مرة أخرى... عن المثقف الأصفر

إضافة إلى كونه مثقفاً انتهازيا، لا يملك من المعرفة شيئاً، وليس له من همّ سوى محاولة تسفيه آراء ومعارف الآخرين، وصبّ ما يملكه من حقد، وهو كبير، على من يعدّهم خصومه، فإنه بارع في اصطياد الفرص من خلال ادعاءات مزيفة في بيئة تجهل منشأه، ولجوئه إلى مختلف الأساليب، مهما كانت درجة انحطاطها ولا أخلاقيتها، من أجل الوصول إلى مبتغاه.

إن المثقف هو من ينحاز إلى قضايا المسحوقين والمضطهدين، وإلى قضية الحرية التي تعني أول ما تعنيه حق الاختلاف والدفاع عنه، والأهم منهما هو الدفاع عن قضية الكرامة البشرية، ومحاربة كل من يسعى للانتقاص منها، وفضحه، وتعريته.

لا شك أن السلاطين والطغاة وأصحاب النفوذ يسعون لاجتذاب شريحة ممن يدعون بالمثقفين، ويجدون ضالتهم لدى كثيرين، لدى المزيفين

إنه طوباوي، بمعنى أنه يعوم خارج الظروف البشرية، وفي الوقت نفسه يمارس ما يسمح له سيده ونزواته من نهب وفساد، ويعمل على قهر من يخالفه

من المثقفين، الذين لا تعنيهم كل القيم مقابل رضى السلطان، والحصول على حفنة من القروش يلبون فيها حاجاتهم الغريزية.

يلجأ المثقف الأصفر إلى الاستعانة بالكونية، في خطوة مدروسة منه للابتعاد عن العياني، فهو ضد الاستبداد، ومع الحرية، ومدافع شرس عن الكرامة، ومنحاز إلى جانب المضطهدين، لكن من دون تحديد المكان والشرط والزمان، إنه طوباوي، بمعنى أنه يعوم خارج الظروف البشرية، وفي الوقت نفسه يمارس ما يسمح له سيده ونزواته من نهب وفساد، ويعمل على قهر من يخالفه، في تأكيد واضح "للحرية" التي أعطاها له سيده، فهو عبدٌ ويمارس الاستعباد.

مرجعيته العقل الغربي، والقيم الغربية، فتجده مع "الديمقراطية"، وينافح بقوة عن المواطنة، وعن حرية التعبير والاختلاف، و"علماني" متصلب، لكن ينقصه أمر واحد، وهو أنه لا يقرن كل هذا مع الأخلاق في الغرب التي أطرت تلك القيم، والتاريخ في الغرب، والمأسي التي مرّ بها الغرب قبل وصوله لما يعدّه هذا المثقف مثاله، لذلك تجده باحثاً "محايداً" تجاه قضايا وطنه الذي يعاني اليوم تماماً مما عانى منه الغرب قبل أربع قرون، وهذا لا يعنيه لأن التأريخ والشروط التي تشكل الحياة البشرية والاجتماعية تأتي في آخر اهتماماته، وليست ضرورية للوصول إلى نتائج "عقلانية" في بحثه.

معرفته كاملة، غير منقوصة، ففي كل فروع العلوم والمعارف له باع، وبالتالي فهو لا يعرف الخطأ، فمهمته التعليم والوعظ والإرشاد، والتثوير لجمهور منهمك في حياته اليومية ويصنع التاريخ من خلالها، ينكر تطور المعارف وتاريخيتها. معرفته مكتملة وناجزة.

في سوريا، بعد انطلاقة الثورة، أدرك هذا المثقف -بحسه الانتهازي- أن ثمة مجالاً جديداً للاستثمار، ونيل شرف البطولة، وحتى لا يقطع مع سيده المستبد، لا فيزيائياً ولا معنوياً، تبنّى منذ اليوم الأول، بكل خبث، الموقف الذي يساوي بين نظام قاتل وبين شبان وشابات يطالبون بالكرامة والحرية، هذا الموقف وفرّ له خيط النجاة، حيث صار يتحدث عن النظام

رفع من وتيرة معارضته للثورة والحرية، في عودة مقصودة لمقولات سيده، منادياً: انظروا، ها هو البديل: إنه التطرف الإسلامي الذي يذبح الناس على الهوية

وجرائمه بعبارات ممجوجة: كلنا نعرف أن هذا النظام مجرم، و"نحن" من خبرنا جرائمه. في إشارة إلى تاريخه النضالي المزيف، لكن......

بعد لكن هذه، يُطلق العنان لما هو مقتنع به أصلاً، وهو عداؤه للناس، وعداؤه للحرية، وبحجة علمانيته الزائفة، والخدمة التي أسداها له أبو بكر البغدادي وأبو محمد الجولاني؛ رفع من وتيرة معارضته للثورة والحرية، في عودة مقصودة لمقولات سيده، منادياً: انظروا، ها هو البديل: إنه التطرف الإسلامي الذي يذبح الناس على الهوية، الذي سيعيد البلاد إلى عهود فرض الجزية، وسيوقظ الفتنة الطائفية "النائمة"، ليصل بالنتيجة إلى أن الثورة السورية، بكل تضحياتها وأخلاقيتها وشعاراتها الإنسانية، ليست سوى صراع بين قوى دينية إسلامية متطرفة ستذبح أبناء الطوائف "الكريمة" على الهوية، وبين نظام مستبد لكنه لا يقتل على الهوية، ويسمح بنوع من حرية اجتماعية، وهامش سياسي يمكن التعايش معه.

بالطبع، يسمح له هذا النظام القاتل بحريةٍ ما، أن يمارس عهره، وأن ينتقد ويشتم الدين الإسلامي "كونه" مرتعاً للإرهاب والتخلف، لا بل إنه يزوده بالمنابر والمنصات، ولإضفاء شرعية ما على ذلك الهامش السياسي الذي يوفره له نظام سيده، يسمح له أن يصفه بأنه استبدادي، شريطة أن يقرنها بـ لكن....

ليس ثمة فروق جوهرية بين هذا النظام القاتل وهذا المثقف الانتهازي سوى في درجة عريهما وتوقيت انكشافهما، ولكل منهما دوره، فما إن تتوفر له اللحظة المناسبة حتى يمارس قهراً وحقداً أشد على معارضي سيده، كونه "ابن" البيت، ويعرف أسراره. وبالتالي الخلاص من الاستبداد ينهي بشكل طبيعي دور المثقف هذا بعد أن يعريه.

شارك برأيك

أشهر الوسوم