ماذا يعني أن تكوني امرأة سورية الآن؟

تبدو النتيجة صادمة لدى مقارنة المرأة السورية بغيرها من النساء، ورغم أن فلسفة المقارنة فلسفة شيطانية في الأصل وتعود إلى إبليس الذي طرد من الجنة عندما رفض السجود لآدم بدعوى أنه خلق من نار وآدم من طين، إلا أن أية مقارنة بين السورية وغيرها ستظهر ملائكية الأخيرة ولن تخرجها المقارنة هذه من الجحيم الذي تعيش فيه.

أبدأ في الحديث عن النساء في مناطق النظام وعن حزمة الحقوق في القوانين الوضعية السورية، تجدها مهادنة  للمجتمع إلى حد كبير المجتمع حتى في أحدث نسخها والتي صادق عليها النظام السوري قبل شهر تقريبا، يعطي فيه للمرأة بعضاً  من حقوقها التي هي لها في الأصل كحقها في اشتراطها عدم اقتران زوجها بثانية في العقد وهو ما لم يتضح بعد آلية تنفيذه مع امتداد شبح العنوسة في مناطق النظام و الذي قارب على وضع سوريا في الصدارة لجهة نسب العنوسة عربيا و عالمياً، وليس من الخيال العلمي الحديث عن قرب إطلاق تسمية "كوكب زمردة" على دمشق بعد موت وسفر وإصابة  السواد الأعظم من الشباب السوريين هناك.

عدا عن جملة القوانين التي تحتاج ثورة وحدها في سوريا وأعني بها، تلك المتعلقة بجرائم الشرف، ووفقاً لأوسع تقرير عن هذه الجرائم نشرته مؤسسة Researcher Global CQ  في 2011 فإن عدد جرائم الشرف في سوريا يتراوح بين 300-200 حالة سنويا، وهو ما يضع سوريا في المرتبة الرابعة عربياً والخامسة عالمياً، وهو ما تفضل وزارتي العدل و الأوقاف والمركزي للإحصاء صم آذانهم وإغلاق أعينهم وأفواههم عنه.

فلا يزال هذا القانون المتعلق بهذا النوع من الجرائم نقطة سوداء في التعاطي مع المرأة السورية ومحك يسقط ادعاء علمانية الدولة السورية كما يحب النظام أن يسوق لهوية الدولة السورية.

أما المرأة في شرق سوريا فلتلك حكاية  أخرى، فهي إما هاربة من مناطق سيطرة داعش مع أطفالها و إما مجندة إجبارياً في مناطق سيطرة الوحدات الكردية.

ولا تبدو الأمور أقل سوءاً إذا قارنت السورية بنفسها ولكن على الضفة الثانية، فأن تكوني سورية اليوم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام  بعبارة أخرى المحررة، يعني أنك خاضعة لجملة أعراف وتقاليد يضغطك بها المجتمع المحيط بعد إغلاق كافة المحاكم الشرعية التابعة للفصائل وفرض قوانين ما يسمى حكومة الإنقاذ، وليس آخرها  قرار منع الأرامل من السكن بمفردهن في مخيم حدودي مخصص للأرامل أصلاً، واشتراط وجود محرم شرعي مع الأرملة أو بجانبها، وهو قرار تحدته الأرملة السورية و قاومته بمفردها بل وأسقطته كأنه لم يكن، تحت تأثير ضغط الرأي العام ووسائل الإعلام وهو إنجاز يحسب لها بلا شك.

وهذا المجتمع إذ يفرض عليها قيودا تحد من حركتها ويتدخل في تفاصيل حياتها لا يجد حرجا في أن تتولى المرأة واجبات الرجل في القيام بأعباء المنزل من إصلاحات وتسوق وغيرها.

أما المرأة في شرق سوريا فلتلك حكاية  أخرى، فهي إما هاربة من مناطق سيطرة داعش مع أطفالها و إما مجندة إجبارياً في مناطق سيطرة الوحدات الكردية ( الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي ) التي تمارس إرهابا حلالا مسموحا به دوليا في اضطهاد النساء وتجنيدهن قسريا و بأعمار صغيرة، حتى في المناطق ذات الغالبية العربية والصبغة العشائرية في ريف الحسكة و الرقة و تل رفعت، و كذلك تجد المرأة مجبرة للقبول بسلطات الأمر الواقع  ومنها القبول بالزواج المدني تضرب الوحدات الكردية بعرض الحائط القيم والعادات والتقاليد العشائرية والمجتمعية التي تؤمن أن المهر ركن أساسي في صحة عقد الزواج وحق للمرأة في الوقت نفسه، كما غالبية النسيج السوري.

ومنذ انحراف المسار السلمي للثورة السورية إلى العسكرة وجدت المرأة السورية نفسها مدفوعة إلى الصفوف الخلفية وجدران منزلها الأربعة والتي لم تلبث أن هجرت منه إلى مخيم هنا ومن ثم هناك، وصولاً إلى الحدود التركية، ووجدت النساء السوريات أنفسهن وحيدات في تحمل أعباء الأسرة والأطفال، بعد التحاق المعيلين الرجال بصفوف الجبهات الأمامية، وربما تشكل لها عودة ابنها أو زوجها أو أخيها سالما حلماً، وربما توصف بأنها مترفة للغاية إذا فكرت في الاستقرار في ذات المنزل أو الخيمة لمدة عام.

هنا ستجد شكلا واحداً، نموذجا واحدا فقط وهو حقاً نموذج جميل ومشرف، ولكنه لا يكفي نحن بحاجة إليكن جميعاً، وفي يومك العالمي أيتها السورية ميزي تماماً بين أن تكوني مسلمة وأن تكوني مستسلمة.

في سوريا الحرة اليوم نماذج مشرفة لسيدات رحم الله من وصفهن بالصحابيات الجدد، هنا ستجد أم الشهيد، وأرملته وابنته ستجد زوجة المعتقل، ستجدهن صابرات صامدات وصامتات، ولكم من الصعب أن يحظى إعلامي أو إعلامية بتسجيل مصور لإحداهن وهي تتكلم أمام الكاميرا.

فالحكم هنا للصورة النمطية التي فرضها المجتمع المحيط من أعراف وعادات وتقاليد أكثر من حقوق واجبات، أو حتى نصوص شرعية.

الأمر ببساطة ثقافة مجتمع وأطر نمطية تبدو المرأة مستسلمة لها تماما ولا تكاد تجد بينهن من تحاول كسرها اليوم، فلن تجد مي سكاف بخصل شعرها غير الملونة وعباراتها المحفورة في القلب أو فدوى سليمان بشعرها الحليق وأغنياتها الثورية أو حتى رزان زيتونة بربطة شعرها وبمهنيتها القانونية العالية، ولن تجد حتى الأيقونة سعاد الكياري بحطتها الحمراء وسلاحها، جميعهن رحلن.

هنا ستجد شكلا واحداً، نموذجا واحدا فقط وهو حقاً نموذج جميل ومشرف، ولكنه لا يكفي نحن بحاجة إليكن جميعاً، وفي يومك العالمي أيتها السورية ميزي تماماً بين أن تكوني مسلمة وأن تكوني مستسلمة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم