ماذا علمني جلال أمين؟

"من أنواع الكذب الذي ليس من السهل اكتشافه: هو أن يكتب أحدهم عما لا يهمه حقيقة ويتظاهر فقط بأنه جدير بالكتابة" جلال أمين.

ماذا حدث للمصريين؟

نجح غلاف حلمي التوني الذي رسمه لكتاب "ماذا حدث للمصريين؟" في جذب انتباهي وأنا طالب في الجامعة، اشتريت الكتاب ولم يخذلني، كانت بوابة لعالم جلال أمين. من هذا الكتاب عرفت معنى الحراك الطبقي والاجتماعي وصعود بعض الطبقات الاجتماعية في سلم المجتمع وتأثير ذلك على الأخلاق والعادات. في هذا الكتاب وجدت كتابة كنت أبحث عنها دون أن أعرف أوصافها قبل ذلك، كتابة تجمع بين المتعة وسلاسة العرض وبين وجود فكرة أصيلة لفهم حياة المجتمع. كان الكتاب مهتماً برصد التحولات التي حدثت في المجتمع المصري، وكان من أطرف الفصول التي قرأتها الفصل الذي كتبه عن الشواطئ والمصيف في مصر، وكيف تغيرت تلك الأماكن التي يذهب لها علية القوم، والتي بدأت من الإسكندرية واستمرت في الاتجاه غربا حتى وصلنا للقرى السياحية في الساحل الشمالي. كانت أفكار الكتاب طريفة وتشجع الذهن على استبصار التغيير.

تقادم العهد مع هذا الكتاب ووجدت الآن فيه بعض المغالطات مثل الحديث عن أثر الفكر الوهابي من خارج مصر كتفسير لكل الشرور التي حدثت، لكن حديثه عن أثر الهجرة للخليج لافت رغم أن الكاتب تشعر أنه غارق في الحنين لعصر أكثر أصالة دون أن يحدد أي عصر.

شخصيات مصرية فذة وشخصيات لها تاريخ

في الوقت الذي دخلت فيه عالم "كتب جلال أمين"، وجدت له كتيباً صغيراً في دار المعارف بعنوان "شخصيات مصرية فذة". في هذا الكتاب الذي يتحدث فيه العديد من الشخصيات من مجالات مختلفة مثل الصحافة أو الفن، جلال أمين ماهر في كتابة المقالة التي تصف شخصية. يحاول أن يلتقط صفة مميزة أو مفتاحاً للشخصية، ويحكي لك ما أثر هذه الشخصية في عصرها. عندها استعرت من صديقي كتابه الآخر "شخصيات لها تاريخ"، وفي هذا الكتاب يبدأ بالصحفي أحمد بهاء الدين في فصل بعنوان "أربعون عاماً من الكتابة الراقية". ومن هذا الكتاب عرفت الصحفي والسياسي فتحي رضوان ودوره كمعارض، ومن الطريف أنني أصبحت محباً لكتابات رضوان خصوصاً كتاب "عصر ورجال". وفتحي رضوان شخصية حيرتني بهذا الرصيد لدى الجميع في مصر، عمل وزيراً مع عبد الناصر ثم ترك الوزارة وكتب كتاب "72 شهراً مع عبد الناصر". وكانت له علاقة مع الأستاذ محمود محمد شاكر الأديب والناقد المعروف، وكتب فصلاً عن حياة محمود شاكر بعنوان "الرجل والأسلوب"، وكان من رواد ندوة العقاد. ومن أعجب ما وجدته عن فتحي رضوان هو شكر أيمن الظواهري له في مذكراته، فقد حكى أن فتحي رضوان قد ترافع عنه وعن بعض المتهمين بعد مقتل السادات، وكان محامياً مفوهاً. كان فتحي رضوان قد خرج للتو من المعتقل، بعد اعتقالات سبتمبر التي أمر بها السادات قبل قتله، وعندما أطال في المرافعة اعتذر للقاضي فرد القاضي "إحنا جايين نسمعك يا أستاذ فتحي". وزاره أيمن الظواهري وأهدى إليه كتاب "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر" لمحمد محمد حسين، ذلك الكتاب الذي قام بأدلجة الأدب ومحاسبة الأدباء على مواقفهم السياسية بطريقة تنزع منهم أهم صفة فيهم وهي الفن والإبداع، إنه أشبه بمحاكمة.

ومن جلال أمين تعلمت العلاقة بين الأفلام والمجتمع عندما قرأت تحليله لفيلم "المنسي" فاكتشف زوايا لم أنتبه لها، وهكذا وجدت في ممارساته النقدية عن الكتب والشخصيات والأفلام بوابة لفهم مجتمعي.

يضم الكتاب مراجعة لحكم عبد الناصر والسادات وفصلاً عن مبارك والديمقراطية نشره في عهد مبارك، وتحدث فيه عن أدباء مثل لويس عوض ويوسف إدريس. ومن جلال أمين تعلمت العلاقة بين الأفلام والمجتمع عندما قرأت تحليله لفيلم "المنسي" فاكتشف زوايا لم أنتبه لها، وهكذا وجدت في ممارساته النقدية عن الكتب والشخصيات والأفلام بوابة لفهم مجتمعي.

هنا نقطة يجدر الوقوف عندها، وهي أن جلال أمين لا يكتب عن الشخصيات ليمجدها أو يحتفي بها، وإن كان هذا أحد أهدافه مع بعض الشخصيات المظلومة التي لم تأخذ حقها مثل جمال حمدان. فهو يحمل حملة شعواء على المخرج يوسف شاهين، في وقت كانت الأوساط الثقافية تمجد أفلام يوسف شاهين. وهو مستعد لكتابة فصل كامل عن شخصية ليسأل عن جدوى ما قامت به مثلما فعل مع ثروت أباظة، وهو يتشكك في منجزه الأدبي والروائي في فصل بعنوان جريرة السبعينيات. وكذلك عندما كتب عن الموسيقار محمد عبد الوهاب بعنوان رؤية من اليسار، ونقده لكتاب "الخبز الحافي" لمحمد شكري. ومن هذا الكتاب كرهت توماس فريدمان فما أن يظهر بوجهه على شاشة التلفزيون حتى أتذكر هجاء جلال أمين له، ومنه تعرفت على مارجريت تاتشر وهو يتهكم عليها وعملها في شركة تبيع السجائر بعد خروحها من الحكم. وقد لاحظت أن جلال أمين يهتم بحياة بعض الفنانين ويكتب عنهم مثلما كتب عن ليلى مراد في هذا الكتاب وسعاد حسني في كتابه شخصيات مصرية فذة، وعندما انتهيت من هذا الكتاب قرأت له "كتب لها تاريخ" وكنت بعدها أبحث عن الكتب التي يذكرها[1].

جلال أمين لديه القدرة على أن يستشهد بجوزيف شومبيتر الاقتصادي الشهير وبنظريته عن رب العمل في مقالة عن المقاول المصري عثمان أحمد عثمان، إنه يربط بين ما تلقاه في علم الاقتصاد وعلم الاجتماع وبين حياة المجتمع الذي يعيش فيه، وهو متحرر من أي تعظيم للأدباء مثل نجيب محفوظ، فهو يقدر قيمته كروائي لكن يناقشه في كثير من أقواله مثل تلك التي تكلم فيها عن قضايا التنمية، جلال أمين قادر على الحديث عن إدوارد سعيد والراقصة تحية كاريوكا في مقالة واحدة.

 رحيق العمر أو لماذا تخيب الأمال؟

"ماذا علمتني الحياة" و"رحيق العمر" و"مكتوب على الجبين" كلها سير ذاتية لجلال أمين، وهي ممتعة وجميلة وتقرأ فيها تاريخه الشخصي وتاريخ البلد. كنت أقرأ "ماذا علمتني الحياة" في ليالي الامتحانات الجامعية قبل أن أنام وأنا في توتر شديد من الامتحانات وتفكير في الأسئلة فأمسك الكتاب وأقرأ فصلاً كاملا ثم أنام، كانت طريقة لدفع العقل بعيداً عن امتحانات الجامعة. اعتبرها سيرة ممتعة عن ابن لكاتب مشهور مثل أحمد أمين، يصرح بحياة أبوه يعترف عن نفسه أشياء كثيرة يخجل الواحد أن يقولها إلا لمعالجه النفسي، يتذكر بما يشبه الحسرة إعراضه عن والده عندما يعود في الليل، وينقل لنا مراسلاته الممتعة من لندن مع أخيه حسين أمين.

كتابة جلال أمين قادرة على أن تمتعك وأنت ترى وصفه الجميل لمباهج الحياة في لندن وهو طالب في كلية الاقتصاد، أو وصفه لزوجته الإنجليزية وحياة أهل زوجته في بريطانيا وغيرته الشديدة وإصابته بالاكتئاب

كتابة جلال أمين قادرة على أن تمتعك وأنت ترى وصفه الجميل لمباهج الحياة في لندن وهو طالب في كلية الاقتصاد، أو وصفه لزوجته الإنجليزية وحياة أهل زوجته في بريطانيا وغيرته الشديدة وإصابته بالاكتئاب، أو وصفه الحياة في الكويت وحياة الترف والدعة وكراهيته لأنماط الاستهلاك في الخليج. وفي سيرته ينهي الكتاب بسؤال حزين عن لماذا تخيب الأمال في حياتنا: يقارن فيه كيف كانت الأمال معقودة على الكثير من الأشياء والأحداث بل حتى الأشخاص ثم كانت نهايتهم باهتة أوباردة، ويفسر ذلك بأننا كبشر نبالغ جداً فيما نريده ونطمح إلى تحقيقه، وإذا كنا نبدأ بالطموح الزائد عن الحد، فما الذي يجب أن نتوقعه سوى تعرضنا للكثير من خيبة الأمل؟

لم تكن هذه نهاية قصتي مع جلال أمين، قرأت له "خرافة التقدم" وكتاب "التنوير الزائف" وجرت في النهر مياه كثيرة، وجاءت الثورة والأحداث السياسية المتتابعة والرجل غير قادر على التكيف معها ولا أتوقع أن مشكلته كانت الجبن والخوف، بل سوء الفهم، وظهور أحداث لا تفسرها مفاهيمه القديمة. لم يستطع جلال أمين رغم كل شيء التخلص من كراهيته للإسلاميين، فرحب بمجزرة رابعة وأيد الانقلاب. وكانت آراؤه السياسية في نهاية حياته عبارة عن خيبات. لقد أصبح جزءاً من الماضي. كانت نهايتي مع جلال أمين مخيبة للأمال، وعندما توفي جلال أمين أعجبني ما كتبه أحمد جمال سعد الدين بأن العلاقة مع جلال أمين تم تجاوزها وأن معرفة أخباره مثل معرفة خبر زواج حبيبة قديمة، لا توجد مشاعر من أي نوع، تقدير للأيام الجميلة وتذكر لتلك المرحلة فقط.

 

[1] كتب مثل (تلابيب الكتابة لصافيناز كاظم، موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، مذكرات قرية لعصمت سيف الدولة،  أوراق العمر للويس عوض، وغيرها).

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم