مسلسل تشرنوبل عن الكارثة النووية وشقيقتها الأخلاقية

دعك من الحديث عن شبكة HBO التلفزيونية الأمريكية وإنجازاتها في عالم الدراما، وعن سوء تلقي جمهورها للموسم الأخير من مسلسل (صراع العروش). الأمر الذي جعله البعض سبباً لطرح مسلسل تشرنوبل، بينما الوقائع تقول إن المسلسل تم إقراره في صيف العام 2017 كتعاون بين الشبكة وبين قناة Sky البريطانية.

ودعك من عدد الأفلام السينمائية التي قاربت كارثة تشرنوبل الشهيرة، من زوايا مختلفة، تشترك في غالبيتها بأنها عالجت ما نتج عن الحدث، ولم تقاربه ذاته أو تقارب ما حدث قبله، أو تنظر فيما جرى في سياقه من تفاصيل أدت على المستوى الإنساني وفي الأرقام غير الرسمية إلى مقتل ما لا يقل عن مئة ألف إنسان، بينما ظلت أوراق ووثائق الاتحاد السوفييتي تتحدث عن مقتل 31 ضحية فقط!

وقريباً من هذا، دعك أيضاً من مراجعة عشرة أفلام وثائقية تحدثت عن تفاصيل التفاصيل في الحدث، من الأجزاء العلمية والتقنية الفنية، مروراً بالطبية والاجتماعية وصولاً إلى السياسية واقتربت من معالجة السياق، وأوضحت لك كيف أن كارثة تشرنوبل النووية كانت وعلى مستوى سردية انحلال الاتحاد السوفييتي، ذروة من الذرى التي بدأت التفاصيل بعدها تنحو إلى الانحدار وصولاً إلى تفككه الكامل في العام 1991.

وانظر في خمس حلقات درامية، من بطولة (جاريد هاريس- Jared Harris)  بدور العالم النووي فاليري ليغاسوف، الذي يحقق في أسباب وقوع الكارثة، وكذلك بطولة (ستيلان سكارسغارد-  Stellan Skarsgård) في دور بوريس شربينا مسؤول الطاقة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي الذي يريد أن يشعر ولمرة واحدة أنه مهم وأنه ليس مجرد رجل ثان في الحياة، وأيضاً (إيميلي واتسون-Emily Watson) في دور عالمة الفيزياء النووية أولانا كوميوك التي أريد من خلالها كشخصية وهمية غير واقعية إعادة الاعتبار للكيان العلمي السوفييتي، الذي كثيراً ما تناقض مع سياسات القادة السوفييت وحاول أن يجرهم إلى خيارات صحيحة، بعيداً

الحلقات الخمس عاد صُناعها إلى حادثة تاريخية، مضى عليها قرابة 33 سنة، ليعيثوا في مجرياتها قراءة، وليجربوا أن يستحضروا أرواح الضحايا

عن إملاءات الصراعات الحزبية والتعاليم الإيديولوجية ومراكز القوى الراسخة والعميقة، فدفع أثماناً كبيرة، كانت تبدأ بالإقصاء والنفي والعزلة! وكثيراً ما كانت تنتهي بالموت عبر رصاصة في الدماغ!

إضافة إلى عدد كبير من الممثلين الذين عملوا على استعادة حقبة الثمانينيات وأداء أدوارهم في أمكنة مازالت تحمل بصمات الحقبة السوفييتية في ليتوانيا وفي أوكرانيا ذاتها حيث يقع المفاعل المنكوب.

الحلقات الخمس عاد صُناعها إلى حادثة تاريخية، مضى عليها قرابة 33 سنة، ليعيثوا في مجرياتها قراءة، وليجربوا أن يستحضروا أرواح الضحايا، لتحكي عما جرى، لا على المستوى الذي قاربته الوثائقيات السابقة، ولا على مستوى تأثيم الآثم من جديد، أي تجريم النظام السوفييتي الذي حكم شعوب الاتحاد بالحديد والنار وانتهى به المطاف ليكون مجرد دولة شمولية عبرت في التاريخ الإنساني. بل على مستويين جديدين.

أولهما، صناعة بناء درامي مختلف، يضع الجمهور في مركزه، عبر رفع مستوى تفاعله مع الحدث إلى أعلى عتبة، من خلال البدء بالذروة، وتركيز مشاعر تعاطفه مع الشخصيات منذ اللحظة الأولى، ومن ثم الانسدال مع التفاصيل اللاحقة، حيث يدرك المشاهدون أن جميع من يتحركون على الشاشة باتوا حكماً وبسبب الإشعاع القاتل مشاريع أموات!

ثانيهما، ملاحقة المجرمين الذين تسببوا بكل هذه الفوضى على مستوى العالم كله، وبينما تتركز الجهود على ثلاثة متهمين ينتمون إلى الجهاز البيروقراطي السوفييتي، تسببت تنافسية المناصب السائدة في النظام كله، في جعلهم يلهثون لتنفيذ تجربة تقنية في وقت غير مناسب، أدى فشلها إلى انفجار المفاعل وانكشافه فبات يبث الإشعاعات إلى الكوكب كله.

يشعرُ المشاهد ومنذ بداية المسلسل القصير أن تجريم هؤلاء لا يحتاج إلى عناء كبير، وإن كان الأمر سيقف عندهم فإن الضرورات التي تدفع لإنتاج المسلسل ستكون ساذجة وغير مرضية، فالجمهور في النهاية يحتاج إلى هديته، ويريد أن يحظى بوفرة الانتصار الأخلاقي على المجرمين، وهذا في الحقيقة هو أُسُ حب الناس للدراما، منذ أيام المسرح الأولى وصولاً إلى آخر فيلم سينمائي شاهدته بالأمس، فهم ينتصرون من خلال الخشبة والشاشتين الصغيرة والكبيرة على المجرمين الذين يتحكمون بحيواتهم، ويحكمونهم من خلال أجهزة الدولة، ومن نافل القول أن هذه العلاقة لا يمكن تبسيطها بهذا الشكل فقط، وإلا تحول الفن الدرامي إلى مجرد آلة تنفيس لمشاعر الجمهور المكبوتة، وهو بذلك يصبح مجرد آلة تسلطية بيد الأنظمة أيضاً! ولكن العمل على خرق السلسلة التبسيطية (الإمساك بالمجرمين الذي رأيناهم يرتكبون فعلتهم القاتلة)، والحفر أعمق في المشهد والبحث عن الفاعلين المتوارين وراء جدران مكاتب الكرملين وجهاز المخابرات السوفييتية (الكي جي بي) كان هدفاً يتم تركيب كيانه أمام الجمهور من خلال السعي الحثيث الذي بذله أبطال المسلسل الثلاثة وهم يتحرَّون ما جرى، وبدلاً من أن يكون الهدف هو مجرد التمكن من الإمساك بالمجرمين المعروفين وسَوقهم إلى السجن لعشر سنين محكومين بالأعمال الشاقة. بات النظام التسلطي هو الهدف، وهذا ما نجح المسلسل في الإمساك برقبته وجره إلى حبل المشنقة!

في تركيبة الأنظمة التسلطية، وفي بنية مؤسساتها، لا مناص لمن يعمل معها وفيها من أن يعيد أسوأ الممارسات طالما أن قواعد العمل وكذلك الرغبة في البقاء في المنصب تقتضي ذلك، والنظام ذاته يسمح للعاملين فيه أن يقوموا بكل ما يمكنهم القيام به من أفعال كهذه طالما أنهم يلتزمون بالقواعد المتفق عليها ضمنياً، وهو يسجل لكل شخص أفعاله، فيصبح مربوطاً من رقبته بسلسلة حديدية

في البلد الذي يتحكم فيه الجهاز الاستخباري بكل شيء يصبح اتهام النظام الإداري اتهاماً للجهاز المهيمن الذي يجد نفسه في دائرة المسؤولية عن وقوع الكارثة

تشده إلى الكتلة المتراصة من الفاسدين كلما أودت به قدماه إلى الابتعاد عنها! ولكن ليغاسوف العالم النووي المكلف بتبيان أسباب الكارثة ومعالجتها، يقرر وبتحريض من زميلته كوميوك في المحكمة المخصصة لمحاسبة المتسببين بالانفجار ألا يعلق أسباب الكارثة على ثلاثة موظفين بيروقراطيين حزبيين سفهاء، بل على طريقة تعاطي النظام البيروقراطي السوفييتي مع مشكلاته الكبرى، حيث يتم تأجيل البحث عن الحلول الجذرية والاكتفاء بالترقيع! وفي البلد الذي يتحكم فيه الجهاز الاستخباري بكل شيء يصبح اتهام النظام الإداري اتهاماً للجهاز المهيمن الذي يجد نفسه في دائرة المسؤولية عن وقوع الكارثة، وكذلك التسبب في وقوع كوارث مماثلة عبر تعاطيه المتراخي مع الأخطاء التقنية في عمل المفاعلات النووية المشابهة! وهكذا يجد ليغاسوف نفسه في مواجهة النظام كله، فبعد أن كذب أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا في حديثه عن أسباب الكارثة، ونال بسبب ذلك وسام بطل الاتحاد السوفييتي، يتحول الآن إلى منبوذ محكوم بالإهمال بسبب غضب الاستخبارات عليه، لينتهيَ به الأمر منتحراً بعد أن قام بتسجيل شهادته صوتياً ليتم توزيعها بين العلماء الروس مثل المنشورات السرية المعارضة!

التورط في خدمة النظام وأفعاله السيئة ليس فعلاً تنتج عنه وصمة أبدية، كما تحاول كل الأنظمة المستبدة أن توهم به المواطنين الذين تحكمهم، بل هو فعل نتج عن قرار اتخذه المرء لسبب شخصي أو واقع راسخ أجبر من يعيش فيه على أن يذهب إلى هذا المنحى، ولكن الخروج عليه هو قرار أيضاً، وهذا ما ذهب إليه صناع المسلسل حينما جعلوا من خروج ليغاسوف هو الذروة الأعلى في مجمل الحلقات الخمس، فكارثة كبرى تحدث في الواقع، ستصبح كارثة أكبر إن لم تُفضِ إلى تحولات أخلاقية تنتصر للإنسانية تتناسب مع فداحتها!

شارك برأيك

أشهر الوسوم