مستقبل العمال الكردستاني بعد منبج!

الكثير من الأسئلة أثيرت بعد الإعلان التركي – الأمريكي عن خارطة طريق في منبج، تقضي بتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بسحب الميليشيات الكرديّة من منبج إلى مناطق شرق الفرات، غير أن تفاصيل هذه الاتفاقية ماتزال غامضة، لكن ما رشح عنها إلى وسائل الإعلام يشكّل على ما يبدو نقطة فارقة في العلاقة الأمريكية – التركية التي شهدت توتراً و جفاءً على مدى السنوات الخمس الماضية على أقل تقدير. خاصة مع إعلان المسؤولين الأتراك عن أن هناك نية لتسيير دوريات مشتركة أمريكية – تركية في منبج بموجب الاتفاقية، وهذا يمثّل تحولاً مهماً في سياسية الولايات المتحدة، التي على ما يبدو بدأت تستعيد علاقتها مع حليفها السابق "تركيا" الذي تشترك معه في سقف الناتو، وبالمقابل شكّل الموقف الأمريكي غير المستجيب لنداءات محور العمال الكردستاني فيما يخص دعمهم للتصدي للعملية العسكرية المشتركة للجيش الحر والجيش التركي "غصن الزيتون" التي أفضت للسيطرة على كامل عفرين أولى علامات خيبة الأمل للعمال الكردستاني من الموقف الأمريكي، وساهمت في إعادة تقييم الموقف الأمريكي،

شكلت ديموغرافية منبج تحدياً هاماً في وجه قسد، فسكان هذه البلدة التاريخية التي تقع في ريف حلب الشمالي والتي لا تبعد عن الفرات سوى 30 كم هم من العشائر العربية فقط

وتنشيط الذاكرة إزاء سياسات أمريكا السابقة التي تسببت بخيمة آمال كردية إزاء موقفها السلبي من الاستفتاء في كردستان العراق الذي شمل مناطق متنازعاً عليها خارج إقليم كردستان ايضاً، ثم الموقف من تقدم الجيش العراقي واستعادة كركوك، وبدأ شريط الذاكرة عمله ليستعيد أيضاً موقف الأمريكان الذي خذل الملا مصطفى البرزاني في السبعينات وتخلى عنه في أحلك الظروف وسبب انهيار حركة البرزاني آنذاك.

منبج وأزمة قسد

شكلت ديموغرافية منبج تحدياً هاماً في وجه قسد، فسكان هذه البلدة التاريخية التي تقع في ريف حلب الشمالي والتي لا تبعد عن الفرات سوى 30 كم هم من العشائر العربية فقط، الذين وجدوا أنفسهم أمام دعوات وشعارات غريبة، استخدام عبارات تتكرر فيها كلمة "الديمقراطية" إلى حد التخمة، بينما بقيت الممارسات على الأرض على عكس الشعارات، فالتجنيد الإجباري، والإتاوات،  ومحاولة فرض شعارات العمال الكردستاني وتقديس أوجلان "غير السوري" ، ومحاولة فرض مفاهيم لا تلائم قيم المجتمع وخصوصيته، وفرض منهاج دراسي يكرّس إيديولوجية العمال الكردستاني في المدارس، كلها من الأمور الذي أثارت ردود أفعال تراوحت بين الغضب والإضراب والتظاهر، إلى حد وصول صدامات أدت إلى مقتل وتصفية العديد من المدنيين، واعتقال المئات، وفرض أساليب قمعية لإجبار المواطنيين للخضوع للإدارة الجديدة.

حدث ذلك في مئات المدن والبلدات والقرى المماثلة في ريف الحسكة ودير الزور والرقة، مناطق لا يمكن لها استيعاب وهضم حزب العمال الكردستاني وممارسته الاستبدادية ومحاولاته لتهجير السكان بذريعة العمليات العسكرية ضدّ داعش، ومحاولة تزييف واقع وهوية المنطقة. وبالتالي واجهت قسد وماتزال تواجه أزمة ثقة اتجاه المجتمع، الأمر الذي ينعكس على عدم استقرارها أو تجذرها داخل المجتمع، وبالتالي بقيت متمثلة بميليشيات وحواجز عسكرية مستعدة للرحيل في أي لحظة، تماماً كما حدث مع داعش التي لم تنجح سياستها في فرض إيديولوجية وأجندة ومسميات ومصطلحات جديدة، في إخضاع أو تغيير المجتمع، بل بقي الخضوع عسكرياً نتيجة الأمر الواقع، وما لبث أن بات نقمة على داعش نفسها عندما سنحت الظروف.

سياسة أمريكا وحدود العلاقة مع قسد

نعود لمسألة العلاقة الأمريكية بقسد، طبيعتها، حدودها، مستقبلها؟ وكيف بنت أمريكا سياستها في الملف السوري وبشكل خاص في مناطق الجزيرة الفراتية التي تشتمل على ثلاث محافظات (دير الزور، الرقة ، الحسكة)؟  وللإجابة عن هذه التساؤلات علينا أن نقيم المواقف الأمريكية بأبعادها التكتيكية والاستراتيجية مع تذكر القاعدة الأساسية القائلة أن " مصلحة أمريكا أولاً" . وبالتالي تعتمد مواقف الولايات المتحدة وسياسيتها في محاولة البقاء كأقوى دولة في العالم، وإبقاء جميع أوراق النزاع في يدها، والحرص على إذكاء الصراعات والمخاوف وحالة التأهب في مناطق عديدة من العالم دون أن تكون طرفاً مباشراً في الصراع، بل تحرص على الزج بكافة الأطراف في هذه الصراعات، وفي دفعهم  لسباق تسلّح تكون هي الراعي الأول له والمستفيد الأول من هذه التجارة، مع إبقاء الحاجة القائمة لها ولقواعدها وقواتها موقفها السياسي قائماً في كل الحالات.

في سورية، كان من الواضح أنَّ الولايات المتحدة قد حاولت الاستفادة من قوات العمال الكردستاني، فبعد بدء العلاقة مع هذه القوات، وبدء دخول القوات الأمريكية إلى مناطق شرق الفرات، كانت السياسية الأمريكية تتلخص بالتالي:

  1. محاولة تعزيز الوجود الأمريكي في المثلث الشمالي الشرقي الاستراتيجي من سورية الواقع بين تركيا شمالاً، والعراق جنوباً، والذي تتراوح المسافة فيه بين الحدود التركية والعراقية بين 0 كم عند نقطة التقاء الحدود التركية السورية العراقية إلى أكثر من 150 كم بمحاذاة الفرات.  
  2. الاعتماد على ميليشيات عسكرية محلية منظمة يتم دعمها لوجستياً وعسكرياً بحيث تتجنب الولايات المتحدة أي خسائر بشرية مباشرة. على أن تلتزم هذه القوات بسياسية الولايات المتحدة الأمريكية التي لا ترغب بأي استهداف للنظام السوري، وهذا يتوفر بقوات العمال الكردستاني التي أشرف النظام على تأسيسها وتدريبها في مرحلة سابقة.
  3. التركيز على أن يكون التحالف مع قوات العمال الكردستاني تكتيكياً وليس استراتيجياً، ويشمل التعاول العسكري فقط لتحقيق أجندة أمريكية، وذلك بعد تبديل اسم القوات الكردية إلى إلى قوات سورية الديمقراطية، مع إشراك ميليشيات عربية "هامشية" لإعطاء طابع بأن هذه القوات بالفعل تمثل أطرافاً عديدة وليست مقتصرة على العمال الكردستاني فقط.
  4. عدم نسج أي علاقة سياسية مع الهيئات السياسية التابعة للعمال الكردستاني، وعدم استقبال أي جهة سياسية من الحزب في الولايات المتحدة الأمريكية.
  5. إبقاء القنوات السياسية والعسكرية مفتوحة مع تركيا والتي كان نتيجتها الموقف الأمريكي من عفرين ومن منبج.

العمال الكردستاني يتقلص في سورية

بات مشروع العمال الكردستاني في سورية بالانحسار والتقلص، وخاصة بعد أن تلقى ضربات موجعة بعد طرده من عفرين ومن منبج ، على الرغم من أن الانسحاب من منبج تم تصويره على أنه خطوة أعلن عنها العمال الكردستاني منذ أمد بعيد، وأنه لا وجود إلا "لمستشارين عسكرين" لهم في منبج، و يتضح أن هذا التصريح الذي جاء على شكل بيان أصدرته القوات الكردية عشية الإعلان عن خارطة الطريق الأمريكية – التركية جاء في محاولة يائسة لحفظ ماء الوجه للعمال الكردستاني أمام أنصاره وقاعدته الشعبية التي يبدو أنها باتت تفقد الثقة وتوجه انتقادات لاذعة للعمال الكردستاني الذي قادها إلى خيبة أمل كبيرة. حتى استخدام مصطلح " المستشارين العسكريين" أثار سخرية أنصار العمال الكردستاني أنفسهم، إذ لا تزال الآلة الإعلامية للعمال الكردستاني تحاول أن تصوّر أنفسها على أنها إدارة وحكومة ودولة بات لها مستشارون عسكريون كما لو أنها قوة عظمى في العالم.

حتى المناطق التي لا تزال تحت سيطرة العمال الكردستاني باتت تشهد مظاهر احتجاج وتذمر وصدامات مع عناصر العمال الكردستاني، بما في ذلك الرقّة التي وعلى الرغم من تدميرها بشكل شبه كامل، فقد بدأت العوائل بالعودة إلى ركام منازلها، وبدأت المظاهرات تندلع بين الفينة والأخرى مطالبة بخروج القوات الكردية من الرقّة، على عكس ما يروّج له المسؤولون في الإدارة الذاتية على أن سكان مدينة "رقة الرشيد" التاريخية من أشد أنصار مشروع العمال الكردستاني، بل ربما لا يمانعون بأن تتحول إلى "رقة أوجلان".

الأكراد أنفسهم الذين عانوا من سياسات العمال الكردستاني الأحادية الجانب، قابلوا دعوات مسؤولي الإدارة الذاتية بوحدة الصف الكردي بالتهكم، في ظل استمرار ميليشيات الأمر الواقع باعتقال وإقصاء السياسيين الأكراد وخاصة أعضاء المجلس الوطني الكردي، والأساليب القمعية المتبعة بحقهم، والتي أدت في نهاية المطاف إلى هجرة كبيرة للأكراد تكاد تهدد وجودهم حتى في البلدات والنواحي ذات الكثافة الكردية في الشريط الحدودي المحاذي لتركيا في محافظة الحسكة.

الاستغاثة مجدداً بالنظام

لا تزال صرخات العمال الكردستاني التي استنجدت بالنظام لإنقاذ عفرين ماثلة أمام الجميع، فقد تحولت عفرين بين ليلة وضحاها إلى مستقبل للطبول والرايات والهتافات بحياة الأسد، حتى أن أعلام النظام وبعض أبواقه كشادي حلوة كانوا يبثون من قلب عفرين هتافات للنظام ورأسه وجيشه للدخول إلى عفرين، الدخول الذي كان العمال الكردستاني يعلن بأنه واجب على النظام حماية حدود دولته، كان قد تعرقل بسبب تمسك النظام بشروط استلامه لجميع مرافق عفرين داخلها وخارجها وليس فقط في المناطق الحدودية، فانتهى الأمر إلى عدم تدخل النظام جدياً بالمعارك، في خطوة على ما يبدو أراد النظام من خلالها إضعاف العمال الكردستاني وتوجيه رسالة لهم.

اليوم وعشية إعلان خارطة الطريق في منبج، كثف مندوبو النظام من لقائاتهم مع مسؤولي الإدارة الذاتية، وقد صرح صالح مسلم بأنه على استعداد للتحالف مع النظام والدخول معه في مفاوضات دون أي شرط مسبق بعد يوم واحد على تهديد النظام بأن أمام قسد خيارين إما تسليم المناطق التي تحتلها للنظام أو المواجهة.

هذا كله يشير إلى مدى الضعف الذي تعاني منه قسد، والتي باتت صفوفها تشهد انشقاقات من العناصر العربية التي تشكل أغلبية ضمنها، وفي مناطق مثل محافظة الحسكة،

قسد لا تشكل تهديداً حقيقياً على مستقبل سورية، وإنها إحدى أدوات صراع أكبر منها، استخدمها النظام وإيران لمدة خمس سنوات قبل أن يتم استخدامها من قبل أمريكا التي يبدو أنها حتى الآن لم تشكل أي تهديد فعلي للنظام السوري

سيكون من السهل على النظام تشجيع عملية انشقاقات جماعية تحت التهديد والوعيد لمن لا يستجيب إذا أراد ذلك، لكن على ما يبدو أن النظام لا يزال يرغب باستثمار ورقة العمال الكردستاني في الصراع مع تركيا، ويفضل عودة ميليشيات قسد إلى التحالف مع محور النظام الذي يضم إيران وروسيا.

مستقبل قسد ومشروعها

كنا قد أشرنا في عدة مناسبات، بأن قسد لا تشكل تهديداً حقيقياً على مستقبل سورية، وإنها إحدى أدوات صراع أكبر منها،  استخدمها النظام وإيران لمدة خمس سنوات قبل أن يتم استخدامها من قبل أمريكا التي يبدو أنها حتى الآن لم تشكل أي تهديد فعلي للنظام السوري ولم تساهم في دعم المعارضة المسلحة لنظام الأسد.

العمال الكردستاني في سورية بقي ظاهرة فقاعية إعلامية عنوانها " هربجي" ، وروجافا لن تكون بحال أفضل من داعش " الدولة الاسلامية في العراق والشام"، فهذه التسميات والمصطلحات والحدود والأوهام التي حاولت كل من داعش والعمال الكردستاني إقناع أنصارهما والبسطاء بها، سقوطها لن يكون تدريجياً فقط، بل متتابع ومتسارع كسقوط أحجار الدومينو.

العمال الكردستاني سيكون في المستقبل القريب بين خيارين لا ثالث لهما:

الأول: إبقاء العلاقة مع الأمريكان، وهذا سيكون مهدداً بدرجة كبيرة بتقارب أمريكي- تركي يسعى ربما بعد الانتخابات التركية الرئاسية وأياً كان الفائز، إلى جذب تركيا مجدداً للمجال الأمريكي وعدم التضحية بها لصالح تحالفات تركية شرقية مع روسيا والصين.

الثاني: إعادة العلاقة مع النظام، وهذه يمكن أن تحدث في حال اختارت أمريكا إبقاء التصعيد قائماً على الحدود التركية، وبالتالي التغاضي على تسلل النظام بقوات عسكرية أكبر من تلك التي لا تزال موجودة في محافظة الحسكة، وفي هذه الحالة سيكون عمر العمال الكردستاني أطول، وسيرتبط خروجها نهائياً من سورية بالوصول إلى تسوية في سورية تنتهي بإخراجهم من سورية نحو جبال قنديل التي بدورها لم تعد مكاناً آمناً ومثالياً للعمال الكردستاني نظراً للحملات العسكرية التركية المتتالية لمواقعهم فيها.

شارك برأيك

أشهر الوسوم