معضلة التعليم العالي في الشمال السوري

لم يمض وقتٌ طويل على رفع شعار "لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس" وتمزيق البطاقات الجامعية في المظاهرات كإعلان جازم على عدم الرجوع إلى مؤسسات يحكمها آل الأسد، يرغمون فيها الطلاب على اتباع فكر البعث ومنهجه، ويعتقلون كل من لا يؤيده، لم يمض على ذلك وقت طويل حتى وجد شباب الثورة وطلاب الجامعات الأحرار أنفسهم خارج السّرب، ووجدوا أنفسهم محاصرين بهموم الثورة وأعمال الإغاثة والإسعاف والتنسيق للعمل الثوري بأشكاله، بحيث لا يمكنهم أن يحافظوا على أنفسهم بأمان ضمن مناطق تتخللها الحواجز العسكرية التي تتصيدهم، كما أنهم لم يتمكنوا من مغادرة المناطق التي أعلنوا فيها ثورتهم، وخرجوا بها من نطاق الكتمان، بوجوههم وحضورهم وأعمالهم، ليختفوا عن مقاعد جامعاتهم، وينسوا فكرة متابعة التعليم أو يؤجلوها إلى حين اكتمال الثورة وسقوط النظام، الأمر الذي أخذ أبعاداً أعمق وأطول مما تخيله أحد، ليجدوا أنفسهم قد كبروا أكثر مما تخيلوا في سنوات ثمان، وباتت الهموم أكبر من القدرة على المتابعة في مدرجات جامعة.

خلال السنوات التي مضت كنت أحاول كغيري من المهتمين في مجال التعليم أن نبحث عن مخرج لهذه الفئة، وكنت أفتش في تجارب الثوار في المناطق المختلفة من سوريا عن تجاربهم في التعليم العالي، كانت الأمور أقل سوءاً مما توقعت بقليل، فقد بدأ بعضهم بافتتاح معاهد مصغرة، وبعدها تطورت الفكرة إلى تأسيس جامعات بتخصصات متنوعة، لوجود كوادر مؤهلة قادرة على تقديم المواد العلمية اللازمة من دكاترة مختصين في مجالهم، ومنشقين عن مؤسسات النظام، ومنحازين لمناطق الثوار لأسباب ثورية وأمنية، كان ذلك يضفي قيمة مختلفة للشباب المحاصرين في مناطقهم، وإن كانت القيمة مقتصرة على أخذ المعلومات في تخصصات ما، إلا أن الشهادات كانت غير معترف بها، فالدول لم تعترف أساساً بالثورة فكيف تعترف بمؤسساتها، وهنا بدأ الصراع مع محاولة التعلم يأخذ بُعداً جديداً، حاولت وحاول كثيرون التفتيش عن جامعات معترف بها تقدم قيمة علمية عالية، وشهادة معترف بها، كان الأمر يبدو مستحيلاً،

فالدول لم تعترف أساساً بالثورة فكيف تعترف بمؤسساتها، وهنا بدأ الصراع مع محاولة التعلم يأخذ بُعداً جديداً، حاولت وحاول كثيرون التفتيش عن جامعات معترف بها تقدم قيمة علمية عالية، وشهادة معترف بها، كان الأمر يبدو مستحيلاً

وكانت أيدي المستغلين لمعاناة الشعب السوري تتسابق لاستغلالهم، وهنا لم يتغير شيء إذ قبل الشباب بالحصول على العلم مقابل الاستفادة منه لخدمة مستلزمات الواقع، ولتذهب الشهادات والاعتراف بها إلى الجحيم، فمن ذا الذي يأبه باعتراف الدول وهو مهدد بالقتل في كل ثانية، وهكذا مرّت مرحلة الحصارات ما بين محاولات لاكتساب المادة العلمية، ودمجها بالخبرات العملية التطبيقية، فمعظم ما يحصل عليه الطالب يطبقه وينشره، وهذه الطريقة من أنجع طرق تثبيت المعلومة ورسوخها، فأنتجت شباباً واعياً يحمل الهم والعلم على ندرته، لكنه لا يحمل الشهادة والاعتراف.

نأتي إلى مرحلة التهجير، والانتقال إلى الشمال السوري، حيث وضع الشباب أمام تحديات جديدة، الفئة التي لم تقبل التهجير وبقيت في أرضها تحت حكم النظام، نسفت ما تعلمته خلال الأعوام جميعاً، وعادت لدراسة الثانوية العامة تحت ضغوط ومخاوف وخطر وإحباط، والفئة التي اختارت التهجير وجدت نفسها أمام أرض خاوية من الجامعات إلا الشحيح منها، ووجدت نفسها في حالة انشطار، فجامعاتها التي أسست في الثورة أغلقت مع التهجير، وما حصلوا عليه من علم خلالها لم تعد له قيمة، فالمطلوب الشهادات الموثقة للحصول على وظيفة، وفي حال الانتقال للعيش في أية دولة فلا مكان لما تعلموه، لا مكان لعلمهم وخبراتهم، لا مكان لتضحياتهم وبذلهم، فلا أحد يعترف إلا بالأرقام والأوراق.

ونحن نتحدث عن القوة المطلوبة لاستعادة أنفسنا، نتناسى أهمية قوة التعليم في تأسيس الإنسان القادر على بناء دولة، والمساهمة فيها بإيجابية، نتناسى دور الإنسان في التأسيس الصحيح، وفي العمران، وفي النهوض بأرضه ووطنه، نتناسى أن أكبر عوامل التهديد الاقتصادي الذي نعاني منه سببه قصور التعليم عند الشباب، مما يجعلهم باستمرار بحاجة للمساعدات الإغاثية، فالبطالة شائعة، وفرص العمل شحيحة، وسقف المؤهلات المطلوبة في انخفاض مستمر، مما يدفع مشاريع كثيرة للقبول بدرجات علمية متدنية، وغض البصر عن التخصصات والخبرات في سبيل استمرارية المشروع لتحقيق أدنى نفع ممكن.

نتناسى أن أكبر عوامل التهديد الاقتصادي الذي نعاني منه سببه قصور التعليم عند الشباب، مما يجعلهم باستمرار بحاجة للمساعدات الإغاثية، فالبطالة شائعة، وفرص العمل شحيحة، وسقف المؤهلات المطلوبة في انخفاض مستمر

بقي أن أذكر أهمية التعليم العالي في التأسيس لعقلية البحث العلمي، والتي أشد ما نكون حاجة إليها، والتي تكاد تكون منعدمة تماماً في الشمال السوري، وقد عانيت وغيري مؤخراً كثيراً وأنا أفتش عن أبحاث علمية حديثة تتحدث عن واقع التعليم في الشمال السوري بل في سوريا عموماً، التراجع سمة المرحلة، وهو مؤشر خطر يجب التنبه له وتداركه، الجامعات القليلة المتوفرة بتخصصات محدودة وشهادات غير معترف بها ليست حلاً، وإرغام الشباب على السفر فقط لغاية التعليم الجامعي مشكلة أخرى تهدد المنطقة بإفراغها من الشباب الطموح المتعلم الذي ينعش الأرض حضوراً وفاعلية وعملاً، إضافة إلى كونه إن غادر أرضه قد لا يعود، لتبقى نهباً للجهل والضياع والخرافة.

التعليم حق كل إنسان، والضغط في هذا الاتجاه ليأخذ مجراه الطبيعي واجب أخلاقي وإنساني ووطني، بناء العقول يسهم في بناء الأوطان، هذا ما يجب أن نؤمن به ونسعى لأجله.

شارك برأيك

أشهر الوسوم