مسؤولية الموقف

كتب أحدهم، من المثقفين الهادئين، في صفحته التواصلية، نصاً يحمل سخرية خفيفة لتسجيل مُلاحظة تكاد تكون شديدة المنطقية، فماذا قال؟ لقد اعتبر الأستاذ في التاريخ، بأنه، وبعد "عزل الرئيس السوداني عمر البشير، فهناك سؤال مُلحّ يطرح نفسه: لماذا الملكيات لم تشعر بأي قلق؟ بالتأكيد لأن ممالك الصحراء هي دول ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان والمواطن (...)". وتوالت التعليقات المؤيّدة لروح ما ورد، والتي دعمها أصحابها "المؤيدون" للجمهوريات المستبدة التي "تليق بالشرقيين"، بتقارير مصوّرة متوافقة مع الطرح يتحدث فيها طيف واسع من "المختصين" يمتد من اليساريين البافلوفيين إلى اليمينيين المتطرفين مروراً بعبدة الطغاة، يؤكدون بأن (ما يُسمّى) بالربيع العربي، كما يحلو لهم أن يخففوا من أهميته بهذه اللازمة، لم يكن سوى مؤامرة أميركية / إسرائيلية، في أحسن الأحوال، سعت وتسعى إلى زعزعة الأنظمة الجمهورية (الحداثية / التقدمية / العلمانية؟) وحافظت على الأنظمة الملكية (الرجعية؟). فالمؤامرة إذا واضحة وضوح الشمس ولا حاجة إلا لابتسامة صفراء من طرف الشفاه للتأكيد عليها وعلى سذاجة من ينقض حتميتها.

 

من جهته، انبرى "الصحفي" عبد الباري عطوان، المشهور بتغيير مواقفه والمعروف بتشكيكه في كل الحركات الاحتجاجية العربية منذ بداية الربيع العربي، للترحيب بالحركات الاحتجاجية الجديدة والمستمرة والتي أطاحت بالقيادات السياسية في كل من السودان والجزائر. وقد أشار عطوان خلال مداخلة مصورة، وبحماس منقطع النظير يكتنفه صراخ حريّ ببرنامج "الاتجاه المعاكس"، إلى أن سر "نجاح" هاتين الثورتين يعود أولاً وأخيراً إلى

تشكيك في المهمة الإنسانية التي تكفّلت بها مجموعات الدفاع المدني والتي كلّفتها مئات الشهداء والجرحى لإنقاذ المدنيين من تحت رماد القصف الأعمى بالبراميل والصواريخ البالستية والسلاح الكيميائي

أنهما سلميتان ولم تفتحا ذراعيهما للغرب وللناتو ولإسرائيل وللحركات الإسلامية الراديكالية. كما أضاف وشدّد على أن السر يكمن أيضاً وأساساً في غياب وجود "خوذات بيضاء" بين المحتجين في كلا البلدين. أي أنه من جهة يقوم بتكذيب ما ورد على ألسنة عديد من المسؤولين السوريين أنفسهم عندما أشاروا في أكثر من منصة إعلامية إلى سلمية الثورة السورية في بداياتها. ومن جهة أخرى، فهو يدخل لاعباً أساسياً، وفي قلب الهجوم، في لعبة التشكيك التي أطلقتها أساساً المخابرات الروسية وإعلامها المتميز كذباً وتلفيقاً، وتلقفتها لاحقاً بعض العقول متراجعة التغذية الدموية لدى بعض القومجيين، للتشكيك في المهمة الإنسانية التي تكفّلت بها مجموعات الدفاع المدني والتي كلّفتها مئات الشهداء والجرحى لإنقاذ المدنيين من تحت رماد القصف الأعمى بالبراميل والصواريخ البالستية والسلاح الكيميائي لجموع المدنيين في سوريا.

إذا، فعبد الباري عطوان يسعى من خلال تبجحه هذا إلى تقديم آيات الطاعة والولاء لمن يؤمن له في هذه الأيام قوت يومه، كالكثير من أترابه المهنيين، ولا مانع في أن يكون "أسدي أكثر من الأسد" على ما يبدو، وذلك منذ أن قلب سترته وغيّر مصدر تمويله، ليُصبح بوقاً يعزف اللحن الموالي، مهما كان نشاذا، لكل الأنظمة المستبدة في المنطقة وكما لمن يحميها من روس وإيرانيين وسعوديين وإماراتيين.

نحن إذا أمام من يرى في مجمل الربيع العربي مؤامرة تضرب عميقاً في نظريات التاريخ القريب الذي هو منه متمكن، كما يُفصح من خلال موقفه هذا عن قناعة شبه عقائدية، وهو يُدافع بحزم عن موقفه وذلك استناداً إلى المبادئ التي من المؤكد أنه يؤمن بها صدقاً وبشفافية، إضافة إلى جرعة دسمة من ادعاء المعرفة والتبحر

دور بعض مملكات وإمارات الخليج في تمويل الثورات المضادة من مصر إلى ليبيا، ومحاولة إفشال الحراك الجزائري كما السوداني

في الثقافة من جهة، ومن جهة أخرى، هناك من يلعب نفس اللعبة جزئياً ولكن من دون أية قناعة إلا الاستفادة اللحظية وبعيداً عن أي مبدأ. والمحصّلة واحدة بين الطرفين، على الرغم من عدم التوازن في الجدية وفي الالتزام.

فلا يغيب عن الأول، المثقف والمؤرخ، بأن الملكيات العربية شهدت احتجاجات لا يمكن الاستهانة بها كما حصل مع حركة 20 شباط في مملكة المغرب، وكما حصل في مملكة البحرين والاعتقالات المستمرة في الإمارات للناشطين والمعارضين. ولا يغيب عنه أيضاً بأن الاحتقان متأجج في كثير من هذه الملكيات، وما النموذجان السوداني والجزائري، إلا محركان خطيران سيكون لنجاحاتهما ارتجاجات مؤثرة على الجيران كما على البعيدين الذين هم الأولى بالمعروف. وما دور بعض مملكات وإمارات الخليج في تمويل الثورات المضادة من مصر إلى ليبيا، ومحاولة إفشال الحراك الجزائري كما السوداني، إلا مؤشر صريح على الرهاب الذي أصابت به ثورات الربيع العربي ركود الإصلاحات الكاذبة التي تبنتها هذه الدول.

أما الثاني، فهو يعرف بأنه لا ينطق إلا بنقيض المنطق والحق والحقيقة، وأن مصداقيته ملوّثة بقدر عدد مرّات تغييره لمواقفه ولتصريحاته قافزا بين الممولين. لكن يبقى الأول أشد مرارة وتأثيراً من الثاني لأنه يُصدّق ما يقول ويتبنى عقائدياً موقفاً تشكيكياً في الثورات العربية بناءً على نظرية المؤامرة. الثاني يؤثّر في عامة من الناس لا أسس فكرية أو ثقافية لديهم غالباً، يقودهم صاحب لسان مستقيماً كان أم أعوجا. أما الأول، فهو يؤثّر أيضا، إضافة إلى بعض العامة، على شريحة من النخبة المثقفة التي تبحث عن حجة ما لتغطية فشلها في الموقف وعجزها في التعبير وانغماسها حتى العنق في المسؤولية الأخلاقية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم