مبادرات لإطالة الوجع السوري

يعرف الأوروبيون من تجاربهم الذاتية ومِحَنِهم التاريخية أنَّ الحل الأوحد للدكتاتورية هو التخلص من الدكتاتور شخصاً ونظامَ حكم، إلا أنهم يماطلون في القضية السورية البيّنة، ويقترحون حلولاً ترقيعية من شأنها إطالة عمر الدكتاتور وترسيخ نظام حكمه الذي يملك خاصية الفيروسات في التأقلم والتمظهر بأشكال جديدة يغدو علاجها أصعب، وصولاً إلى مرحلة لا تعود فيها المضادات مجدية ما يؤدي للاستسلام للمصير المحتوم.. الموت!.

ومع ضلوعهم في القضية السورية وتدخلهم عسكرياً حيث تتمركز مصالحهم، يطلّ علينا الفرنسيون باقتراح مفخّخ ينسف جملة من الخطوات التي قطعها متداخلون آخرون، ويوصل السوريين -إن تمّ- إلى قعر اليأس، ومع هذا رفضه رأس النظام، بشار الكيماوي، فقط لأنه يأخذ السوريين المنفيين بالاعتبار!.

المقترح الفرنسي يفترض الكفَّ عن محاولات تشكيل لجنة دستورية وطيّ صفحتها، مستعيضاً عنها بدستور بشار الأسد الذي أعاد قولبته عام 2012 ليعيد إنتاجه

يؤسس المقترح الفرنسي على دستور 2012 بعد تعديلات تجميلية لا ضامن لتطبيقها ولو شكلياً في ظل النظام القمعي الذي يخلق تهمة "خيانة عظمى" من تلميح أو مجاز!

ونظامه "ديموقراطياً"، ويُبقي على الحالة السياسية في غيبوبة كاملة، ويصادر احتمالية أي تغيير مستقبلي بتطويق الحريات الإعلامية والإطباق على القضاء وإرساء تغوّل الأجهزة الأمنية.

ويؤسس المقترح الفرنسي على دستور 2012 بعد تعديلات تجميلية لا ضامن لتطبيقها ولو شكلياً في ظل النظام القمعي الذي يخلق تهمة "خيانة عظمى" من تلميح أو مجاز!.. وشملت تلك التعديلات: مهام وصلاحيات رئيس الجمهورية، واستقلالية القضاء، وعلاقة الأجهزة الأمنية بمؤسسات الدولة، ثم التوجه إلى "انتخابات نزيهة" تشرف عليها الأمم المتحدة. وهو ما رفضه نظام الأسد مشترطاً اقتصار "العرس الديموقراطي" على الداخل فقط، إذ إنّ سوريّي المنفى ربما يطيحون بنصف المعادلة الدكتاتورية (شخص الدكتاتور)، فيما يبقى النظام الأمني المتجذر جاثماً على الصدور والقبور.

المؤلم في الاقتراح الفرنسي -بعد كل هذا الموت السوري- أنّ فرنسا وشركاءها الغربيين جميعاً، يعرفون أكثر منّا أنّ الإصلاح في الشرق المفجوع لا يكون دستورياً في مراحله الأولى، وها هي مصر تعطي شاهداً ودليلاً، فبعد ثورة وحكم انتقالي ودستور جديد، عادت الثورة المضادة لتقتل الأحلام وتكمم الأفواه وتصادر الحريات بالدستور!.. الدستور نفسه الذي أنتجته الثورة.. والذي أصبح مرجع قتل المعارضين

إنّ الاستغلاق في القضية السورية من جراء تعطيل روسيا كافة المسارات السياسية، دفع الأوربيين لليأس والتخبط

ومشرع ملاحقة المتأففين، وملاذ المتنفذين ودرعهم الواقي، كل ذلك بيد القضاة "المستقلين" الذين غدوا رجال أمن من الطبقة الدنيا في مصر السيسي، مصر الإعدامات والإفقار والتجهيل.. برعاية "دستور" الثورة المُغتصب.

إنّ الاستغلاق في القضية السورية من جراء تعطيل روسيا كافة المسارات السياسية، دفع الأوربيين لليأس والتخبط، وهو ما يُخشى أن ينتهي بالانسحاب من المشهد على غرار ما فعلته واشنطن مؤثرة السلامة المؤقتة على حساب خطر استراتيجي محدق لن يتخفّى طويلاً، إذ سيظهر عما قليل بزيّ ميليشيات متحكمة تفرض سطوتها على طرق التجارة وحدود بلاد الشام والعراق مهددة المصالح الأميركية والأوروبية والعربية بالطبع، وحينئذ ستكون شروط التفاوض أعلى كلفة، وتحقيق حسم عسكري أبعد منالا..

ولا تحتاج فرنسا لمن يذكّرها بأن الدولة العربية الأقرب إليها والأهم، الجزائر، شهدت وتشهد الآن مخالفات دستورية تصل حدّ ذبح الدستور، فالرئيس بو تفليقة وحزبه الحاكم عدلوا الدستور وعبثوا به وفق ما تقتضيه مصالحهم الشخصية والحزبية، كما أنّ الدستور الجزائري يقول بإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية عند الموت أو المرض المُقعد، ولا تشك فرنسا ولا غيرها بأن الرئيس عبد العزيز بو تفليقة عاجز تماماً عن أداء مهامه، وينسحب المشهد على السودان التي لم يترك البشير خرقاً إلا وأحدثه في دستورها.. فعن أي تعديل دستوري يتحدث الفرنسيون، في بلد عُدّل فيه الدستور خلال 20 ثانية عام 2000 ليبشّرنا بحقبة بشار الأسد.. أبشع حقبة في التاريخ السوري وربما الإنساني بأسره.  

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم