مجتمع التجانس ثوريا

شكل التهجير القسري أحد أبرز سياسات النظام وحلفائه ضد المدن والأحياء التي طالبت بالتغيير في سورية، كمدخلٍ لسحق معاقل الثورة وإحداث تغييرات ديمغرافية كبيرة على الأرض تتسق مع خرائط المصالح والنفوذ المتفق عليها بين القوى الكبرى ودول الإقليم، وهو ما منح الأول طوق نجاة باعتباره وكيل خدمات دولي قادر باستمرار على التكيف مع المطالب والمهام الجديدة مهما كانت قذرة.

من البديهي القول بأن النظام اعتمد على مثل تلك السياسات كاستراتيجية ثابتة في سبيل إنقاذ حكمه ومقاومة إرادة التغيير وصولًا لتكريس مجتمع التجانس الخالي من أي معارضة لطبيعة الحكم،

مجتمع التجانس على الصعيد الثوري يخلو من أي رؤى أو أصوات لا تتفق مع ما وضعته إدارات تلك المؤسسات من برامج عمل –بالتنسيق مع الممول- وهو ما ساهم بشكل أو بآخر لما وصلنا إليه من نتائج مؤخرًا.

وإعادة إنتاج جمهورية الصمت "والعبيد" التي لا تتقن شيئًا سوى التسبيخ بحمد القائد وتتضرع أمام الله لأن الدولة أعادت إليها وطنًا من الركام وأبناءً في أكفان وطنية، ثم "تطور" هذا المفهوم خلال مراحل ترويض الثورة لتظهر صور أخرى تمدح وتشكر الاحتلال على إنجازاته العتيدة بالشراكة مع الجيوش الوطنية شمالًا وجنوبًا.

المفارقة تكمن في أن سياسة التهجير القسري ضد "المعارضين أو الثوار" لم تكن حكرًا على النظام، ونظرة سريعة إلى ما تشكل من مؤسسات على ضفاف الثورة تؤكد بأن هذا الأسلوب اتبع كمنهج لإنتاج نموذج آخر من مجتمع التجانس على الصعيد الثوري يخلو من أي رؤى أو أصوات لا تتفق مع ما وضعته إدارات تلك المؤسسات من برامج عمل –بالتنسيق مع الممول- وهو ما ساهم بشكل أو بآخر لما وصلنا إليه من نتائج مؤخرًا.

ممارسات التهجير القسري "ثوريًا" ربما اختلفت في الأدوات والأساليب عن مثيلتها لدى النظام أو "الأعداء" لكنها تطابقت في النتائج، ووصلت إلى حالة متجانسة -على المستوى المؤسسي للثورة- أسفرت عن استبعاد عدد كبير من الطاقات والخبرات التي كان بإمكانها تغيير مفردات الواقع والمساهمة في تأسيس حالة مغايرة تعمل وفق مصلحة المجموع وليس بناء على المصالح الشخصية للأفراد، إضافة لخسارة العديد من الفرص المتاحة لبناء علاقات متينة مع مؤسسات المجتمع المدني في دول اللجوء واستثمارها كجماعات ضغط وإسناد لتحقيق بعض المكاسب الإنسانية على الأقل.

بالتالي يصبح هناك الكثير من الدوافع المنطقية للتساؤل هل ما حدث على صعيد مؤسسات "الثورة في المنفى" كان مصادفةً؟ ويحق للكثيرين أيضًا التمترس خلف وجهة نظرهم التي تقول بأن ما حدث كان منذ البداية بناءً على أوراق اعتماد درستها الدول المانحة والداعمة بعناية فائقة لاختيار شخوص ووجوه مهمتها تعبيد الطريق للوصول إلى النتائج التي تواجه الواقع السوري حاليًا، والتبجح في استخدام لغة وخطاب يصنعان نموذجًا معلبًا من الأمل المبني على أوهام في مواجهة حقيقة الإخفاقات على الأرض.

التوصيف السابق لا يعتمد على نظرة مؤامراتية نابعة من واقع الهزيمة المعاش وما يشكله من حالة ضغط عاطفي، بل له الكثير من المبررات الموضوعية، وأي عملية مواجهة أو مصارحة مع الذات على صعيد الثورة ستقود حتمًا إلى نتائج توضح بأن مسار إنشاء المؤسسات المرتبطة بالأخيرة ومجمل ما اعتمدته من سياسات وبرامج عمل كان بهدف "ابتكار" نقطة تقاطع مع ما يفعله النظام على الأرض، وصولًا لنوع من الشراكة بين الطرفين عنوانها وراثة ما يتبقى من فتات السلطة وهو ما تؤكده التسويات المقترحة والمزمعة.

أخطاء و"جرائم" المؤسسات الثورية في شتى مجالات عملها كبيرة وكثيرة، وأدت فيما أدت إليه إلى شيوع مناخ من المصلحية والانتهازية داخل مجتمع اللاجئين السوريين،

مجتمع التجانس ثوريًا هو واقع معاش مورس ويمارس حتى الآن، وكان له آثار في غاية الخطورة سيما على مجتمع الثورة، ليس أولها إشاعة اليأس وتكريس قناعات مفادها أنه لا جدوى من أي عمل أو فكرة بسبب الواقع شديد التعقيد.

ساهم إلى حد كبير في ضرب الأسس الوجدانية والإنسانية الضرورية لإقناع المجتمعات المضيفة بعدالة القضية التي ندعي جميعًا بأن خروجنا من سورية كان للدفاع عنها ونصرتها، ومن هنا يمكن فهم عزوف قطاعات واسعة عن العمل في الشأن العام خاصةً بعد التسريبات الكثيرة عن قضايا الفساد المالي والأمني والأخلاقي داخل مؤسسات وتجمعات المعارضة.

مجتمع التجانس ثوريًا هو واقع معاش مورس ويمارس حتى الآن، وكان له آثار في غاية الخطورة سيما على مجتمع الثورة، ليس أولها إشاعة اليأس وتكريس قناعات مفادها أنه لا جدوى من أي عمل أو فكرة بسبب الواقع شديد التعقيد، وليس آخرها إعادة إنتاج وتلميع ثقافة "الأبد" على صعيد "المعارضة"، وهو ما ساعد في تثبيت العديد من المفاهيم لدى الوعي الجمعي للسوريين دأب النظام على اعتمادها منذ عقود وأبرزها أن الفساد والديكتاتورية والمنفعة هي قيم متأصلة في المجتمع وبالتالي فإن أي عملية تغيير لن تجدي نفعًا والأفضل العمل تحت سقف النظام "الوطن" من أجل الإصلاح.

في ثنائية الأمل واليأس ضمن تفاصيل الحالة السورية يبدو الثاني مطبقًا على الضمائر والوجدان، وهو ما سيقود ربما -ضمن مبررات منطقية- لاستغراق وجوه الهزيمة في عقد الندوات والمحاضرات تحت عناوين مراجعة التجربة والوقوف على الأخطاء بهدف تثبيت دعائم اليأس أكثر انطلاقًا من ملامحه الآدمية على الشاشات وخلاصاته اللغوية في "الكتب والدوريات والصحف" ، ما يعني بأن الأول سيبقى في وضع الميت سريريًا ريثما تنجح أدواته في إنتاج رد فعل حقيقي يفلح في تحطيم أواصر التحالفات القديمة المتجددة بين السلطة والمال والمثقف والدين في مجتمعاتنا.

شارك برأيك

أشهر الوسوم