محاولة في تفسير بعض مواقف اليساريين

شهدت مختلف التيارات اليسارية، وخصوصاً الشيوعية منها، في آواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، حركة انجذاب الشباب والمثقفين إليها، من عموم أبناء المجتمع، لكن كانت تلك الحركة أكثر بين الشباب من أبناء الأقليات الدينية والعرقية، وكان انجذابهم أمراً طبيعياً، كون تلك الأحزاب والتيارات تطمح نحو عالم أفضل يداعب أحلامهم، قائم على التحرر الاجتماعي وعلمانية الدولة، وحق تقرير المصير للشعوب المضطَهدة، والمساواة بين الجنسين، فضلاً عن مطالبها بالاشتراكية أو العدالة الاجتماعية.

كان تبني تلك الأحزاب والتيارات للماركسية كأيديولوجية أكثر منها كفلسفة، بعد أن حولت اليوتوبيا إلى "علم"، وطريقة وحيدة تُقدّم فهماً شاملاً وحصرياً لمختلف قضايا الحياة من علوم واقتصاد واجتماع وغيره، حيث كان رائجاً تماماً في حينه أنه حتى تفهم كل التغيرات والمجريات من حولك، وفي العالم أجمع، لا بدّ من قراءة: ما هو الديالكتيك؟

كانت نقطة القصور الأولى في تلك الأيديولوجية والأحزاب التي تبنتها، هي ما يحمله مفهوم النخبة/ الطليعة

الأكثر أهمية، غياب وتغييب مفهوم الحرية أو الديمقراطية، التي تعامل معها مؤخراً هؤلاء الماركسيون كدين جديد وشكلي بينما يعادونها بالجوهر

المتشرب في الأيديولوجية ذاتها، وبالتالي في أيديولوجيا تلك الأحزاب، من دور وصائي على الآخرين، مما يبقيهم طرفاً معزولاً عن الناس وحتى عن قواعدهم الشعبية المفترضة، فدور النخبة/ الطليعة نقل الوعي وليس المشاركة مع الناس في آلامها ومتاعبها وبالتالي أحلامها. 

والقضية الأخرى، وهي الأكثر أهمية، غياب وتغييب مفهوم الحرية أو الديمقراطية، التي تعامل معها مؤخراً هؤلاء الماركسيون كدين جديد وشكلي بينما يعادونها بالجوهر، عن الأيديولوجية الماركسية، فقضية السلطة تخص مجموعة من الناس الأكثر وعياً الذين يفهمون وينوبون عن البشر، في تقرير شكل النظام وطريقة الحياة، فالحزب أو الطليعة هو المكلف بنشر التعاليم نحو الجنة الأرضية وتطبيقها، ولو اقتضت سحق كل مختلف معها، وطالما أن الطبقة المقصودة غير مشكلّة كطبقة لذاتها، أي واعية لمصالحها، فالحزب بقاعدته هو الأكثر تحرراً وتقبلاً لدعايته الماركسية، وهنا كانت الطائفة هي الأكثر تأهيلاً للعب هذا الدور، دور القاعدة الشعبية.

لاقت هذه الأيديولوجية صدى لدرجة التناغم مع الثقافة التقليدية، وبعض المعتقدات المُتخيّلة التي يتداولها بعضٌ من تلك الجماعات الدينية تجاه الفئة الأكبر في سوريا، وهم العرب السنة، بكونهم "جماعة عرقية متعصبة تجاه الأقليات العرقية الأخرى، وخاصة الأكراد، وكديانة يعدّها الكثير من أبناء هذه الأقليات منبعاً للتخلف والرجعية، وللتقاليد البالية"، وبالتالي موطناً للأحزاب الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين (وكثيراً ما كانت تطلق التعليقات حول عادات ولباس وتقاليد أبناء المدن الكبرى).

تلقت تلك الأحزاب والتيارات ضربات قوية، في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، من خلال عمليات الاعتقال الطويلة التي وصل أمدها إلى أكثر من 15 عاماً، ناهيك عن تصفيات البعض من أعضائها، إضافة إلى ما حدث من انهيار في المنظومة الاشتراكية، والموجة الليبرالية التي سادت بعد ذلك وتُوجت بعد غزو أميركا للعراق عام 2003، لدرجة هزت الكثير من قناعات هذه الأحزاب، وقادتها نحو تغيير الاسم والفكر، متحولة نحو قيم خليط من الليبرالية والعدالة الاجتماعية مع حنين دائم للجذور والأيام الخوالي.

ليس المهم هنا مناقشة تلك التحولات، هل كانت نتيجة طبيعية أو مرافقة لتغيرات في وقائع الحياة والأفكار، أم أنها كانت تماشياً مع ما هو سائد، ولكن مناقشة بعض ما توصل إليه بعض هؤلاء اليساريين من مواقف عدائية تجاه الثورة وجمهورها، وبالتالي الاقتراب من موقف نظام الطغمة الطائفي، إلى درجة مريبة.

نتيجة للعنف المفرط الذي مارسه النظام تجاه معارضيه وعلى المناطق التي خرجت عن سيطرته، من حصار وتجويع وصولاً إلى استخدام كافة أنواع الأسلحة

كشف الانقسام السياسي والاجتماعي الحاد في سوريا، عن مدى تجذر البعد الأقلوي لهؤلاء المثقفين في تشكيل وعيهم السياسي بقشرته الماركسية والتحررية

ومنها الصواريخ بعيدة المدى والأسلحة الكيمياوية؛ ازدادت حدة التدين (كونه الوحيد الذي يؤمن في حالات كهذه نوعاً من العزاء والسلوان للبشر المهددة حياتهم يومياً الذين لا يفارقهم القتل أبداً) واتخذ لدى بعض الجماعات أشكالاً متطرفة، ناهيك عن دور بعض الدول الإقليمية الداعمة للفصائل الذي لا يقل أهمية عن سابقه، لكن يبقى هذا التطرف عرضاً للسبب الأساسي وهو قمع النظام وطائفيته، وداعميه تجاه تلك الكتلة السكانية الكبرى.

كشف الانقسام السياسي والاجتماعي الحاد في سوريا، عن مدى تجذر البعد الأقلوي لهؤلاء المثقفين في تشكيل وعيهم السياسي بقشرته الماركسية والتحررية، هذه القشرة التي أمّنت لهم غطاءً "حداثياً" لقناعاتهم المتخلفة، فعلمانيتهم كانت الدفاع عن حقوق الأقليات الدينية، وحقها في التميز تجاه الآخرين (السنة)،  فهذه الأقليات متحررة من الأوهام الدينية، وتتطابق عاداتها كثيراً مع المزاج الاجتماعي لهؤلاء المثقفين (الاختلاط، تناول المشروبات، عدم الالتزام بالحجاب، وغيره من القضايا) التي يعدّها هؤلاء المثقفون مقياساً من نوعٍ ما للتحرر، لدرجة أن البعض عدّ هذه الطوائف بشكل ما هي علمانية بطبيعتها.

مما سبق؛ لا نستغرب أن يطالب أحد رموز هذا اليسار الماركسي الأقلوي بتصفية القاعدة الشعبية للفصائل الإسلامية البربرية الطائفية الإسلامية، كونها الحاضنة المنتجة لذلك التطرف، وأن يُفضل الثاني التعايش مع نظام استبدادي مدني على تلك الفصائل البربرية التي أيقظت الطائفية في البلاد، ودفاع ثالث عن انتصارات "الجيش العربي السوري" في سحق التمرد وبيئته،  واعتبار أحدهم أن الحجاب مقياس للتخلف ويجب الخلاص منه، وللمناسبة بعض من هؤلاء قضى سنوات في سجون الأب والابن!

تكشف تلك المواقف أمراً مهماً، وهو أن الطوائف والأعراق هي من كانت توظف  هذه الأحزاب، أي كانت عابرة لها، ولم تكن تلك الأحزاب عابرة للطوائف والأعراق، بمعنى آخر: كان وعي هؤلاء المتجذر هو أقلوي المضمون، ماركسي الشكل، ولم يرقَ بأي حال إلى مستوى وعي وطني، وبالتالي من الطبيعي، بالنسبة إليهم، أن يقتربوا أكثر باتجاه الاستبداد كلما تعمق الصراع أكثر، وأصبح مهدداً لامتيازاتهم، كفئة متميزة، ولسان حالهم يقول: الثورة فشلت وانهزمت لأنها تأسلمت، ولأنها تعسكرت، وليس بسبب الفظائع التي ارتكبها الجيش الأسدي ومخابراته وعصابات الميليشيات الطائفية وأسلحة روسيا بوتين المدمرة، وذلك في محاولة لتبرئة أنفسهم ورمي المسؤولية على الآخرين، لأن الخطأ لا يُقاربهم أبداً.

شارك برأيك

الأكثر تفاعلاً

أشهر الوسوم