ماذا بعد إدلب.. وإدلب إلى أين؟

بعد هدوء مؤقت ساد كافة المناطق المحررة في الشمال السوري، عاد الأسد والميليشيات المتحالفة معه إلى اختراق اتفاقات أستانا وسوتشي، وكما حدث سابقاً في باقي مناطق ما يسمى خفض التصعيد وهذا يدل وبشكل واضح على أن الأسد وحلفاءه وعلى رأسهم المحتل الروسي لن يهدأ لهم بال إلا باستعادة كافة المناطق التي حررها الجيش الحر من قوات الأسد، وقد تركوا لمشغليهم أسلوب وطرق إيجاد الظروف الملائمة لتحقيق هذا الهدف، وهذا يجعل الكثيرين يتساءلون عن جدوى اتفاقات أستانا ومن بعدها سوتشي إذا كان الهدف النهائي هو تسليم كافة المناطق المحررة للأسد؟

ومن حق الشعب السوري أن يعرف من يكذب على من إذا كانت  اتفاقات الأستانا تهدف إلى خلق مناطق آمنة للشعب السوري "خفض تصعيد" في المناطق المحررة من خلال إيقاف القصف

أهم ما اتُفق عليه هو إيجاد منطقة عازلة بين الطرفين المتحاربين بعمق من 15 إلى 20 كم،أي أنّها  كانت على حساب المناطق المحررة فقط

الجوي الروسي والأسدي عليها، وهذا ما ادّعاه من شارك في هذه المؤتمرات وهندسها، لكن ما حصل أن القصف الجوي لم يتوقف على هذه المناطق لا بل استُخدم الكيماوي في الغوطة الشرقية إحدى مناطق خفض التصعيد، وتم تهجير معظم سكانها إلى الشمال السوري كما حدث في درعا والقنيطرة والشمال الحمصي، وهذا يدل بشكل واضح على أن هذه الاتفاقات تمت لتسليم المناطق المحررة بالتدريج، فالمناطق الأربع  التي تم الاتفاق عليها لم يتبق منها إلا ادلب وما حولها من المناطق، وإذا دققنا في الاتفاق الذي عقد في سوتشي بين الروس والأتراك لوجدنا أن أهم ما اتُفق عليه هو إيجاد منطقة عازلة بين الطرفين المتحاربين بعمق من 15 إلى 20 كم،أي أنّها  كانت على حساب المناطق المحررة فقط على الرغم من الضجة الإعلامية التي اخترعها الطرفان للتغطية على حقيقة الاتفاق القاضي بإيجاد منطقة عازلة من ضمن الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، وبهذا تم اقتطاع نحو 25% من المناطق المحررة دون أي مقابل وتمّ سحب السلاح الثقيل من المنطقة من قبل قوات المعارضة، ولم يتم تحريك أو سحب أي قطعة سلاح من قبل قوات الأسد أو الميليشيات الطائفية المتحالفة معها وبهذا تم خرق هذا الاتفاق المعلن من بداية تنفيذه!

 إن ما حدث من اتفاقات في سوتشي وقبلها الأستانا، خطط له من يريد إعادة إنتاج الأسد ونظامه من خلال مجموعة من أصحاب المصالح الشخصية والحزبية الضيقة والتي لا ترتقي إلى تطلعات وتضحيات الشعب السوري المكلوم بأبنائه، معتمدين على الإرهاب المنظم الذي استخدمه المحتل الروسي عبر آلته الحربية الجوية لإيجاد ذريعة لأدواتهم مستخدمين سياسة القضم المنظم للمناطق المحررة، وبالتدريج إلى أن وصلوا إلى أكبر المناطق المحررة التي تضم الكثير من المقاتلين الذين لم يقبلوا مصالحة الأسد المؤمنين بعدالة قضيتهم وضرورة تحقيق النصر مهما كلفهم من ثمن، بالإضافة إلى الكثير من فصائل الثورة التي يبدو أنها استفادت من الدروس التي حدثت في باقي المناطق وأصبحت حافزًا لهم لإعادة ترتيب أولوياتهم، ومن هنا وعلى الرغم من الاختراقات الكبيرة والمجازر التي ارتكبتها ميليشيات الأسد في المناطق العازلة مؤخرا إلا أن هذه الأعمال لن تؤدي إلى ما خطط له أعداء الثورة والمتعاونون معهم لأسباب كثيرة أهمها:

- إن هذه المنطقة واسعة الانتشار، ولا يوجد لدى الأسد وحلفائه القوة البشرية التي يمكن أن تسيطر عليها بشكل كامل لوقت طويل في حال الاستيلاء عليها.

- والسبب الثاني أن هذه المنطقة تحوي عدداً كبيراً من المقاتلين يفوق عددهم 120 ألف مقاتلاً، وإذا رغب الأسد وحلفاؤه مهاجمة هؤلاء يحتاج إلى تفوق عددي يبلغ ثلاثة أضعاف القوة المدافعة وهذا حسب العلم العسكري والاستراتيجية المتبعة في ميدان المعارك لا يمكن أن يتحقق لأن أعداد قوات الأسد وميليشياته الطائفية لا يتجاوز 80 ألف مقاتل، وحتى لو قام المحتل الروسي بتغطية القوات المهاجمة جويًا.

- ولعل أهم الأسباب التي تصب في مصلحة قوات الثورة هو عدم وجود مكان

مازالت بعض الفصائل المصنفة على قوائم الإرهاب تفرض سيطرتها وقراراتها على أغلب المناطق المحررة في إدلب، وهذا ما تتذرع به روسيا أمام الأتراك لجهة عدم تنفيذهم أحد أهم بنود اتفاق سوتشي

يمكن الانسحاب إليه إن فقدوا السيطرة على هذه المنطقة لسبب أو لآخر وهذا ما سيدفع المقاتلين بالتأكيد إلى التشبث بالأرض والقتال حتى الرمق الأخير.

 يأتي هذا كله في الوقت الذي مازالت بعض الفصائل المصنفة على قوائم الإرهاب تفرض سيطرتها وقراراتها على أغلب المناطق المحررة في إدلب، وهذا ما تتذرع به روسيا أمام الأتراك لجهة عدم تنفيذهم أحد أهم بنود اتفاق سوتشي حسب ادعائها ولو أن هذا الشرط يمكن أن يتم تنفيذه خلال ساعات إن رغب مَن صنع هذه الفصائل الوظيفية التي فتكت بالثورة السورية لتكون الذراع الخفية التي استخدمها من رفض إسقاط الأسد ونظامه، وسعى ومازال لإعادة إنتاج هذا النظام الاستخباراتي الوظيفي، متناسياً كل الجرائم التي ارتكبتها هذه العصابة من قتل وتدمير وتهجير لتحقيق هدف جوهري يتمثل في تحقيق التغيير الديموغرافي في سوريا أسوة بما حدث في العراق، وما سينفذ في باقي الدول التي يمكن أن تندلع فيها أحداث سيفتعلها هؤلاء لهذه الغاية والتي يبدو أنها ستكون خطوة في ترتيب منطقة شرق أوسط جديد خلال القرن القادم.

كل ما تقدم وعلى الرغم من تعقيد الموقف إلا أنه يمكن إيجاد حل مؤقت لحين التوافق على حل سياسي يتفق عليه الجميع، وعلى الأغلب سيكون هذا الحل كنهاية سيناريو الحرب اللبنانية ويمكن أن يبنى من خلال مؤتمر ينتج عنه محاصصة طائفية لدولة ضعيفة مشتتة، وقد يلعب الجانب التركي دورًا فعالًا إن أراد حماية حدوده الجنوبية وتحقيق أمنه القومي وبنفس الوقت حماية شعبنا وأهلنا فيما تبقى من مناطق محررة، وهذا السيناريو أعتقد أنه المخرج المنشود للكثير من أطراف الصراع السياسي.

شارك برأيك

أشهر الوسوم