معارك الوهم... عندما يُستَبدل بالوطن الطائفة

لم يخدم أحدٌ إسرائيل كما خدمها العداء الكاذب لها، وبعبارة أدق: لم يخدمها أحدٌ كما خدمها حلفُ المقاومة والممانعة؛ فما قدمه هذا الحلف الذي لا يقبل أقل من "إلقاء إسرائيل في البحر"، كان ركناً أساسياً في ترسيخ دولتها. ولا يزال هذا الحلف يواصل مشروعه إلى ما بعد ترسيخ هذه الدولة؛ أي: إلى ما بعد، بعد، إعادة ترتيب المنطقة كلها، حتى تصبح تحت إدارة المشروع الإسرائيلي الأمريكي وإشرافه، فهل كان "نتنياهو" أحمقاً عندما سارع- بعد انفجار الثورة السورية- بالذهاب إلى واشنطن، للطلب من الأمريكيين المساعدة في الإبقاء على حكم عائلة الأسد...؟ وهل كانت موافقة المخابرات الإسرائيلية على المسرحية السخيفة التي قام بها "حزب الله" في الأيام الماضية كرماً ونبلاً، تلك التي هدفت إلى استعادة حزب الله بعضاً من ماء وجهه المسفوح عشرات المرات فقط، وإلى إعادة اعتباره في نظر الحاضنة التي يستخدمها لتنفيذ مشروعه؟ وهل كان إطلاق يد إيران في العراق- وفي باقي دول المنطقة، بموافقة ومساعدة أمريكية- ضعفاً أمريكياً وخضوعاً للقوة الإيرانية التي لا تقهر؟ وهل كان عجزاً أم تواطؤاً صمت العالم عن تدمير المدن السورية التي صارت فرجة، وهل كان عجزاً أم تواطؤاً صمت العالم على تهجير السوريين الذين صاروا سينما تسلية العالم، وهل ارتكاب المجازر الفظيعة بحقهم بأيدي ميليشيات إيران وحرسها الثوري قد كان عجزاً أم تواطؤاً؟

هناك طرف آخر يلعب ذات الدور الذي يلعبه حلف المقاومة والممانعة، ويؤدي الوظيفة نفسها، سواء أتعمد أفراده ذلك، أم لم يتعمدوه، أقصد أولئك العازفين على مقام المظلومية الطائفية، والمنشدين الطائفيين الذين يرافقون هذا العزف؛ فلم يخدم النظامَ أحدٌ كما خدمه المدافعون عن حقوق الطوائف، ولم يخدمه أحد كما يخدمه- اليوم- من يتحدثون عن الوجه الطائفي للصراع، وعن استهداف السنّة حصراً، فهؤلاء من جماعة ما بعد، بعد، الإبقاء على "عصابة عائلة الأسد"؛ أي: إنهم من جماعة تقسيم سوريا، وتكريس الوضع الراهن، ونجاة كل المجرمين من المحاسبة.

الخطاب الطائفي الحاقد الذي يثير رغبة الانتقام الطائفية، هو- اليوم- الأداة الأفضل لتقسيم سوريا، وهو ما تتجه كل الأطراف الدولية الفاعلة في سوريا لتكريسه على الأرض ولجعله أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه

هؤلاء الذين ينتشون بنعرات الدم، ويحصون "اللايكات" بحماسة، ويحشدون القطعان القاطعة حولهم، هؤلاء الذين يعرفون جيداً، أن ما يخطط له في سوريا، هو: تكريس مناطق التقسيم داخل سوريا، وبالتالي ضياع سوريا، وضياع فرصة الانتهاء من العائلة المجرمة، وضياع فرصة استعادة الحقوق ومحاسبة المجرمين.

الخطاب الطائفي الحاقد الذي يثير رغبة الانتقام الطائفية، هو- اليوم- الأداة الأفضل لتقسيم سوريا، وهو ما تتجه كل الأطراف الدولية الفاعلة في سوريا لتكريسه على الأرض ولجعله أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه.

ثمة سم زعاف يدسّه محترفون في العسل المخادع، وثمة إعلاميون مرتزقة، وجهات إعلامية مشبوهة تعزف على مأساة السوريين؛ كي تصل إلى ما أرادته إسرائيل وإيران وأمريكا وغيرها، وهو: إجهاض الحلم السوري الذي حمله السوريون طوال عقود، والذي أعلنوا عنه في 2011. وثمة ما هو أخطر من كل ما تقدم ... إنها الكارثة الأفظع، وعرابوها هم لقطاء الإعلام وخونة الشعوب والتاريخ.

ما حدث في سوريا، لا يمكن مقارنته بأي أحداث جرت في بلدان أخرى؛ ففي سوريا عشرة ملايين مهجر من أرضه وبيته، سواء أكان داخل سوريا أم خارجها، وفي سوريا جرائم عنصرية، وفيها جرائم إبادة، وفيها جرائم ضد الإنسانية، وفيها تفريط وبيع لحقوق شعب، وفيها تفريط وبيع لأرضه، ولموارده، ولحقوقه... وفيها أنها سوريا؛ أي بلاد الشام؛ أي سرة العالم وسورته وجوهرته.

لا يستطيع المجرمون التهرب من كل هذه الاستحقاقات إلا بالتقسيم؛ فهو وحده من ينقل تصنيف هذه الجرائم إلى حقل آخر، هو حقل الحرب الأهلية، وبالتالي: إرغام الأطراف المتحاربة على القبول بتسوية تطوي صفحة كل هذه الجرائم، وبقاء الوضع القائم على ما هو عليه؛ أي باختصار: هدر المهجرين وحقهم بالعودة، وهدر حقوق السوريين وضياعها، وإفلات المجرمين من الحساب.

إن الدفع باتجاه تكريس الصراع على أنه صراع طائفي، هو الحلقة الأهم والأخطر فيما يحدث في سوريا، وما تقوم به بعض الجهات الإعلامية وأبواقها بحجة الدفاع عن العرب السنة والتباكي عليهم، هو طعنة في ظهر السوريين عامة، وفي ظهر السنة بشكل خاص، وهو مشاركة في تأسيس وضع يسمح لمشروع تفتيت سوريا أن يجد طريقه إلى النور.

لا يمكن محاسبة المجرمين إلا تحت راية واحدة للسوريين، ولا يمكن إعادة الحقوق إلى من فقدها إلا بإعلاء الهوية السورية الجامعة لكل السوريين، فهذه الهوية هي وحدها القادرة على فتح الباب لمحاسبة المجرمين

لا يمكن محاسبة المجرمين إلا تحت راية واحدة للسوريين، ولا يمكن إعادة الحقوق إلى من فقدها إلا بإعلاء الهوية السورية الجامعة لكل السوريين، فهذه الهوية هي وحدها القادرة على فتح الباب لمحاسبة المجرمين، ولنقض اتفاقات نهب إمكانات الشعب السوري وموارده، ولعودة المهجرين... إن من يريد أن يقف في صف السوريين، والدفاع عن مصيرهم ووطنهم، عليه أولاً: أن يعلي صوت الوطن الجامع، صوت الهوية الأعلى، لا أن يسعى إلى تكريس الهويات الصغرى؛ لأنّ في تكريسها نهاية الحلم ونهاية الوطن.

منذ أن استبدلت قوى النهب العالمي بالحروب المباشرة سياساتها السابقة، وذهبت إلى استعمال ما يعرف بالجيل الرابع للحروب، قد صار لزاماً على هذه القوى أن تجد مرتكزات لها داخل الدول التي يراد تدميرها وتحويلها إلى دول فاشلة، كمقدمة للسيطرة الكاملة عليها، مستخدمة من أجل ذلك سلاحين، هما: الإعلام القوي الموجه، وعوامل الضعف أو تصدع الانقسام داخل مجتمعات هذه الدول. من هنا تأتي خطورة دفع السوريين إلى حقل الفرز الطائفي الذي سيكرس هزيمة كل السوريين، ما سيكون الخروج منها صعباً للغاية.

أخيراً: إن الأبواق التي تنفخ في قربة الفرز الطائفي، إنما تؤسس للهزيمة التي ستطيح بآمال السوريين وبأحلامهم وبوطنهم. إن من يريد حقاً إنهاء السلطة الديكتاتورية السورية وإنهاء دورها الوظيفي الذي أوجدت من أجله، والذي يراد لها أن تستكمله، عليه أن يسعى بكل ما يستطيع من أجل وحدة السوريين وتكريس هويتهم الوطنية الجامعة.

قالت العرب "وشهدَ شاهدٌ من أهله" للدلالة على أن هذه الشهادة هي القول الفصل، وأنها الشهادة التي لا شهادة فوقها. لكن العرب قد نسوا أن يحذّروا- عند قولهم هذا- من الشهود الخونة لـ "أهلهم".

ما أكثر الشهود الخونة لأهلهم في هذا الليل العربي الطويل.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم