مصالحاتٌ بطعمِ العلقمْ

عندما سيطرت قوّات النظام في تمّوز من عام 2018 على ما كان خارج سيطرتها من أراضٍ في الجنوب السوري، قدّمت أجهزة النظام الأمنيّة المختلفة أوراقاً مطبوعة وزّعتها على الناس تحت عنوان: "وثيقة تعهّد لتسوية وضع". لم تكن هذه الوثيقة منبتّة الصلة عن سياق فهم النظام أو العقل الباطن المسؤول عن تشغيل هذا النظام وإعادة إنتاجه.

ورد في هذه الوثيقة - وسأنقلُ النصّ الذي زوّدني به أحد أصدقائي من الذين ما زالوا موجودين في حوران، وهو الطبيب المتميّز بمواقفه الثوريّة العقلانيّة المبنيّة على فهم عميق لطبيعة المجتمع السوري ولطبيعة النظام أيضاً – ما يلي:

"وثيقة تعهّد لتسوية وضع

أقرّ وأتعهّد أنا المواطن السوري

الاسم:

الشهرة:

اسم الأب:

اسم الأم:

مكان وتاريخ الولادة:

الرقم الوطني:

رقم ونوع السلاح:

بأنّه وبعد أن تأكّد لي حجم المؤامرة التي تهدف إلى قتل الشعب السوري وتدمير وطني سوريا، وحرصاً مني على أن تكون سوريا منيعة ضدّ الأعداء والعملاء، ويسودها الأمن والأمان والوحدة الوطنيّة، ومنعاً لتشويه ديننا العظيم، فإنّني أعاهدُ وأتعهّد بعدم إثارة الشغب أو التظاهر أو رفع الشعارات أو كتابتها أو التحريض عليها أو السكوت أو التستّر على من يرتكبها أو يحرّض لها، وكذلك عدم تخريب أو تعطيل الممتلكات العامّة والخاصّة، أو حمل السلاح أو حيازته أو شرائه أو تهريبه وبأيّ شكل من الأشكال وبغضّ النظر عن نوعه أو مسمّاه، وأقرّ بأنني على علم واطّلاع على العقوبات المترتّبة على مخالفتي لذلك.

كما أتعّهد بأن أعمل جاهداً ودائماً في ظلّ الدولة السوريّة لبناء عزّة وقوّة الوطن بالتعاون مع المواطنين الشرفاء وسوريا وشعبها الكريم.

ملاحظة: إنّ أي شطب أو حكّ أو تصوير لهذه الوثيقة يعرّض صاحبها لمسؤوليّة كبيرة.

حُرّر بتاريخ

التوقيع                    البصمة                    الصفة والاسم               مصدّق"

 

الحقيقة أنّ هذه الصياغة تختصر طريقة تفكير العقل التشغيلي للنظام، وتعبّر بكلمات واضحة لا لبس فيها ولا غموض وبمصطلحات دقيقة عن التعريف الحقيقي لسوريا الأسد. إنّ مناقشة وتفنيد هذه الأسطر القليلة، تحتاج إلى مقالات وبحوث وربّما كتب ومجلّدات، ليس لأنّها على درجة عالية من الانضباط والتناسق اللغوي والمعرفي، وليس لأنها تحمل أبعاداً فكريّة وفلسفيّة عميقة

من عنوانها يتبيّن أنّ المطلوب ابتداءً هو الإذعان لكلّ ما تتضمّنه، ثمّ تأتي المفردات لتشرح جوهر العقل الاستبدادي

لم يسبق إليها فكرٌ أو علم، بل لأنّ ما فيها من خلط عجيب، يُشبه أكثر ما يُشبه عنوان ومحتوى فيلم "سمك لبن تمر هندي" للمخرج رأفت الميهي الذي أخرجه عام 1998 واستشرف فيه مآلات تطوّر مجتمعاتنا العربيّة.

فمن عنوانها يتبيّن أنّ المطلوب ابتداءً هو الإذعان لكلّ ما تتضمّنه، ثمّ تأتي المفردات لتشرح جوهر العقل الاستبدادي، فالمواطن هو فقط من يتعهّد بما يتوجّب عليه الالتزام به، ومن بيانات التعريف عن النفس يجب ذكر نوع السلاح ورقمه، لأنّه لا يوجد مواطنٌ مدنيٌّ عادّي ليس حاملاً للسلاح، فلا يوجد إلّا إرهابيّون فقط. ثم تأتي المبررات التي دفعت بهذا المواطن لتقديم طلب تسوية الوضع، وعلى رأسها تأكّده من حجم المؤامرة، فالمؤامرة موجودة وثابتة ومقطوع في صحّتها، لكنّ المشكلة كانت في التأكّد من حجمها ومن هدفها.

كانت تهدف المؤامرة إلى قتل الشعب السوري وتدمير سوريا، لكنّ الشعب نجا منها وسوريا لم تتدمّر، لم يفقد الشعب السوري مليوناً على الأقل من أفراده البالغ عددهم قبل الثورة 23 مليون إنسان، أي ما نسبته 4،35% من عدد السكّان الإجمالي، ولم يٌهجّر داخليّا من سكّانها نصفهم على الأقل، وخمسهم خارجيّاً بأقلّ التقديرات تشاؤماً، وسوريا لم يتدمّر من أبنيتها وبنيتها التحتيّة، ما قدّرتْ تكلفةَ إعادةِ إعمارهِ ب 400 مليار دولار اللجنةُ الاقتصاديّةُ والاجتماعيةُ لغرب آسيا (إسكوا) التابعة للأمم المتحدة، في ختام مؤتمرها الأخير المنعقد في بيروت بداية شهر آب عام 2018 – مع الاعتذار عن عدم دقّة الأرقام والنسبة لعدم وجود رفاهيّة الإحصاءات والدراسات الدقيقة والموضوعيّة – ولم يُفقد من أبنائها عشرات إن لم نقل مئات الآلاف بين معتقل ومختفٍ قسريّاً ومُغيّب ومجهول المصير.

سوريا الآن منيعة ضدّ الأعداء والعملاء، وهذا ما تأكّد منه المواطنُ الذي تقدّم بطلبٍ لتسوية وضعه. سوريا موحّدة مستقلّة محكومة بقرار واحد ومرجعيّة واحدة، ليس فيها قوّات أجنبيّة ولا ميليشيات عسكريّة ولا منظّمات إرهابيّة، حددوها حصينة، سماؤها غير مستباحة، قرارها مستقلّ. سوريا الآن يسودها السلام المجتمعي والوحدة الوطنيّة، لا فرق فيها بين مواطن وآخر على أساس العرق أو القوميّة أو الدين أو الطائفة أو المذهب، لا فرق بين الذكور والإناث، لا فرق بين الأغنياء والفقراء، بين الحكّام والمحكومين. سوريا واحة من الأمن والأمان، لا أحدَ يُعتقل بدون مذكرة قضائيّة، لا أحدَ يُقتل لأسباب مجهولة، لا أحد يُخطف أو يختفي دون معرفة أيّ أثر له، لا تفجيرات ولا قصف ولا اعتقالات ولا تعذيب في السجون ولا سلب أو نهب، لا استيلاء على الممتلكات ولا نهب للأرزاق ولا سرقة للأخضر واليابس، للعقار والمنقول.

ديننا العظيم غير مشوّه، ولا تسلْ عن أي ّ دين، فهو معروف للجميع، نحن شعب واحدٌ مؤمن بدين واحدٍ مصدرُه إله واحد. مساجدنا قائمة ومآذنها شامخة، كنائسنا هانئة وأجراسها لم تتوقّف عن عزف ألحان السلام أبداً، مصاحفنا وأناجيلنا محفوظة في القلوب ومرفوعة فوق الرؤوس، لا يطالها دنس ولا نجاسة.

ثمّ يأتي جوهر الطلب المقدّم من المواطن طالب التسوية، فهو يُعاهدُ ويتعهّد بعدم ارتكاب الخطيئة الكبرى التي أنزلت آدم وحوّاء من الجنّة إلى الأرض، فالتظاهر ورفع الشعارات وكتابتها والتحريض عليها والسكوت والتستّر على من يرتكبها، رجسٌ من عمل الموساد وبندر بن سلطان. يتعهّد المواطن بعدم تخريب الممتلكات العامّة، فلا يمكنه بعد تقديم طلب التسوية أن يقصفها بالطيران أو بالكيماوي، ولا يمكنه أن يُمطرها بالبراميل أو يرجمها بالمدافع والصواريخ، كما لا يمكنه أن ينهب ما تبقّى منها، أو يعطّل عملها بالرشوة والاختلاس والفساد والواسطة والمحسوبيّات.

لا يمكن للمواطن بعد الآن أن يحمل السلاح أو يحوزه أو يمتلكه أو يشتريه أو يهرّبه، بغضّ النظر عن نوعه أو مسمّاه، فليس هناك فرق بين الدبّابة T82 والكلاشينكوف ولا بين الميغ 29 وبندقية الصيد. طالب التسوية الآن مواطنٌ صالحٌ، عليه أن يتمتّع برفاهية ضبط السلاح بيد جيش وطنيّ ساهرٍ على حدود الوطن لحمايته من الأعداء والمتربّصين، وبيد قوّات الشرطة والأمن المنضبطة، المدرّبة والمؤهّلة وفق أعلى معايير النزاهة والشرف والاحترافيّة والالتزام بالدستور والقوانين ومبادئ حقوق الإنسان. المواطن الآن آمنٌ في بيته من اعتداءات الميليشيات وأمراء الحرب واللصوص وقطّاع الطرق والمخرّبين والإرهابيّين، فلا يمكنه مخالفة القانون وحمل السلاح للدفاع عن نفسه أو عرضه أو ماله، بوجود أمنٍ وافرٍ عميمٍ وطاغ.

لقد أدرك المواطن أهمّية الدولة وقيمة ظلّها الوارف، وها هو يتعهّد بالعمل جاهداً ودائماً وأبداً وبحماسة منقطعة النظير تحت مظلّتها. ولن يعمل

لاحظ المواطن أيضاً أنّه سيتعرّض في حال مخالفة مضمون هذا التعهّد لمسؤوليات كبيرة، لا أحد يعرف على وجه الدقّة وبالضبط ما هي وما نوعها وحجمها وتبعاتها وآثارها

منفرداً بعد الآن، بل بالتعاون مع نظرائه من المواطنين الشرفاء وبالتعاون مع سوريا ومع شعبها الكريم، أمّا المواطنون غير الشرفاء فلن يتكلّم معهم ولن يعمل معهم أبداً. سيحقّقُ هذا المواطن مع نُظرائه ممن ذُكروا أعلاه، عزّة الوطن ورفعته وسؤدده وقوّته وسيادته.

لاحظ المواطن الشريفُ أيضاً أنّه لا يمكنه أن يغيّر في ميثاق الشرف وتعهّد الأمانة وطلب التسوية المقدّم من قبله، كما لا يمكنه أن يشطب من الورقة التي تحتويه أية عبارة أو أن يجري عليها أي حكّ أو تصوير، فالحكّ يورث التهلكة، والتصوير يوهن عزيمة الأمّة. كما لاحظ المواطن أيضاً أنّه سيتعرّض في حال مخالفة مضمون هذا التعهّد لمسؤوليات كبيرة، لا أحد يعرف على وجه الدقّة وبالضبط ما هي وما نوعها وحجمها وتبعاتها وآثارها.

وقّعَ المواطن وبصم على تعهّده هذا أمام الموظّف المسؤول عن المصادقة على أقواله بعد التأكّد من هويّته، وها هو ينتظر موافقة مكتب الأمن الوطني على براءته من كلّ الرجس الذي طاله جرّاء تفكيره خارج صندوق عقل النظام.

يحدّثني صديقي الطبيب عن المرارة الهائلة التي يشعر بها منذُ أن قرأ تلك الورقة التعهد، وكيف أنّه يتمنّى لو خُسفت به الأرضُ قبل أن يصل بنا الحالُ إلى ما وصل. يحّدثني كيف أنّه عرض على الضامن الروسي نصّاً بديلاً لطلبات تسوية الوضع، لكنّه جوبه بالرفض القاطع من أزلام النظام. وأنا سأنقل هذا النصّ بناءً على طلبه:

"الجمهورية العربية السورية

مركز المصالحة الوطنية

 في:

نموذج تسوية مواطن مدني

 

تقديراً مني للخطوة الوطنية المسؤولة التي اتخذتها القيادة السياسية في طي ملف الأحداث الدامية الأليمة التي عصفت بالوطن، اعتباراً من 18- 3- 2011 وحتى تاريخه؛

حضرت أنا المواطن:

إلى مركز المصالحة الوطنية في                  طائعاً مختاراً، معلناً رغبتي في دعم هذا الاتجاه الوطني البنّاء، متعهداً ببذل ما أملك من طاقة وجهد، في تعزيز هذا الخيار السليم، من خلال القيام بواجباتي الوطنية، في إطار الدستور، بما تتضمنه من حرية الاعتقاد والتعبير والكلام والتظاهر السلمي، بما يساهم في قيام دولة مُواطَنةٍ حرّة سيّدة، يتحقق فيها التعدّد السياسي، والتداول السلمي للسلطة، واحترام حقوق الإنسان.

                                                                                                                                                    المواطن"

 

هذا هو حال سوريا اليوم، هذا هو حال أبنائها الذين يموتون قهراً وصبراً كلّ ساعةٍ ألف ميتة، هذا هو المُنتج النهائي الذي يمكن أن تقدمه سوريا الأسد للنّاس المقيمين فيها. لكنّ دوام الحال من المُحال، ومن يظنّ أنّ النظام انتصر فهو واهم، ومن يظنّ أن السوريّين انهزموا فهو أكثرُ وهماً. إن كان لدينا عام 2011 ألف سبب للثورة، فاليوم لدينا مليار سبب، وسننتصرُ في النهاية.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم