مصيرنا هناك.. في طهران

للأسف، ما عاد مصير سوريا هو الذي يحدد وجه الشرق الأوسط، والمشرق العربي تحديداً. أما مصير فلسطين فصار معروفاً رغم استمرارنا بالمكابرة. مستقبل سوريا ليس فيها. إنه هناك في طهران تحديداً.

لذا، ما يحدث الآن بين الولايات المتحدة وإيران من استنفار تام، وصراع محتدم، هو العنوان الكبير الذي تحته سيُكتب الفصل الجديد لهذه المنطقة. فخلال العقدين الأخيرين، وما بين "سقوط بغداد" (2003) و"حرب تموز" (2006) وصولاً إلى الحربين المستمرتين، السورية واليمنية، تكرست إيران كأبرز قوة إقليمية تحمل مشروعاً قومياً – دينياً، كان مؤجّلاً (أو متعثراً) منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين الخميني وصدام حسين عام 1988، ثم بُعث مجدداً بزخم هائل، إثر الغزو الأميركي لكل من أفغانستان والعراق.

يقوم المشروع الإيراني على شرط "زعزعة الاستقرار" للكيانات السياسية، وتأليب الجماعات وإخراجها من كنف الولاء للدولة الوطنية، وتمكين بعضها من أسباب القوة والمدد وإلحاقها أيديولوجياً وسياسياً وعسكرياً بهذا المشروع، الذي يصح نعته بـ "الطموح الامبراطوري"، طالما أن أصحابه تفاخروا علناً بنفوذهم وسيطرتهم على أربع عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء)، ويوحون دوماً أنهم يصبون إلى المنامة ومكة.. ناهيكم عن شعار "الزحف نحو القدس".

وتتصف السياسة الإيرانية بكثير من التخطيط المتكامل، والرصانة الاستراتيجية، طالما أنها رفدت، منذ البداية، انطلاق حملتها التوسعية الإقليمية بمشروع نووي، قادر من ناحية على تأمين المناعة والردع وإنشاء مظلة حماية قومية، وعلى نفح "نظام ولاية الفقيه" الحصانة والقوة والاستمرارية.

هكذا، أدرك الجميع أن "الملف النووي" الإيراني متصل جذرياً بنفوذها وسياستها التوسعية وبطموحاتها الامبراطورية، وأن نجاح إيران في نهاية المطاف بتصنيع السلاح النووي، سيضع المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية تحت سيطرتها إلى ما شاء الغيب والقدر.

"الملف النووي" الإيراني متصل جذرياً بنفوذها وسياستها التوسعية وبطموحاتها الامبراطورية، وأن نجاح إيران في نهاية المطاف بتصنيع السلاح النووي، سيضع المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية تحت سيطرتها إلى ما شاء الغيب والقدر

بالطبع، تيسر لإيران كل هذا النفوذ بسبب عاملين كبيرين: الأول، إسقاط الولايات المتحدة عدوين لدودين لإيران، نظام طالبان على حدودها الشرقية، ونظام صدام حسين على حدودها الغربية، من دون نجاحها في "بناء أمة" سياسية في هذه البلدين، أفغانستان والعراق. أما العامل الثاني، فهو غياب أي مشروع عربي مضاد. غياب بديهي بسبب طبيعة الأنظمة نفسها وبسبب القطيعة العميقة بين المجتمعات العربية والسلطات القائمة، وبسبب الفشل التاريخي لمشروع "الدولة الوطنية" في هذه الكيانات العربية الهشة، التي أنتجت للأسف إما سلطة فاسدة واستبدادية، وإما جماعات الإرهاب القاعدي والداعشي أو الاثنين معاً على الأغلب.

إزاء هذا المشهد الكبير والتراجيدي، اتجهت الولايات المتحدة (وأوروبا، والصين، وروسيا) في عهد الرئيس باراك أوباما نحو سياسة "واقعية" فحواها التسليم بالأمر الواقع، والتعامل مع إيران بوصفها سيد الشرق الأوسط الجديد، والعمل فقط على "تهذيب" هذا الطموح الامبراطوري ورسم حدوده، واستيعابه ضمن النظام العالمي القائم، ضمن تسوية تحفظ مصالح جميع المفاوضين (بالإضافة إلى إسرائيل).. على حساب العرب وحدهم.

كادت أهداف "الاتفاق النووي" المبرم بين إيران والدول الست (2015) أن تتحقق، وأن تستتب لإيران كل مكتسباتها، لولا أنها سرعان ما تجاهلت عمداً المغزى الجوهري لهذا الاتفاق، الذي عنوانه التقني كبح البرنامج النووي وضبطه، فيما مضمونه السياسي رسم الحدود النهائية للنفوذ الإيراني وتغيير سلوكه. فقد ظنت الدولة الإيرانية أن هذا الاتفاق هو منصة للانطلاق نحو الأبعد في التوسع، وفي ضم المزيد من مناطق النفوذ.

وأغلب الظن أن "طبيعة" النظام الإيراني هي التي تحتم عليه عدم تغيير سياساته وسلوكياته وأهدافه، ليس فقط بوصفه "ثورة مستمرة" وصاحب أيديولوجيا دينية وغيبية "مهدوية"، لكن لأن تحول إيران إلى دولة طبيعية بلا تعبئة حربية وبلا عدو وجودي، سيفضي إلى تهافت النظام وموته.

وظفت الدولة الإيرانية الكثير من إمكاناتها وطاقتها، وأنفقت أموالاً طائلة في مشاريعها السياسية والعسكرية الخارجية، خصوصاً في الدول العربية، وضحت بقادة عسكريين وجنود من "الحرس الثوري"، ومولت الكثير من الجماعات في لبنان وسوريا واليمن والعراق..إلخ، بتكاليف باهظة، عدا عن صرفها للمليارات من العملة الصعبة على مشروعها النووي وبرنامجها الصاروخي. وهذا الاستثمار الهائل على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، الذي دفع كلفته الخيالية الشعب الإيراني.. لا يمكن التفريط به ولا التراجع عنه. وخسارة هكذا استثمار مديد تعني تلقائياً موت النظام وانهياره.

وأغلب الظن أن "طبيعة" النظام الإيراني هي التي تحتم عليه عدم تغيير سياساته وسلوكياته وأهدافه، ليس فقط بوصفه "ثورة مستمرة" وصاحب أيديولوجيا دينية وغيبية "مهدوية"، لكن لأن تحول إيران إلى دولة طبيعية بلا تعبئة حربية وبلا عدو وجودي، سيفضي إلى تهافت النظام وموته.

بعد الاتفاق النووي، وبدل أن تُظهر إيران نفسها كدولة "مسؤولة" وراشدة، تفاقم منسوب اللاعقلانية في ممارساتها، وتزايدت عدوانيتها وغرورها وجموحها. لقد اندفعت في سوريا (معركة حلب)، وتقدمت إلى الحدود مع الجولان المحتل. وفي العراق، كان قائد فيلق القدس قاسم سليماني يفرض وصايته على بغداد، فيما الصواريخ الإيرانية تنطلق من صنعاء وصعدة نحو السعودية، وتهريب الأسلحة الدقيقة والمتطورة يتوسع من إيران إلى لبنان وحدوده الجنوبية. كما ظهرت في أفغانستان كداعم رئيسي لحرب العصابات ضد الحكومة المركزية وقوات التحالف الدولي التي تقودها أميركا، فيما البرنامج الباليستي الإيراني يتطور كماً ونوعاً على نحو يطال الجنوب الشرقي لأوروبا. ولا يمكن إهمال وقائع لا تُعد ولا تُحصى عن أعمال "الحرس الثوري" و"حزب الله" من المغرب (الذي قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران لهذا السبب) إلى فنزويلا والحدود الثلاثية بين الباراغواي والبرازيل والأرجنتين، مروراً بالخلايا الأوروبية النائمة، إلى قلب الولايات المتحدة نفسها..

نعود إلى الواقع اليوم، حيث "المواجهة" بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وإيران. لقد بات واضحاً أن اتفاق لوزان عام 2015، بحاجة إلى تعديل جذري، والرجوع إليه كما هو غير ممكن. والمطروح هو ليس البرنامج النووي الإيراني فقط، بل النفوذ الإيراني برمته. العقوبات المتدرجة خطورة وقسوة التي تخنق الاقتصاد الإيراني تهدد جدياً قدرة النظام على الاستمرار في سياسات الدعم والتمويل لأنشطتها الخارجية ولأذرعها الإقليمية. فحتى ما قبل العقوبات، كانت السلطات الإيرانية تلجأ إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية – اجتماعية تقشفية لتأمين كلفة رعاياتها لجماعات خارجية كثيرة، ولتمويل حروب متورطة فيها على امتداد المنطقة. ومع اشتداد العقوبات، يبدو أن تحديات كبرى قد فرضت على قدرة الدولة الإيرانية داخلياً وخارجياً.

وإذا كانت الحرب المباشرة والشاملة بين الولايات المتحدة وإيران مستبعدة راهناً، إلا أن أميركا لن تتراجع عن أهدافها من وراء سياسة الخنق هذه: حرمان إيران تماماً من القدرة على إنتاج سلاح نووي ووقف برنامجها الصاروخي، تقليص نفوذها إلى أدنى حد في العراق، انسحابها من سوريا، ترويض حزب الله، رضوخ إيران لشروط "أمن إسرائيل"، والإذعان لمبدأ عدم التدخل في دول الخليج وأفغانستان.

هذه الشروط (الأهداف) تفضي بالنظام الإيراني إلى هزيمة استراتيجية، وإلى تحول ضخم في خريطة المشرق العربي والشرق الأوسط الكبير. ومن الصعب على الإيرانيين، والحال هكذا، الارتضاء بها أو القبول بالجلوس على طاولة المفاوضات وفق هكذا جدول أعمال. لكن، في المقابل، الرفض الإيراني قد يجلب المزيد من الخنق والحصار والعزلة، والمزيد من الفاقة والعجز والصعوبات الاقتصادية التي قد تصل إلى الانهيار.

تقول إدارة ترامب أنها لا تريد تغيير النظام بل فقط سلوكه، لكن هذا تماماً ما حاوله العالم ما بين العام 2000 والعام 2011 مع النظام السوري، فكانت الكارثة المستمرة. فالنظام وسلوكه في إيران أو سوريا أو كوريا الشمالية.. "جوهر" واحد وطبيعة واحدة. لذا، ليس لإيران مع "ولاية الفقيه" إلا الكارثة، عاجلاً أو آجلاً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم