مرحلة جديدة.. انتهت العمليات البرية فماذا بعد؟

قوات تركية تدخل محافظة إدلب - (أرشيف - AFP)

أنجزت تركيا مرحلة رئيسية من اتفاق إدلب (سوتشي) الأسبوع الفائت، وبغض النظر عما يتضمنه الاتفاق بخصوص التنظيمات المصنفة إرهابية في مجلس الأمن (النصرة وداعش) فإن الشيء الذي فعله اتفاق إدلب أنه بلور مرحلة ما بعد الغوطة (انظر مقال "ماذا بعد الغوطة، 3 نيسان/أبريل 2018) وأنهى التمدد العسكري للنظام وميليشياته وأي هجوم بري عند حدود المحافظة، وشيئاً فشيئاً يتأكد يترسخ هذا الوضع الذي لن يكون فيه ممكنا تغييره بدون تسوية سياسية شاملة في المدى المنظور على الأقل،فيما إذا ما بقي الوضع على ما هو عليه شرق الفرات وبقي موقف الولايات المتحدة هو نفسه دون تغيير مفاجئ عودنا عليه الرئيس ترامب.

لا شك أن الجميع بدأ يلحظ ما يشبه "وقف إطلاق نار ولو بشكل مؤقت في جميع أنحاء البلاد، أو مع بعض الاقتتال الطفيف"، باستثناء الحملة ضد داعش على طول نهر الفرات حتى الحدود العراقية. هذه هي المنطقة الوحيدة من القتال الحقيقي في الوقت الحالي على حد تعبير المبعوث الدولي في مقابلة له أمس في مطار أنقرة،  وكذلك ما يطرحه هذا الوضع الجديد من دينامية مختلفة في الصراع مع نظام الأسد في سوريا، ولن يشكل وجود النصرة في إدلب تحدياً كبيراً طالما أنها تستجيب للضغوط التركية في نهاية المطاف.

 

سيكون النظام والمعارضة أمام استحقاقين كبيرين في هذه المرحلة:
1. العملية السياسية: من الوهم القول إن هنالك عملية سياسية، لم يجر حتى اللحظة أي شكل من أشكال التفاوض بين المعارضة ونظام الأسد، وما جرى إلى هذه اللحظة سلسلة من التنازلات من قبل المعارضة وتصلب وتترس من قبل النظام حاول فيه كسب الوقت وتطوير أدائه عسكرياً لإنهاء أي حديث عن العملية السياسية، لكن ذلك لم يحدث، وتوفت الآن العمليات العسكرية البرية والجوية ضد المعارضة بعد أن سيطر على نحو 50% من الأرض السورية، وصار أمام استحقاق العملية السياسية مرة أخرى، فالنصف الآخر يسيطر عليه الأمريكيون والأتراك عبر قوات محلية مناوئة له.

من التبسيط المفرط أن يقال إن بشار الأسد سيستجيب تحت الضغوط الدولية للانخراط في العملية السياسية

من التبسيط المفرط أن يقال إن بشار الأسد سيستجيب تحت الضغوط الدولية للانخراط في العملية السياسية، والمضي قدماً نحو تشكيل لجنة دستورية تقوم بكتابة دستور جديد، على الرغم من أن اللجنة ودورها محل انتقاد واسع بالنظر إلى أنها قزمت الحل السياسي واختصرته إلى مجرد كتابة دستور وانتخابات.. هذا وضع لا يمكن لبشار الأسد أن يقبل فيه، وحتى لو قبل به فإن نصف السكان على الأقل خارج سيطرة أجهزته الأمنية بالتالي فاحتمال فوزه في انتخابات غير مضمون، يريد بشار أن يضمن كل شيء بدون أي مخاطرة، يريد سلطة مطلقة، واكتساب "شرعية" بالقوة وبدون أية انتخابات حتى. 

ما الذي يمكن أن يفعله النظام وحلفاؤه الآن للتهرب من هذا الاستحقاق؟ سينصرف النظام إلى موضوع إعادة الإعمار، وسيسعى الروس أقصى طاقتهم لتوريط الدول الأوربية والخليجية تدريجياً في موضوع إعادة الإعمار، وإذا كان تكتيك مقايضة عودة اللاجئين الذي اتبعه الروس لتحقيق ذلك فشل من جهة في إقناع أي دولة من تلك الدول من جهة، وأثبتت ممارسات نظام الأسد الأمنية بحق العائدين (الاعتقالات والاغتيالات والإخفاء القسري والتجنيد الإجباري) أن نظامه غير قادر على استيعاب لاجئين فروا من براميله وصواريخه، وأنه يريدهم أن لا يعودوا من الأساس، ثمة أسباب عدة تجعله يريدهم أن لا يعودوا، فعودة اللاجئين تعني ارتفاع في الإنفاق على الخدمات في وقت هو أحوج ما يكون إلى المال للانفاق على مؤسساته من أجل بقائها واستمرارها، وكما هو معروف فإن الخدمات في مناطق النظام هي الآن في أسوأ أحوالها، وفي نفس الوقت فإن  زيادة في الكتلة البشرية المعارضة حتى ولو كانت شفاهياً صامتة أو راضية سيشكل عقبة أمام مشروع إيران في التغيير الديمغرافي. 

الأمر الثاني الذي سيفعله حتماً هو  الانقضاض على المجتمع عبر مسارين، الأول مسار قانوني يخلق بيئة استثنائية لاستقرار النظام في مناطق سيطرته ويسمح له بممارسات مقننة تتعلق بالمجالس المحلية (أجرى انتخابات شكلية وعزز فيها الوجود الإيراني) وقوانين تنظيم المدن (مثل القانون رقم 10، والقانون 16 المتعلق بوزارة الأوقاف)، والعبث بسجلات الأحوال الشخصية والعقارات، ومسار أمني بإحكام  القبة الحديدة على المجتمع وخلق "متجانس" ملائم لبقاء النظام، ثمة ممارسات أمنية عديدة يمكن أن تزداد مثل الاعتقالات والتصفيات، وضبط الميليشيات غير النظامية السورية (لا يستطيع السيطرة على الكيليشيات الشيعية متعددة الجنسيات بطبيعة الحال لأنها تتبع إيران مباشرة). 

الأمر الثالث التفرغ الإيراني للتغلغل في عمق مؤسسات النظام الأمن والجيش والجهاز التشريعي والقضائي والاقتصادي والتعليمي والديني والاستثمار، واختراق المجتمع بتوسيع عمليات التبشير والتجنيس غير الشرعي وخصوصاً لعناصر ميليشياتها من أجل وجود مديد في سوريا، ثمة فرصة لن يفوتها لا النظام ولا الإيرانيون بالتأكيد. 

الأمر الرابع هو عمل الروس على تعزيز سيطرتهم على النظام وإعادة تنظيم فرق من الجيش (ليس كل الجيش) وأجهزة أمن (ليس كل الأجهزة أيضا)، وبالتالي سيكون هنالك شكل من أشكال التنافس البارد مع الإيرانيين الذي يحاول فيه كل من الجانبين تجنب التصادم مع الآخر، فما يجمعهما من المصالح أكبر، في حين كانت إيران من حاجة روسيا لإيران للعمليات  البرية تضاءلت الحاجة لها بعد اتفاق إدلب.   

المعارضة ليس لديها شيء ما تقدمه لدفع العملية السياسية سوى مزيد من التنازلات

المعارضة ليس لديها شيء ما تقدمه لدفع العملية السياسية سوى مزيد من التنازلات، فهي منقسمة أقصى حدود الانقسام، وتفتقد هيئة تفاوضها للشرعية، وقد تكون  ممانعة النظام والدخول في حالة سكون - حتى لو شكلت لجنة دستورية  -  فرصة ملائمة لإعادة ترتيب صفوفها وإعادة تعريف دور الدول التي شكلتها بالانفتاح على المعارضة وإعادة هيكلتها وإن كان هذا غير محتمل.

2. اتفاق تركي – أمريكي في سوريا: سيكون هنالك حاجة لتنظيم هذه العلاقة والقيام بإجراءات فعلية لحل الخلاف، لن يكون بمقدور الأمريكيين ولا الأتراك الاستقرار وتحقيق أهدافهما بدون أن يكون بينهما تفاهم واضح يبدد المخاوف التركية، ويعزز التعاون إلى مستوى أعلى، ونحن بدأنا نرى تغيراً في العلاقة وعلى رأس جدول التقارب التركي الأمريكي الجديد بعد إطلاق سراح القس الأمريكي هو منبج وشمال شرق سوريا، وإذا لم تتضح هذه التفاهمات الآن أو تتبلور بشكل نهائي فإنها ستتبلور في نهاية المطاف،؛ إذا ليس أمام الطرفين خيار في هذه المرحلة، وإلا فإن الجهود الأمريكية والتركية مهددة بالخسارة.

لكن ذلك يتطلب ذلك دعم المعارضة لتحقيق استقرار في تلك المناطق، وتنظيم إدارة مدنية فعالة توضع خبرات تلك الدول في تصرفها، كما يتطلب الأمر تنظيم القوة العسكرية للمعارضة في الشمال والشرق، ومن غير الممكن الإبقاء على سيطرة كردية على قوات عربية تثير التوتر العرقي بين الطرفين، قد هذا الوقت الملائم لحل هذه العقدة في شرق الفرات، لم يعد هنالك قتال، صار الحكم المحلي أولوية ريثما ينضج اتفاق سياسي قد لا يحصل قبل  عام من الآن في أحسن الأحوال.

شارك برأيك

أشهر الوسوم