مصير إيران في سوريا.. من النبذ الاجتماعي إلى التهجير النفطي

قدر درعا أن تسقط أوراق التوت عن النظام السوري. أخذ أهالي حوران على عاتقهم تهشيم النظام في السلم كما في الحرب، وتدمير منظومة ادعاءاته في مرحلة ما بعد المصالحات. وللمصادفات الزمنية أن يتجدد الحراك في درعا في آذار الثورة، بعد صبر لأشهر على تجاوزات النظام وحملة الاعتقالات التي يمارسها من دون رادع. وصولاً لأن تقوده سخريته في إعادة رفع تمثال لحافظ الأسد وسط الركام، والناس يعيشون بلا ماء أو كهرباء. وهذا لا يمرّ لدى أهالي درعا، الذين جددوا إطلاق حراكهم، وسيستمرون في ذكرى الثورة بتجديد التحركات السلمية المطالبة بإسقاط النظام.

وللتحرك رسائل كثيرة ودلالات متعددة، أولها إثبات عدم أهلية النظام لإطلاق أي عهد أو وعد، وثانيها بأنه غير قادر على التعاطي مع مناطق ما بعد المصالحات، ما يعني أنه غير مؤهل للاستمرار بالحكم، وثالثها والأهم هي إشارة لافتة بأن النظام لا يريد إعادة اللاجئين. فإذا ما عاد اللاجئون لن يكون النظام قادراً على توفير مستلزمات العيش الآمن والكريم لهم، ولن يكون قادراً على تأمين احتياجاتهم، إلى جانب سوء تصرّفه معهم على غرار تصرّفه مع بعض العائدين من لبنان والذين زجوا في المعتقلات ما دفع آخرين إلى اختيار لجوء ثان هرباً من غدر هذا النظام. كما يخشى النظام من أن تجدد عودة اللاجئين

ملف اللاجئين السوريين تحوّل إلى ملف استراتيجي بالنسبة إلى مختلف الدولة المجاورة لسوريا أو المتصارعة عليها

الحياة في شرايين الثوار، فتفتح عليه أبواب التظاهرات المطالبة بإسقاطه في مختلف المحافظات وليس في درعا فقط.

وبقدر ما يرتبط ملف عودة اللاجئين بتهديد وجودي للنظام، وإسقاط تام لادعاءاته بتحقيق الانتصار، فإن هذا الملف يرتبط بجملة تطورات دولية، لا يمكن التغافل عنها. مما لا شك فيه أن ملف اللاجئين السوريين تحوّل إلى ملف استراتيجي بالنسبة إلى مختلف الدولة المجاورة لسوريا أو المتصارعة عليها. ويمكن تلخيص البعد الاستراتيجي لملف اللاجئين، بشقين أساسيين، الأول هو فرض النظام والإيرانيين لشروط تغيير ديمغرافي حتى بعد عودة اللاجئين، والثاني يرتبط بالأول، ويتعلق بضرورة تحتيم هذا الفرز البشري والديمغرافي لإبقاء مناطق معينة وأساسية خالية من سكانها، طمعاً بمشاريع نفطية.

ملف النفط، سيكون له ارتباط أساسي بملف عودة اللاجئين السوريين، خاصة عند الحديث عن محافظة حمص ومحيطها. والتي لا بد من الوقوف على الأسباب الأساسية التي دفعت إيران إلى إحداث تدمير كامل في المحافظة، والإصرار على تهجير أهلها بالإضافة إلى إقامة قاعدة عسكرية كبيرة لحزب الله في مدينة القصير، التي تقع على تفرّع أساسي نحو مناطق مختلفة من سوريا، وصولاً إلى الحدود مع لبنان غرباً، ووصولاً إلى البادية السورية ومنها إلى الحدود العراقية شرقاً. ومعروف عن حمص، أنها منطقة أساسية لعبور أنابيب النفط، باتجاه البحر المتوسط، سواء من الأردن ومصر عبر خط الغاز العربي، أو من العراق وتحديداً من البصرة باتجاه بانياس وطرابلس في شمال لبنان.

عرفت إيران مبكراً أن ليس لديها أية حاضنة اجتماعية أو شعبية لوجودها في سوريا، وحتّى العلويون يميلون إلى روسيا أكثر من ميلهم لإيران، وهذا يظهر أكثر بعد دخول الروس إلى سوريا، إذ حصلت حينها كثير من عمليات الاغتيال لضباط إيرانيين كبار، أبرزهم اللواء حسين همداني. عمليات الاغتيال هذه كانت تحصل من قبل ضباط علويين كبار داخل بنية النظام، وكانت عبارة عن تعويل هؤلاء الضباط على الروس لمواجهة الإيرانيين والانتقام منهم على سوء تصرّفهم مع الضباط السوريين، بالإضافة إلى أن الطبائع الاجتماعية بين العلويين والروس متقاربة، بخلاف تباعدها بين المجتمع العلوي السوري والإيرانيين، خاصة أن العديد من العلويين عاشوا في الاتحاد السوفييتي.

عدم تمتع إيران بأية حاضنة شعبية في سوريا، هو الذي دفعها إلى تطبيق سياسة التطهير المناطقي والجغرافي في مناطق أساسية في سوريا، وكانت أولها محافظة حمص، مقابل استقدام مجموعات بشرية مؤيدة للإيرانيين مذهبياً وسياسياً، سواء من بعض المناطق السورية، ككفريا والفوعة، ونبّل والزهراء، أو من بعض المناطق اللبنانية، بحيث استُقدم لبنانيون

في الأشهر الأخيرة حصلت تطورات كبيرة على الأراضي السورية بين الروس والإيرانيين، تبدأ بالصراع على السيطرة على ساحل طرطوس، ولا تنتهي بالصراعات والتنافس على بعض المناطق الأساسية في حمص

محسوبون على حزب الله مع عائلاتهم للسكن في الأراضي الواقعة لسيطرة الحزب في الداخل السوري. والغاية من ذلك، هي تأمين إيران لمنظومة حماية بشرية لمشروعها في سوريا، والذي بدأ بالتكشف بعد توقيع الاتفاق النووي، حيث قدّمت إيران عرضاً للبنان بإعادة إصلاح خط النفط الواصل من العراق إلى طرابلس مروراً بحمص، مقابل أن تستثمر فيه. لكن لبنان رفض هذا المقترح في حينها. وما يزال هذا المشروع استراتيجيا بالنسبة إلى الإيرانيين.

لكن في الأشهر الأخيرة حصلت تطورات كبيرة على الأراضي السورية بين الروس والإيرانيين، تبدأ بالصراع على السيطرة على ساحل طرطوس، ولا تنتهي بالصراعات والتنافس على بعض المناطق الأساسية في حمص، خاصة حقل الشاعر، والمناطق الغنية بالفوسفات. وهذا الصراع قابل للتوسع والتمدد أكثر، في أكثر من جانب بين موسكو طهران، الذي سيدفع ثمنه النظام السوري عاجلاً أم آجلاً، سواء بتجديد الحراك الشعبي المطالب بإسقاطه، أو بإسقاط أوراق التوت عنه وعن ادعاءاته حيال استعداده لإعادة اللاجئين، الذين لن يعودوا طالما أن المشروع الإيراني يقتصر على تهجيرهم من أراضيهم الأصلية لتوفير بيئة فارغة تمثّل مستقرّاً للبقاء الإيراني فيها، والذي سيكون عرضة لمواجهات دولية عديدة، ليس من قبل الروس فقط، بل من قبل الأميركيين أيضاً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم