجهة بين القوى الأساسية (إنترنت)

تتجه الأوضاع في سورية إلى تثبيت مناطق نفوذ تحت وصاية العديد من الأطراف الدولية الإقليمية ذات المصالح المتضاربة، ما يجعل منها حالة رخوة ومؤقتة جاءت كمحصلة أولية لما يقارب ثمان سنوات من ثورة تحولت إلى صراع مرير حوّل بدوره الجغرافية السورية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات كمدخل لإعادة إنتاج خرائط المصالح على مستوى الشرق الأوسط دون أي ملامح عملية لإمكانية بلورة حل جذري يقود إلى عملية انتقال سياسي حتى الآن على الأقل.

الحل المؤجل في سورية لا يعود فقط إلى طبيعة التفاهمات الهشة والمصالح المتضاربة بين الفاعلين الأساسيين في الصراع ما يسمح بإعادة توليده بأدوات وملامح مختلفة، بل أيضًا يرجع جانب كبير في ذلك إلى أن "تيار الثورة" ورغم انحساره إلى أضيق الحدود مازال قادرًا حتى اللحظة على الثبات على المواقف المبدئية الممكنة لرسم حل سياسي –من وجهة نظره- والمستندة إلى إسقاط النظام ومحاكمة رموزه كخطوة سابقة لأي عملية انتقال سياسي رغم عدم وجود مؤسسات "قيادية" بإمكانها ترجمة مثل هذا الموقف العام إلى رؤية سياسية ممكنة وقابلة للتفاوض.

التوصيف السابق يدعمه مشهد المظاهرات في المناطق المحررة على مدار الأسابيع الماضية، وهو ما حمل في طياته الكثير من المؤشرات على أن كل محاولات الترويض شمالًا لم تؤتِ نفعًا ويعيد تأكيد حقيقة أنه مهما بلغت درجة التفاهمات بين الأطراف الدولية الإقليمية تبقى غير قابلة للحياة في حال رفضتها الأطراف المحلية، إضافة إلى أن مثل هذه المعطيات تطرح من جديد الأسئلة المتعلقة بدور ومهام المؤسسات على جانب المعارضة وضرورة الذهاب إلى نهج جديد يعلن القطيعة مع الأدوات والأساليب السابقة ويبدأ البحث عن قواسم مشتركة للتواصل مع جمهور الثورة بما يوفره من أوراق قوة –بالحد الأدنى- في أي معركة سياسية.

الصراع في/ على سوريا دخل مرحلة جديدة من المواجهة بين القوى الأساسية عنوانه تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ

تحليلات ودراسات كثيرة صادرة عن مراكز أبحاث عديدة تؤكد أن الصراع في/ على سوريا دخل مرحلة جديدة من المواجهة بين القوى الأساسية عنوانه تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ، الأمر الذي قد يقود إلى اندلاع حروب جديدة أكثر اتساعًا لأن هذه التقسيمات متداخلة إلى حد بعيد، وتمثل وجهة نظر كل طرف من أطراف الصراع عن "سوريا المفيدة" التي يريدها تحت وصايته كمعقل متقدم يحمل سياسات أمنية/ اقتصادية/ سياسية تتعلق بشرق المتوسط ومناطق أخرى من العالم، ومن هنا تبدو صعوبة تجميد الوضع على ما هو عليه على المدى المتوسط والطويل.

مساعٍ حثيثة على الصعيد الدولي لتشكيل لجان دستورية بهدف الشروع في إنتاج حل سياسي شامل في البلاد على قاعدة القرار الأممي 2254، إلا أن احتمالات مثل هذا التصور تبقى ضئيلة ضمن الوقائع السياسية والميدانية، سيما في ظل خلافات موسكو وواشنطن على طبيعة الدور الإقليمي للدول الأساسية في الشرق الأوسط، إضافة إلى استراتيجية الأخيرة غير الواضحة باستثناء ذاك الجانب الوحيد المبني على إدارة الفوضى وصولًا إلى "صفقة" كبرى على مستوى المنطقة، الأمر الذي سمح لدول إقليمية التفكير بجدية في إعادة إنتاج ورسم ملامح نفوذها على أسس توسعية "طهران/ أنقرة" دون الالتزام بحدود المعادلات القديمة.

بالتالي ربما يمكن فهم محاولات الولايات المتحدة وروسيا رعاية تفاهمات بين دول الإقليم، كاستراتيجية لتجميد المعارك ضمن أضيق الحدود في الوقت الحالي والدخول في مرحلة متقدمة ومعقدة من الصراع تسعى لتثبيت نظام إقليمي جديد تريده موسكو حاملًا لما يكفي من أوراق قوة تساعدها على الانتقال من حيز الدولة الإقليمية إلى قطب عالمي قادر على صناعة وتغيير السياسات الدولية، بينما ترغب واشنطن في صياغته بما يضمن وجود أنظمة حكم تقليدية في المنطقة قابلة للتكيف مع أي مشاريع مقابل حماية عروشها.

قد يصح بهذا المعنى قراءة مساعي موسكو لإيجاد توافقات بين طهران وتل أبيب فيما يتعلق بوسط وجنوب البلاد إلى جانب خطواتها باتجاه التفاهم مع أنقرة شمال غرب سورية، في حين تحاول واشنطن التفرد برعاية وإنتاج التفاهمات بين اللاعبين الإقليميين شرق وشمال شرق البلاد، وهو الواقع الذي يحمل عوامل انفجاره في أي لحظة سيما مع عدم وجود ثقل حقيقي ورغبة لدى الأميركيين لإرغام كل الأطراف على الدخول في عملية سياسية تبني أسس خارطة طريق تضع حدًا لتفتيت سوريا سياسيًا وجغرافيًا.

تحول الميدان السوري إلى بيئة خصبة لمعارك اقتصادية سياسية مرتبطة بشكل أو بآخر بطبيعة النظام الدولي

السيناريوهات المتشائمة فيما يخص إمكانية إنهاء المأساة السورية كثيرة بعضها مبني على ضبابية السياسة الأميركية، وتحول الميدان السوري إلى بيئة خصبة لمعارك اقتصادية سياسية مرتبطة بشكل أو بآخر بطبيعة النظام الدولي والعلاقات البينية بين أطرافه الرئيسة، إلى جانب ما يرشح من معلومات عن توجه عملي لدى الإدارة الأميركية بتكرار السيناريو العراقي في سوريا بأدوات ومخرجات مغايرة، وكذلك استطلاعات الرأي التي تؤشر إلى إمكانية استحواذ الديمقراطيين على غالبية المقاعد في الكونغرس خلال انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر القادم بما يعنيه من إمكانية تكريس سياسة "الفراغ" الأميركي في المنطقة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم