ماذا تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني؟

تصعب اليوم الإجابة عن التساؤلات الكثيرة المتعلقة بالمشروع الوطني الفلسطيني ومعظم الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية لا سيما في ظل استمرار حالة الانقسام الداخلي فلسطينيًا والإيغال العربي في بناء وتوطيد العلاقات مع "دولة" الاحتلال، ومن هنا لا يبدو مستغربًا أن معظم السيناريوهات حيال مستقبل الوضع الفلسطيني على المستوى المنظور وحتى البعيد تحمل ما يكفي من مسوغات التشاؤم والسوداوية.

في الإطار العام صيغ المشروع الوطني الفلسطيني –في التاريخ المعاصر- بدايةً على أساس تحرير كل فلسطين ارتكازًا على زخم العمل الثوري إبان سيطرة الفصائل "الفدائية" على منظمة التحرير الفلسطينية في مطلع ستينيات القرن الماضي، ثم انتقل إلى إعلان السيادة الفلسطينية على أي شبر محرر من الأرض المحتلة وهو ما سُمي بالبرنامج المرحلي-النقاط العشرة- الذي أُقر

مجمل تكتيكات "القيادة الفلسطينية" فشلت ولم تفلح في إقناع العالم والإسرائيليين بالاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس

بالإجماع عام 1978 وتُرجم لاحقًا إلى مبدأ حل الدولتين لتأمين نوع من الغطاء الشرعي لاتفاق أوسلو عام 1993 الذي لم يكن في أي يوم من الأيام محل وفاق على الساحة الوطنية، دون إغفال الظروف الموضوعية شديدة التعقيد والتي ساهمت بدفع قيادة منظمة التحرير للذهاب إلى أوسلو.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة بدا واضحًا أن مجمل تكتيكات "القيادة الفلسطينية" فشلت ولم تفلح في إقناع العالم والإسرائيليين بالاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، بل على العكس تمامًا فإن المعطيات الميدانية تؤكد ازدياد الاستيطان أضعاف ما كان عليه قبل أوسلو، وحكومات "تل أبيب" المتعاقبة تزداد تطرفًا حيال القضايا الجوهرية وتدعهما في ذلك الإدارات الأميركية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، ومع ذلك ما تزال "القيادة الفلسطينية" الحالية مصرة على ذات النهج وتتجاهل كافة الدعوات لضرورة بلورة رؤية وطنية جديدة تستجيب لمتغيرات الواقع.

رغم كل الحيف والظلم الذي حمله مشروع الدولتين خاصةً للاجئين الفلسطينيين إلا أن الرأي العام الفلسطيني بمعظمه دعمه على اعتبار أنه ينهي مشاريع اقتلاع هذا الشعب ويقطع الطريق على المزاعم الإسرائيلية، وطموحات الكثير من النظم العربية التي كان وما زال يؤذيها وجود كيان مستقل للفلسطينيين وتريد أن تبقى القضية الفلسطينية مجرد ورقة قابلة للاستثمار في سياق تدعيم ركائز ديكتاتورياتها وتوسيع نطاق عقود توظيفها من القوى الكبرى.

واقع الحال اليوم وفي ظل المتغيرات الكبيرة والمتسارعة على مستوى المنطقة يدفع بعديد الشواهد التي تؤكد بأن هذا "المشروع الوطني" استنادًا لتفكير وتفسير ومقاربات القيادة الحالية بشقيها في رام الله وغزة لم يعد قادرًا على التعبير عن الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني وفق خارطة انتشاره (أراضي 1948/ أراضي 1967/ فلسطينيي الشتات) إلى جانب أنه عاجز عن الوقوف في وجه المشاريع الإسرائيلية المدعومة أميركيًا وغير المرفوضة عربيًا، لذلك ربما تتوفر كثير من المبررات الموضوعية لمن يعتبر بأن الإصرار على ذات السياسة هو مجرد استثمار مصالح لمجموعة ضيقة تحتكر القرار الوطني على الصعيد الفلسطيني.

انحسار أو اضمحلال المشروع الوطني الفلسطيني ليس شعارًا مستمدًا من العبث وإنما له الكثير من الأدلة الملموسة أولها استفحال حالة الانقسام، واستسهال القيادة الفلسطينية استفزاز الجمهور الفلسطيني وضرب كل القيم الوطنية وآخرها على سبيل المثال فقط ما قاله رئيس السلطة محمود عباس عن اهتمامه بالشباب الإسرائيلي وأوهام أو كذبة "المشاريع الفلسطينية الرامية لإغراق إسرائيل باللاجئين"، وقبل كل ذلك إجراءات الأمر الواقع التي تفرضها "إسرائيل" على الأرض بما أدت إليه من سحق معظم الاتفاقات وأنهت عمليًا "مشروع" حل الدولتين.

المفارقة أن المنطق الذي يقارع به عباس ومن يؤيده في صفوف "القيادة العتيدة" يرتكز على أنهم يستمدون الشرعية من منظمة التحرير الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، ويتناسون أن المدماك الأول في شرعية المنظمة نفسها مبني على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، كما تجاهلوا الكارثة الكبيرة التي حلت بمخيمات سورية نتيجة قصف النظام السوري وحلفائه وما أسفر عنه من دمار معظم هذه المخيمات وتهجير أهلها، إلى جانب استخفاف تلك القيادة بالمعطيات التي تشير إلى إمكانية أن تواجه مخيمات لبنان مصيرا مشابها.

في المقابل لا تبدو حماس أشد حرصًا على تحصين الساحة الوطنية، وترى العديد من وجهات النظر في الساحة الفلسطينية

أين المصلحة الوطنية والمبرر الأخلاقي لأن تواصل حماس تعزيز علاقاتها بطهران وتجاهر بأن هذه العلاقات غير قابلة للنقاش بعد أن أمعنت ميليشياتها تقتيلًا وحصارًا بأبناء المخيمات الفلسطينية في سوريا

بأن الأولى دقت أول مسمار في نعش المشروع الوطني الفلسطيني من خلال "انقلاب" عام 2007، كخطوة متقدمة في بلورة سياستها فيما يخص القضية الفلسطينية ووفق ما يخدم مشروعها في الاستحواذ على السلطة ووراثة منظمة التحرير الفلسطينية أو حتى اختراع بديل لها بالاعتماد على دعم بعض أطراف الإقليم، الأمر الذي منح قيادة فتح ما يكفي من المبررات لإدارة "الصراع" الداخلي على أنه جزء من الدفاع عن القرار الوطني المستقل.

المشهد الفلسطيني الغارق في مستويات غير مسبوقة من الهزلية يدفع بالعديد والعديد من الأسئلة منشؤها شعور عارم بالخيبة والخذلان على الصعيد الفلسطيني العام، فما هو السياق الوطني لأن تكون "القيادة الفلسطينية" عراب تعويم النظام السوري وأولى حلقات حبل نجاته عربيًا على الأقل؟ بينما رفضت وماتزال الاعتراف بآلاف الشهداء قُتلوا برصاص النظام نفسه وبات مصير مئات آلاف غيرهم مجهولًا بفعل ممارساته، أين المصلحة الوطنية والمبرر الأخلاقي لأن تواصل حماس تعزيز علاقاتها بطهران وتجاهر بأن هذه العلاقات غير قابلة للنقاش بعد أن أمعنت ميليشياتها تقتيلًا وحصارًا بأبناء المخيمات الفلسطينية في سوريا ولا تزال شواهد جرائمها ماثلة على مخيمات لبنان بعد أكثر من ثلاثة عقود؟.

ماذا تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني؟ هو أحد أسئلة الضمير الجمعي للفلسطينيين-أو ما بقي منه- وربما سيرسم خلال المرحلة القادمة ملامح الخارطة الفلسطينية سياسيًا واجتماعيًا، وبالتالي لا مناص من الإجابة عليه على مستوى القيادات والنخب الفلسطينية لأن الوضع الفلسطيني برمته أصبح هشًا إلى حد قد تضيع معه مجمل المكتسبات الوطنية، لا سيما في ظل الأحداث العاصفة بالشرق الأوسط والتسويات المزمعة التي تهدد بتفكيك وتحطيم مشروع الدولة الوطنية والاستعاضة عنه بمفهوم "حاميات" تتبع بشكل كامل لهذه الجهة أو تلك في "مقاربة حداثية" للكونيالية.

 من هنا استمرار الهروب من الإجابة عن الأسئلة الملحة –فلسطينيًا- خاصة من جانب قيادة حركتي (فتح/ حماس) يعني أنهما تسعيان لتمتين أوهام محمياتهما في الضفة والقطاع بعيدًا عن الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني الأمر الذي سيفتح الأبواب لتضحيات فلسطينية دون جدوى ويمهد الطريق لغرق الكل الفلسطيني في حالة من الفوضى تقود إلى التفريط بأوراق تفاوضية هي في متناول اليد، بل أكثر من ذلك فإن استمرار الواقع الحالي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج كل السيناريوهات المخيفة والتي تشكل تهديدًا وجوديًا للحقوق الفلسطينية.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم