ماذا تعني انتخابات العراق للمليشيات الشيعية العراقية؟

عناصر الجيش العراقي والأجهزة الأمنية العراق يدلون بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية العراقية (الأناضول)
معهد بروكنجز - رانج علاء الدين

الانتخابات النيابية التي تجري في العراق حالياً هي الأولى التي تشهدها البلاد منذ الهزيمة العسكرية التي مُنيت بها الدولة الإسلامية في ديسمبر، وهناك آمال في أن يفتح العراق صفحةً جديدةً، وأن يمضي قُدُماً في محاولاته لمعالجة التحديات التي تواجه أمنَه والفساد المستشري والاستقطاب داخل المجتمع وضمن النخب السياسية العراقية.

هناك شعور بالحيرة وعدم اليقين يحيط بهذه الانتخابات التي يشارك فيها ما يقرب من 7000 مرشح يتنافسون على 329 مقعداً فقط – في بلد يزداد فيه المشهد السياسي تفتتاً وشرذمةً يوماً بعد يوم. لكن من النتائج شبه المؤكدة، السيطرة السياسية للميليشيات الشيعية العراقية، وهي القوة الأكثر هيمنة التي تقود قوات الحشد الشعبي، وتربطها علاقات وطيدة مع إيران. علماً بأنَّه تمَّ حشد هذه الميليشيات المؤلفة من حوالي مئة ألف مقاتل، غالبيتهم من الشيعة، لملء الفراغ الأمني الذي أعقب احتلال الدولة الإسلامية للموصل وانهيار القوات المسلحة العراقية الذي تلاه.

منذ انطلاق الحرب ضد الدولة الإسلامية، حظي الكثير من المجموعات التي كانت موجودة سلفاً والعديد من المقاتلين المتطوعين الذين تمَّ تشكيلهم حديثاً ضمن قوات الحشد الشعبي، بأهميةٍ واسعة النطاق نتيجة الانتصارات التي حقَّقوها في ساحة المعركة. وقد زاد من أهميتهم، تراجعُ أسهم الجيش العراقي ومكانته، الذي يعود جزءٌ كبيرٌ منه إلى الانهيار المحرج الذي تعرَّض له في العام 2014، حيث بات الكثير من العراقيين يعتبرون المؤسَّسة العسكرية فاسدة، ذات تاريخ غارق في القمع والوحشية.

لقد حاربت الميليشيات الشيعية في العراق – وهُزِمت – في وجه الجيش العراقي المدرَّب والمدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي تمَّ تهميشها في مراحل متعددة. علماً بأنَّها تعمل بأسلوب منظمات المافيا، التي تنخرط في الأنشطة الإجرامية والابتزاز وانتهاكات حقوق الإنسان.

وتصبح الصورة أكثر تعقيداً بسبب الطريقة اللافتة لتطوّر الميليشيات الشيعية في العراق، ومدى محافظتها – هي وقوات الحشد الشعبي- على استقلاليتهما، مع أنَّها تُعتبر نظرياً مكوِّناً عراقياً تابعاً للحكومة .فقد سيطرت ميليشيا فيلق بدر على وزارة الداخلية العراقية وموظفيها البالغ عددهم 37 ألفاً منذ العام 2003. وتحوَّلت بعض الميليشيات السيئة السمعة، مثل عصائب أهل الحق إلى حركات اجتماعية ثقافية قوية، الأمر الذي عزَّز مؤهلاتها السياسية وغطّى على سمعتها الملطخة بالدماء، من خلال التواطؤ مع الأحزاب والمؤسسات القائمة. وقد اندمجت هذه الجهات الفاعلة رسمياً في الدولة العراقية ودعمت موارد الدولة العراقية وسيادتها (مقابل الاعتراف الدولي) – مع الاحتفاظ باستقلالها المالي والتشغيلي.

هناك مفهوم خاطئ مهمّ أنَّ المجموعات المسلّحة تظهر دائماً نتيجة فشل الدولة. أما المفهوم الخاطئ الثاني فهو ذاك الذي يقول إنَّ وجود هذه المجموعات هو لعنة دائمة ضد انتعاش الدولة. فالميليشيات الشيعية هي ثمرة الأحقاد التاريخية، والاضطهاد الطويل المدى، والمظالم وإنكار الحقوق التي تساند الوعي الجماعي للشيعية في العراق. هذه الميليشيات ليست مناهضة للدولة، بل هي تبحث عن نظام سياسي داخل حدود الأراضي العراقية الحالية، على الرغم من أنَّ هذا قد يتعارض مع تصوُّرات خصومها والدول الغربية المؤيِّدة للعراق.

على أقل تقدير، تسعى هذه المجموعات المنحازة لإيران، والتي تمثل الميليشيات الأقوى والأكثر عدداً في العراق، إلى إعادة بناء العراق وفقاً لشروطها هي (وبالشراكة مع إيران)، والتي تناقض الشروط والأحكام التي وضعتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون.

بشكلٍ عام، يمكن أن تُعزى البنية التحتية التي أفسحت المجال لصعود هذه الميليشيات بعد العام 2003، إلى تعبئة المجتمع الشيعي ضد نظام البعث السابق، خصوصاً منذ فترة السبعينيات وما تلاها. فالميليشيات الشيعية متجذّرة في المجتمعات والبيئات التي تعمل فيها، نتيجةً لتفاعلات وعلاقات تطوَّرت على مدى حقبٍ زمنيةٍ طويلة.

إنَّ سيرورة الأحداث والبيئة التي تمكّن المجموعات المسلحة من النجاح لا تستغرق وقتاً طويلاً للظهور، فما أن تتأسَّس حتى يصبح من الصعب إزالتها. حتى إنَّ مجرّد محاولة إزالتها قد يؤدّي إلى انتشار المجموعات المسلحة، لا سيَّما عندما تكون هناك قوى خارجية متورطة في الصراع، حيث تحفز المصالح الخاصة لهذه القوى قدرتها على الصمود (كما هو حال العلاقة بين الميليشيات الشيعية العراقية وإيران).

وتظهر الدراسات أيضاً أنَّ العنف غير الحكومي لا يمكن أن يُعزى دائماً إلى فشل الدولة، لأنَّ الاعتماد على منفِّذي العنف غير الحكومي لطالما كان شكلاً معروفاً من أشكال التطوّر العسكري في الدول التي ظهرت فيها مؤسسات العنف اللامركزية كرَّد فعل على تغيّرات الأنظمة الإقليمية والدولية.

من الآن فصاعداً، يبدو أنَّ قوات الحشد الشعبي تسعى لأن تطوي القوات المسلحة العراقية التقليدية تحت جناحها. هل هذا ما يريده العراقيون، إنَّها مسألة قابلة للنقاش، لكن هذا الأمر سيزيد من فرص انغماس العراق في الصراعات خلال السنوات القادمة. فعلى رغم الاحترام الواسع الذي يتمتع به مقاتلو فصائل الحشد الشعبي، إلا أنه لا يخفى على أحد داخل المجتمع الشيعي، ولا على أكراد العراق والسنّة العرب والأقليات، أنَّ قيادة قوّات الحشد الشعبي ومجموعاتها المسيطرة المنحازة لإيران، قد تعهَّدت صراحة بالولاء لآية الله خامنئي في إيران، وللعقيدة التي تدعم نظام الحكم في إيران.

وسوف يساعد المناخ الإقليمي، الذي يواجه فيه الشيعة العراقيون ما يعتبرونه تهديدات وجودية لمجتمعاتهم، في صعود قوّات الحشد الشعبي. لقد قاوم شيعة العراق، على مدى التاريخ، جهود إيران لتصدير نظامها الديني إلى العراق، ومن المرجَّح أن يفعلوا ذلك في المستقبل القريب، بغضِّ النظر عن حجم الموارد التي توظِّفها إيران في المدن العراقية التي تضمُّ مقامات دينية.

ويواصل التيار الصدري، الذي يقوده مقتدى الصدر، وهو أقوى الحركات السياسية في العراق، البناء على إرث الصدر الأب، أي محمد صادق الصدر – رجل الدين العراقي القومي القوي، الذي كان يعتزُّ بالهوية العربية لشيعة العراق. الأمر الذي سيضمن تحقيق شيءٍ من التوازن في العراق، بحيث لا تتغيّر موازين القوة كثيراً لصالح المجموعات المنحازة لإيران، أو تلك التي تسعى إلى إخراج العراق من مدار نفوذ إيران، في الوقت الحالي.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم