مراهقة سياسية

مع احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا والتي تدخل في أسبوعها التاسع، يميل بعض العرب الذين خابت آمالهم من مآلات احتجاجاتهم المُغتصبة أو المهزومة أو المُنقلب عليها، إلى إسقاط أوهامهم الثورية على الحركة الاحتجاجية الفرنسية المحدودة. ويتراوح الأعجاب بين قائلٍ بشرعيتها، ولو استعمل جزء من مكوناتها العنف المجاني، كما والتضامن مع مطالبها دون أية معرفة بتركيبة المجتمع الفرنسي أو حتى تاريخ الجمهورية الخامسة والتي وصل إليها الفرنسيون بعد العبور

الكره البنيوي مبرر لمحتكري العنف الشرعيين ـ أي قوى الشرطة ـ في بلاد استبدادية والتي تسودها الأمنوقراطية في أبهى حللها

المتعرّج بين تضاريس معقدة منذ ثورتهم الأولى سنة 1789 وصولاً إلى يومنا هذا. ليصل هذا الإعجاب إلى تبني "أعمى" لمطالبها التي تتجاوز الأربعين دون معرفة مطلبين اثنين على الأكثر منها. ولينتهي بهم الأمر إلى الدفاع المستميت عنها ونقد ناقديها وتسفيههم بمراهقة سياسية عالية المستوى.

كما يتبرّع البعض منهم، وبسخاء، إلى تشبيه المواجهات التي تجري في جنبات التظاهرات الاحتجاجية بين بعض المتطرفين وقوى الأمن في فرنسا، بالمواجهات التي جمعت أترابهم في بلاد العرب الممتدة من الخليج إلى المحيط. فالكره البنيوي مبرر لمحتكري العنف الشرعيين ـ أي قوى الشرطة ـ في بلاد استبدادية والتي تسودها الأمنوقراطية في أبهى حللها، أما تشبيههم، مهما كان هذا التشبيه نسبياً، بالقوى الأمنية في الديمقراطيات الأوروبية سعياً إلى تفريغ شحنات القهر المتراكم، فهو انحراف خطير عن مسار التحليل العقلاني للأمور في كلتا الجهتين.

وبمعزل عن ضرورة دعم مطالب السترات الصفراء في عمومها، هذا إن تم تحديدها من قبل أصحاب العلاقة، من حيث إنها مطالب اجتماعية واقتصادية مهمة في مواجهة ليبرالية شديدة اللهجة، فإن الموقف النقدي منها، خطاباً وممارسة، ما زال مُتاحاً في الديمقراطيات حتى إشعار آخر، ولا يمكن أن يعارضه من أثّرت بهم فكراً وأداءً سنوات الجمر في بلدانهم العربية. فالمحتجون الفرنسيون لا يثورون على طاغية وإنما يسعون للحفاظ على مكتسبات اجتماعية ميّزت فرنسا بين أترابها الغربيين منذ عقود ويُخشى أن تدفعها الليبرالية المستدامة في اتجاه التقهقر. كما هم يسعون إلى تحسين مستوى الدخل الذي تأثر بالرأسمالية الكونية وباتفاقيات التجارة الحرّة وبالكثير من العوامل المتشابكة، التي وإن هدد تضخمها أساس النظام الديمقراطي، إلا أنها لم تُظهر الكثير مما يُهدّد التجربة الديمقراطية من طرف الحكومة المنتخبة على أقل تقدير.

في الأسبوع الثامن، أعلن أصحاب "القضية" رفضهم الحلول غير المكتملة حسب رأيهم وبأنهم مستمرون في الاحتجاج على الرغم من خطابين امتصاصيين للرئيس الفرنسي وانفتاح حكومي على مبدأ الحوار مع من يُمثّلهم. وقام المنظمون بتزويد إدارة الشرطة بمسارين تم اختيارهما لرمزيتهما "الثورية". وتحديد المسار هو أمر مفروض قانونياً مهما كان سبب التظاهر أو التجمع. ولا علاقة له البتة بمضمون التظاهر وقضيته وإنما يرتبط بمسألة تقنية محددة وهي تأمين المسار ومنع العربات من السير في أوردته. وعلى الرغم من تراجع

قام ملاكم محترف سبق له أن ربح بطولة البلاد في وزنه، بتوجيه لكمات عنيفة إلى شرطي كان يمارس التراجع أمامه حتى وقع أرضاً ليُكمل المهاجم ركله مودياً به إلى المشفى.

ملحوظ أسبوعاً تلو أسبوع في عدد المتظاهرين على مجمل المشهد الفرنسي، حيث وصلوا في الأسبوع الثامن الى 25 ألفا في أقصى عدد على مختلف الأراضي الفرنسية، إلا أن العنف المجاني لجزء منهم يُساهم حتماً في تضخيم وقعهم الإعلامي والمجتمعي.

وفي محاولة للخروج عن المسار، أراد بعضهم عبور جسر يصل بهم إلى المجلس الوطني أي البرلمان، فمنعهم عدد صغير من الشرطة الذين سرعان ما صاروا هدفاً مشروعاً للضرب "الاحتجاجي" ورمي الأجسام الصلبة حتى على من وقع منهم أرضاً. وفي مشهد سوريالي، قام ملاكم محترف سبق له أن ربح بطولة البلاد في وزنه، بتوجيه لكمات عنيفة إلى شرطي كان يمارس التراجع أمامه حتى وقع أرضاً ليُكمل المهاجم ركله مودياً به إلى المشفى.

التنديد بهذا العنف التافه لا يمكن له بأية حال من الأحوال أن يستجّر تعاطفاً وتفهّماً من قبل المتابعين العرب مهما كانت الحجج الواهية التي يتدثرون بها. فرجال شرطة جسر ليوبولد سنغور، حيث جرت الواقعة، ليسوا من أطلق النار على المتظاهرين السلميين في داريا وليسوا هم من ذبح المئات في ساحة رابعة وليسوا هم من لاحق المتظاهرين في أزقة تونس العاصمة.

المجالان السياسيان مختلفان كما اختلاف التجربة الديمقراطية. وتكفي الإشارة إلى أن الشرطة الفرنسية قد أحالت أكثر من خمسين ملفاً للتحقيق فيما يتعلق بتجاوزات رجال الأمن أثناء التظاهرات، لكي نضع بعضاً من الماء الفاتر في نبيذ الخلط العجيب بين مشهدين أحدهما ديمقراطي والثاني تسلطي. فالتعاطف التلقائي مع المهاجمين لمجرّد خروجهم من ديدن التظاهرة المطلبية يُسيء إلى القضية التي يخرج من أجلها المحتجون، كما يُظهر عجزاً متضخّماً على فهم المسارات واختلافاتها.

على الرغم من عدم شعبية الكلام الذي سيرد، خصوصاً عند أصحاب الرؤوس الحامية، إلا أنه يجب البت في أمر واضح: لا تقمع الشرطة الفرنسية الاحتجاجات وإنما تحاول منع تحولّها عن مسارها عن أهدافها، لتصير عنفاً مجانياً تجاه المصالح العامة ورجال الأمن. في حين أن أجهزة الأمن العربية ومن في حكمها، تقمع من يجرؤ على التفكير بالاحتجاج في جسده وفي ماله. الخلط بين المشهدين، مهما كان الدافع نبيلاً، فهو يُترجم مراهقة سياسية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم