محاكمة القتلة تحتاج إلى مراكز توثيق وطنية لجرائمهم

معرض صور "سيزر" الشهيرة لفضح جرائم "نظام الأسد" بحق المعتقلين السوريين (إنترنت)

بعد دخول السوريين عامهم الثامن من عالم التيه والاعتقال والقتل والنزوح والتشريد والهجرة، لأنهم طالبوا بحقهم في العيش بكرامة وحرية، مثلهم مثل بقية شعوب الأرض، فواجههم النظام وحلفاؤه بالاعتقال والرصاص والصواريخ، ومع بداية العام 2019، ما يزال السوريون يتساءلون عن مصيرهم، وعمّا ينتظرهم من آلام وأوجاع جديدة، وهل هناك بقايا أمل في أن يستعيدوا دورهم ليقرروا مصيرهم ومصير بلدهم، أم أنهم سيبقون في حالة من التيه واللامبالاة، ينتظرون الدول تقرر ما تشاء في بلدهم.

لقد صار واضحاً أن هدف الدول المتصارعة على سوريا هو مصالحها الواقعية والمتخيلة، أي المستقبلية، وأنها عملت بكل الوسائل التي تتيحها الحرب والسياسة لتحقيق تلك المصالح، وأهم ركن في تحقيق ذلك كان خلق أو تأسيس وكلاء من السوريين يعملون لحساب تلك الدول، وهو أمرٌ انعكس كثيراً على العلاقة بين الوكلاء من السوريين، وأدى إلى حالات اقتتال راح فيها المئات من القتلى، وعُقد فيها كثير من الاتفاقات على حساب قضية السوريين.

وفي الطرف السوري الوطني، تمكّن النظام الطائفي، نتيجة عنفه المفرط من جهة، وسياساته التمييزية، ودور الأطراف الإقليمية والدولية من جهة أخرى، من تشجيع خطاب الاستقطاب الطائفي، عبر المنظمات الإسلامية المتشددة مثل داعش وجبهة النصرة وبعض الفصائل الأخرى، التي اعتبرت أن كل من لم ينحز إلى الطرف المعارض هو "نصيري"، وأن الشيعة "روافض ومجوس"، والأكراد "ملاحدة"، وكلها عبر صيغ تحقيرية ناطقة بلسانٍ متعصب طائفي أيضاً، يزيد بشكل أو بآخر حدة التوتر الاجتماعي، فضلاً عن السياسي في البلاد، ويبعد عن الخطاب الوطني الذي ينشد الكرامة والحرية والمساواة بين الناس، وفق القانون.

المطلوب الذي ينبغي العمل عليه ألا تتحول ردة الفعل إلى خطاب تعتمده قوى الثورة والتغيير

لا شك في أن حالة اليأس والخذلان التي شهدها السوريون، ومدى المتاجرة أو المساومة على قضاياهم، وأولها حقهم في الحياة، ناهيك عن السكوت المطلق عن جرائم النظام التي لا تُعد ولا تحصى، وصولاً إلى ارتكاب مجازر إبادة وتغيير ديموغرافي، وقتل المعتقلين وتوزيع شهادات وفاتهم على السجلات المدنية، تدفع الناس إلى ردّة فعل غير عقلانية، ولكن المطلوب الذي ينبغي العمل عليه ألا تتحول ردة الفعل إلى خطاب تعتمده قوى الثورة والتغيير، التي قامت من أجل الخلاص من الاستبداد ونظامه أولاً. 

أمام هذه الصورة من التصارع الدولي والإقليمي، حيث مصالح الدول أولاً، ومن الواضح أنها قد تطول، والتوتر واللامبالاة التي تعمّ بين السوريين؛ يصبح من الضروري أن يسعى السوريون نحو البحث جدياً عن أشكال مقاومة تتمحور حول المصلحة الوطنية السورية، وعلى المستوى الوطني، انطلاقاً من المناطق المحررة وبلاد المهجر واللجوء، كونها تضم قاعدة حقيقية لمعارضة الأسد، وللباحثين عن الكرامة والحرية في كل البلاد، وبغية الخروج من حالة اللامبالاة، يمكن لنا فعل الكثير رغم كل الظروف.

وأول ما يمكن أن نقوم به إجراء مراجعة هادئة وجريئة، بعيدة عن المشاحنات، بغية الخروج من حالة الثبات والركود الداخلي، ومن حالة الاستتباع الكامل، والابتعاد عن التحزب والفئوية نحو خيار الحد الأدنى الملتزم بقضايا السوريين كلهم، من دون تمييز عرقي أو مذهبي، سوى المعيار الوحيد: الانحياز إلى الوطن والحرية والكرامة، ومناهضة الاستبداد. 

العمل على إنشاء مراكز توثيق وطنية رزينة وموثوقة، تنهي حالة التشرذم القائمة بين مراكز التوثيق

وثانيها، وهو لا يقل أهمية عن السابق، العمل على إنشاء مراكز توثيق وطنية رزينة وموثوقة، تنهي حالة التشرذم القائمة بين مراكز التوثيق، وتُجمّع المعلومات عن انتهاكات النظام ورجالاته الذين قاموا بها من ضباط المخابرات والجيش والذين أصدروا الأوامر بالقتل، وقبل ذلك توثيق حالات الاعتقال والتعذيب والقتل من الناجين، إضافة إلى الصور التي سرّبها قيصر، والصور التي التقطها الأقمار الصناعية، وغيرها من الوثائق والأدلة التي تفيد في إدانة المجرمين، وتكوّن ذاكرة وتاريخا للسوريين. 

لقد عانى السوريون كثيراً من تعدد منصات المعارضة والجهات الممثلة لها، حتى باتت في نظر دي ميستورا وغيره "معارضات" لا تتمتع بالمصداقية، وهو الأمر الذي أضر بقضية السوريين، وينبغي ألا يتكرر ذلك مع قضايا التوثيق.

ليومنا هذا، ما تزال البنادق هي من يرسم الحدود ويحدد المواقف، وقد ترسم لنا مستقبلنا، وتحدد لنا نظام الحكم، لكن علينا أن نكون على ثقة بأن ذلك مؤقت، وسيأتي اليوم الذي تتم فيه محاكمة القتلة، وسيكون لتلك الوثائق والأدلة الدور الأكبر في تحديد مصير القتلة.

قد لا يتيح النظام الدولي الحالي -نتيجة الدور الروسي المعطل وتردد الغرب- إمكانية لمحاسبة أنظمة الإجرام والقتلة، وأولها النظام السوري، ولكنه بالتأكيد ليس نظاماً أبدياً، فالمصالح بين الدول متغيرة وبالتالي المواقف أيضاً، وعلينا أن نكون مستعدين لتلك اللحظة، حيث للوثائق والأدلة دور كبير في الإدانة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم